العبودية المعاصرة في شركة أمازون

ثريا طاهر

شركة امازون التي هي اكبر شركة للتجارة عبر الإنترنيت في العالم، يُحرّك عجلة إنتاجها للربح جيشاً من العمال يبلغ عددهم قرابة مليون شخص ، وصلت أرباحها فقط في الربع الاول من هذا العام الى اربعة مليارات دولار .

ظروف العمل و العمال داخل جدران امازون في بريطانيا
تعتمد الشركة على تشغيل العمال بعقود تسمى ( عقد صفر ساعة – zero hour contracts ) يعمل النسبة الأكبر من العمال بهذا النوع من العقد و هناك الموظفين الإداريين و المراقبين و المدراء يعملون بعقود ثابتة و يتمتعون بامتيازات .
“عقد صفر ساعة “نوع من عقود العمل يتمتع بموجبه صاحب العمل بحرية تحديد عدد الساعات التي يُشغِل فيها العامل ، اي يكون اسم العامل مسجَّلاً لدى الشركة او مكاتب التشغيل و يتم تشغيله عند الحاجة و بالمقابل يحق له ان يرفض عرض التشغيل . لكل من الطرفين حق قرار إنهاء تأريخ التشغيل دون أنذار سابق. لذلك يدّعي مؤسس الشركة “جيف بيزو ” بأن العاملون في الأمازون احرار! .
بالاضافة الى هذا تُشغل الشركة العمال بعقد مؤقَّت مدته ثلاثة شهور ثم تقوم بوقف تشغيلهم قبل انتهاء المدة بيوم واحد و ذلك لتجنب دفع مستحقات العامل المالية كبدل العطلة السنوية الواجب دفعه بموجب القانون و تتكون من (٥ أسابيع سنوياً ) في حالة بقاءه بعد هذه المدة . في كثير من الأحيان يُعاد تشغيل العامل المطرود بعد يوم واحد و بعقد جديد لمدة ثلاثة أشهر و هكذا.. . لا قيود على الشركة رغم وجود قوانين عمل تحفظ بموجبها ولو جزء بسيطاً من حقوق العمال.
يصف العمال العمل داخل قاعات الانتاج بعمل الروبوت ، لانه يتكون من تكرار عملية واحدة مئات المرات او حتى اكثر في اليوم الواحد . عدد ساعات العمل الاسبوعي هو أربعون ساعة ، يتم تنفيذه في اربعة ايام متتالية ،اي عشرة ساعات عمل في اليوم و نصف ساعة للغداء ( غير مدفوع الأجر ). عند بدء ساعة العمل يستلم العامل قرصاً إلكترونياً يرافقه الى نهاية يوم العمل . وظيفة القرص هي تسجيل خطوات و تحركات الشخص بما فيها استخدام المراحيض. كما و يُسجِّل عدد الوحدات المنتجة من قبل العامل و على اساسه يُحسَب الأجر اليومي .
ما يميّز العمل في شركة امازون و يضيف الى قساوته و افتقاره الى اخذ حقوق العمال في الحسبان ، هو سيطرة شبح زيادة الإنتاجية و انعكاسه على كافة تفاصيل العمل . من اجل رفع إنتاجية العمل الذي هو المحرّك الأصلي ، يوضع العامل في جو من التركيز الشديد و العجلة و الركض و تجاهل الضغوطات الجسدية و النفسية ما يخلق بيئة عمل مليئة بالخوف و التهديد و القلق المستمر . الوقت المستخدم في الذهاب الى المرحاض يؤثر على إنتاجية العامل ، اذ يستغرق في أغلب الأحيان مشوار المرور عبر القاعات و الممرات الطويلة الى التواليت و الرجوع الى العمل ٥-١٠ دقائق و يُسجٰله القرص الموجود بحوزة العامل . يؤثر هذا الوقت على عدد وحدات انتاجه و بالنتيجة على اجره المُحدٰد حسب الإنتاجية و الهدف المحدد في نهاية يوم العمل . ظهر في دراسة استقصائية بان ٧٤٪‏ من العمال يقللون من استخدام المرحاض خوفاً من انخفاض دخلهم اليومي ، و ليتجنب هذا اما يلجأ العامل الى كبت نفسه ام الركض بدلاً من المشي من و الى التواليت و الذي يجلب له انذاراً من قبل المراقبين .
طبيعة العمل و طول مسافات قاعات الشركة الذي يصل الى كيلومتر واحد او اكثر من المخازن و أحزمة تجهيز البضاعة لارسالها للزبائن ، تتطلّب المشي مسافات قد تصل الى عشرين كيلومتراً في اليوم الواحد في قاعات و ممرات الانتاج .
يُستخدم نظام النقاط كذلك في حالة إنزال العقوبات على العمال . فعند التأخير عن العمل لمدة دقيقة واحدة ، تُسجَّل نصف نقطة لحسابه ، و في حالة اخذ الإجازة لزيارة طبيب تُسجّل نقطة واحدة . يُطرد العامل اذا كان لديه ثلاث نقاط خلال ثلاثة أشهر .
هناك ثمن انساني باهض وراء ما تحاول الشركة خلقها من سمعة لدى الزبائن من تقديم خدمات سريعة و دقيقة، اذ دُعيت سيارة الإسعاف لقاعات الانتاج التابعة لشركة امازون في انكلترا اكثر من ستمئة مرة خلال ثلاث سنوات . قسم منها بسبب حوادث عمل مباشرة على شاكلة وقوع حمولة ثقيلة على احد العاملين او بسبب الأمراض نتيجة تجنب العمال مراجعة الطبيب خشية فقدان عملهم.

عمال الامازون و النشاط النقابي
ان شركة أمازون ، التي تتمتع بالإعفاء الضريبي مقابل خلقها فرص العمل ! تحارب بشتى الوسائل محاولات العمال لتشكيل أتحاد او نقابة تمثلهم و تدافع عن حقوقهم . فالعامل الذي يعترض او يحرّض العمال الآخرين على الاعتراض ، يُطرَد دون نقاش او إعطاء فرصة . كما لا يُسمَح لاقتراب ممثلي النقابات من مباني الشركة لمسافة اقرب من ربع ميل ، يُمنَع اللقاء مع العمال و حتى نشر بيانات لتوعية العمال .
بما ان نظام العمل في تغير مستمر حيث العمال يُستبدَلون بسرعة كبيرة اما بسبب ترك الشخص للعمل لعدم قدرته على تحمل قسوة العمل او بسبب طرده ، مما يسبب في تشتت العمال و عدم توفر المناخ لتقوية حس التضامن بينهم.

اعتراضات و نضالات العمال
ان اغلبية عمال شركة الامازون هم من المهاجرين تحديداً من أفريقيا و اوروبا الشرقية . الصحفي جيمس بلودورث ، الذي اشتغل كعامل لمدة ستة أشهر في احدى فروع الشركة في المملكة المتحدة و عمل سرّاً على جمع الدلائل و البيانات عن الحياة الواقعية للعمال داخل جدران شركة امازون ، كانت ثمرة عمله كتاباً وثائقياً بعنوان : مستأجَر : ستة أشهر سرّا بأجر منخفض في بريطانيا .
يقول بلودورث : عمال اوروبا الشرقية الصامتون ! يقارنون حياتهم البائسة في سوق العمل البريطاني بالحياة الأكثر بؤساً في أسواق العمل في بلدان اوروبا الشرقية .
و لكن أينما كان هناك استغلال سيكون هناك اعتراض بشكل او بأخر ، فالاعتراضات و تنظيم حركات ( وقف العمل – المعروفة ب “walkouts” ) مستمرة هنا و هناك على مدار السنة و في مختلف الفروع . كنموذج ، تحت شعار ” لسنا مكائن ” قام عمال فرع مينابوليس بتنظيم اعتراض في ١٥/تموز ٢٠١٩ امام مبنى الشركة مطالبين ب : تخفيف تركيز العمل ، توفير بيئة آمنة ، و تغير عقد العمل .

كريس سمولس و ثورته على الوحش
ان فترة الحجر الصحي كانت الفترة الاكثر إنتاجية بالنسبة للشركة، نظراً لاعتماد الناس على التوصيل البريدي لاحتياجاتهم بدلاً من اللجوء الى الاسواق التى كانت اغلبها مغلقة أصلاً.
كان كريس يعمل كمساعد مدير في احد فروع الأمازون في نيويورك عندما بدأت جائحة كورونا بالانتشار . و لم تبادر إدارة الشركة بتهيئة مناخ آمن للعمل و تزويد العمال بوسائل الحماية الذاتية كالكفوف و الكمامات و توفير مستلزمات الالتزام بالتباعد الاجتماعي او إعطاء ارشادات السلامة . و عندما لاحظ كريس ظهور علامات الفايروس على احدى زميلاته ،لم يسكت بل سارع ليُعلِم الادارة ، لكن الادارة فرضت عليه السكوت و اخفاء الامر تجنباً لنشر الخوف و الذعر بين العمال و الذي سيترك تأثيراً سلبياً على أرباح الشركة. لكن كريس لم يسكت و اعتبر إخفاء الحالة جريمة لانها تسبب في انتشار الوباء و موت الكثيرين . هكذا و كما يقول كريس : لم اكن قط ناشطاً و معارضاً في السابق، بل اصبحت هكذا بين ليلة و ضحاها، ولم أتوقف عند ذلك ،بل قمت بنشر الخبر على نطاق واسع ، ليس فقط في فرعنا، بل في الفروع الاخرى المتواجدة في الولايات المتحدة – لدى امازون ١١٥ فرعاً في أمريكا – و في البلدان الاخرى . ثم قمت بحثّ العمال على اعلاء اصواتهم و القيام بتنظيم حركة اعتراضية ، ففي ٢٨ من آذار تركنا العمل و نظمنا اعتراضاً امام مبنى الشركة و رفعنا شعار (حياتنا قبل أرباحكم ) . كان هذا تمريناً عظيماً للعمال في النضال و فهم ضرورة استمراره و تقويته ، حيث ادركوا أهمية دعوة العمال من قطاعات و شركات اخرى مشابهة من حيث ظروف العمل للانضمام الى صفوفهم. هكذا و مع إنجاز سلسلة من الفعاليات و القيام بمجموعة خطوات باتجاه الضغط على إدارة الشركة و تبني قسم من الاعلام للقضية ، و إبراز خطورة الوضع ، انتقلت القضية الى مرحلة اخرى. تزامن هذا مع حلول الاول من آيار يوم التضامن الاممي للعمال ، فقرر عمال شركات الوولمارت و هوول فوودس و انستاكارت مع عمال الأمازون إيقاف العمل ” walkout” و نظّموا حركة اعتراضية كبيرة في ذلك اليوم ، و التي تُعتبر الاولى من نوعها كحركة اعتراضية امام مباني هذه الشركات .

انتهى الاعتراض بطرد كريس و بقية النشطاء الخمسة و أخضاع الشركة لأتخاذ مسالة سلامة العمال بجدية و البدأ بالعمل على توفير مستلزمات السلامة للحماية من ڤايروس كورونا . في مقابلة مع كريس في مساء يوم الاول من آيار سُوئلً : هل يدفع اجر للعامل في امازون ان كان مريضاً و لديه اجازة مرضية ؟ اجاب مبتسماً : كلا ، فقط سمعت اليوم بان امازون بدأت بدفع مبلغ عند الإجازة المرضية ابتداءاً من هذا اليوم .
و ينهي كريس الشاب ذو البشرة السوداء حواره : لقد قمت بثورة داخل امازون . لست وحدي و رغم اني مطرود من العمل لكني سأناضل .. يجب ان نستمر بخطى ثابتة و بإصرار و نعمل على تشكيل اتحاد لعمال الأمازون .
يقول احد النشطاء ،بشير محمد ، : لقد طردوني من العمل كي يجعلوا مني نموذجاً للعامل الذي يعترض او يقود اعتراضاً ، اي لإخافة بقية العمال.

ان المجتمع البشري هو صانع للتطور العلمي و إنجازاته ، و من الطبيعي ان يتطلع الانسان بصفته جزءاً مادياً و مكملاً لهذه العملية الى الحفاظ على هذه الإنجازات و ضمان استمرار تقدمها، وقد اصبحت الخدمات الالكترونية ضرورة حياتية و بقاء و تطور “امازونات العالم ” و غيرها غير قابلة للاستغناء ، ولكن ما يُشوِّه توازن هذه المعادلة، هو حرمان الأغلبية من البشر في التمتع بهذه الإنجازات، هو ان عملية إنتاجها تتم عبر استغلال بشع لقواها المنتجة ، ما يجعل المعادلة قبيحة هو ان قوتها المُحرِّكة هي “الربح قبل الانسان ” .
و بما ان كل خلية من جسد هذا الاخطبوط العملاق تتغذى على خلايا حيوية من جسد المجتمع ، لذلك يجب ان تصبح هي و مثيلاتها ، إنتاجها و خدماتها ، نموها و تطورها ، حاضرها و مستقبلها ملكاً عاماً للمجتمع بأسره .
اذاً ليس امام الانسان خيار سوى العمل للقضاء على هذا النظام المتفسخ الذي يعيق هذه العملية ، ليس أمام البشرية سوى البدء بالعمل على قلب هذا النظام المبني على الجشع و الاستغلال ، و ليس أمام الطبقة العاملة في العالم سوى القيام بهذه الخطوة الجبارة مرة و الى الأبد .. و لا سبيل امام تحرر الانسان النهائي ان لم تطرق الطبقة العاملة و الكادحة أبواب الثورة الاشتراكية .

عن Albadeel Alsheoi

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*