حاضر كوردستان، الصراع الطبقي واحتمال الانتفاضة الجماهيرية

مؤيد احمد

16.05.2020

سلطة الحركة القومية في كردستان

تعيش جماهير كردستان حاليا في مرحلة تاريخية مشخصة ومعينة يمكن القول بانها من الناحية السياسية تحمل طابع 29 سنة من التاثيرات الماساوية لسلطة قوى واحزاب الحركة القومية الكوردية.

من المعلوم ان القوى الرئيسية لهذه الحركة القومية البرجوازية تتكون من كلا الحزبين الميليشيين المسلحين، الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) والاتحاد الوطني الكردستاني (الاتحاد)، اللذان اخضعا مجتمع كوردستان كإمارة محتلة تحت قبضتهما وسلطتهما. ذلك بحكم احتكارهم للسلاح والقمع والسيطرة على ثروات البلد وسيادة الوهم القومي و”التحرر الوطني” بين اوساط الجماهير، وربط هذه الاحزاب نفسها باستراتيجية امريكا وهذه وتلك من الدول الاقليمية وعقد الصفقات معها…الخ.

منذ عام 2009 اصبحت “حركة التغيير”(حركة گۆڕان)، بوصفها تيار سياسي حزبي قومي وجناح منشق عن (الاتحاد)، أحد اللاعبين في الساحة السياسية في كردستان. الرئيس السابق لهذا الحزب، نوشيروان مصطفى، ذو التاريخ الطويل في الاصرار على “احتكار السلاح بيد (الاتحاد) في كردستان” والدفاع عن ذلك، فجأة هو وحزبه، تحولوا الى معارضة سياسية قومية – برلمانية غير ميليشياتية.

الان وفي خضم هذه الأوضاع، حيث ازمة الاحزاب الرئيسية للحركة القومية في قمتها وفقدت “حركة التغيير” رونقها وتواجه جماهير كردستان كارثة كبرى، يقفز الى الساحة قسم من البرجوارية القومية – الليبرالية، من نتاج نفس نظام الفساد والنهب، باسم “الجيل الجديد” لينهش بعمال وفقراء ومحرومي كردستان. هذا الحزب السياسي البرلماني برئيس راسمالي اسمه (شاسوار عبد الواحد) ومؤسسة اعلامية عملاقة، دخل الساحة السياسية ناويا، بسياسة نيوليبرالية اقتصادية، الادعاء بتطوير الراسمالية في كوردستان، وكأن كوردستان لم تكن كذلك لحد الان. هذا ويريد ان يجعل من افكاره النيوليبرالية المعادية للاشتراكية حتى النخاع، برنامجا لاعتراضات الجماهير ويعرضها بصورة مخادعة كحل للبطالة والفقر والويلات.

كما ان الاحزاب الاسلامية في كوردستان، والتي شاركت طيلة مدة الـ 29 سنة، في القتل والنهب، ومعظمها مارست السياسة وهي قوى ميليشية مسلحة ولم تتوانى كلما امكنها عن ممارسة الاعمال الارهابية، كانت دوما عبئأ ثقيلا وتهديدا مرعبا لهذا المجتمع. اصبحت احزاب الاسلام السياسي هذه ومن خلال عملية صيرورة، وبعد عدة معارك مسلحة ومناورات مع الاحزاب الميليشيية القومية، جزءً من المعارضة البرلمانية وشركاء في السلطة الميليشية لهذه الاحزاب القومية.

ان الدور الموضوعي لاحزاب الاسلام السياسي في الوقت الراهن وبالارتباط بالنظام السياسي البرجوازي القومي لكوردستان هو تكملة هذا النظام. يحقق الاسلام السياسي (الاسلاميزم) ما لايستطيع القوميون تحقيقه بكفاءة بحكم هويتهم وافقهم القومي الشبه علماني والذي هو نشر الاوهام الدينية بين العمال والفقراء والمضطهدين. ان السلطات في كوردستان كانت دوما بحاجة الى تنامي ونشر كلا الايديولوجيتين القومية والاسلامية بين الطبقة المعدمة في كوردستان بغية ابعادهم عن التغيير الثوري للمجتمع ولحياتهم. ان احزاب الاسلام السياسي وفي ظل سيادة الافق السياسي القومي على  هذا المجتمع، هي فعلا شريكة النظام، اي شريكة في السلطة القومية الكوردية.

نتائج مرحلة انتقالية:

لتشخيص المسار الاكثر اساسية وراء هذا النظام السياسي القومي واعادة انتاجه خلال كل تلك الفترة الماضية، علينا العودة الى قلب مجتمع كوردستان والانقسام الطبقي وتاريخ صراع الطبقات اللامنقطع داخل هذا المجتمع. وفي نفس هذا السياق علينا تقييم علاقات الطبقات وتوازن القوى فيما بينها في الاوضاع السياسية المحددة اليوم.

هذه الاوضاع الراهنة لكوردستان من الناحية السياسية عبارة عن تطور وتكامل تناقضات حكم البرجوازية القومية الكردية والتي هي بحد ذاتها “كل مشخص” ومحدد وتتويج تاريخ الـ 29 سنة الماضية لهذا النظام والحكم. ولهذا فان التعمق في، وفهم مكونات وتناقضات وقوانين حركة هذا النظام اليوم هو مفتاح لفهم مستقبله ايضا.

لكن، قبل الاسهاب في ما ذكر اعلاه، من المهم هنا الاشارة الى مرحلة انتقالية تبدأ في اذار 1991 وتستمر حوالي سنتين. في هذه المرحلة لم تكن سلطة القوميين واحزابهم على مجتمع كردستان قد حسمت بعد حيث كانت الصراعات مستمرة واستطيع القول بان طابع هذه المرحلة لازال ظاهرا على السلطة القومية ولحد الان.

ان الانتفاضة السياسية لجماهير كوردستان في اذار 1991 وبزوغ النشاط العلني والاجتماعي للحركة الشيوعية ومنظماتها والمجالس العمالية والمجالس الجماهيرية في خضم هذه الانتفاضة، ادت الى بروز مواجهة سياسية واجتماعية معينة في كوردستان. كانت هذه المواجهة في الواقع صراع بين حركتين اجتماعيتين، المجالس والمنظمات الشيوعية ونشطاء الحرية والمساواة، والتي جميعها كانت تشكل قطب القوة الشيوعية في المجتمع من جهة، ومن جهة اخرى، الحركة القومية الكوردية باحزابها وقواها المسلحة. ولهذا فإن في هذه المرحلة كانت هناك حركتين اجتماعيتين، الحركة القومية الكردية والحركة الشيوعية،  وكانتا في صراع حول تحديد المصير السياسي والاجتماعي لمجتمع كوردستان والتي استمرت مايقارب السنتين وبصمت بطابعها كامل المرحلة الجديدة للمجتمع وعلاقات الطبقات وتوازن القوى فيما بينها.

ترك هذا الصراع آثارا في العديد من المجالات وهو جدير بالبحث والدراسة بمختلف جوانبه، ولكن ما اود تاكيده هنا اكثر هو تاثير هذا الصراع الطبقي وهذه المرحلة الانتقالية على الخصائص الاساسية والطبقية لسلطة الحركة القومية الكوردية في كوردستان.

ان الحركة القومية (ناشناليزم) ومنذ البداية كحركة اجتماعية وسياسية برجوازية جسدت، ليس فقط ماهيتها البرجوازية ودفاعها عن مصالح راس المال والراسمالية، بل ومارست عدائها الفاضح في حرب شرسة ضد بروليتاريا كوردستان والحركة الشيوعية والنضال اليومي للعمال والكادحين. اغتالت قوى هذه الحركة نزير عمر  وبكر علي مبكرا وقبل ذلك هاجمت “المجالس” ومقرات التيار الشيوعي “ره وتي كومونيست” وباشرت بالمعاداة والتامر على اتحاد العاطلين وفيما بعد سيطرت على النقابات العمالية وسدت الطريق امام تشكيل النقابات المستقلة… الخ. هذا عدا عن زجهم، وبدون اي تردد، الالاف من ابناء العمال والكادحين ومعدمي مجتمع كوردستان في حروبهم الداخلية ودفعهم للموت من اجل تحقيق سيطرة هذا او ذاك من القوات الميليشية على كوردستان.

لو نظرنا الان وبعد مرور 29 سنة الى الاعلام والخطاب السياسي والايديولوجي السائد للحركة القومية الكردية نراه لازال يحمل علامات هذه المرحلة الانتقالية، وتعيد هذه الحركة انتاجه على اساس المصالح الطبقية الحالية لبرجوازيي كوردستان وفي امتداد لعدائها للطبقة العاملة.  الاعلام والخطاب والحديث السياسي السائد للحركة القومية في كوردستان اما ان تتكتم بالكامل على هذه المرحلة الانتقالية او تشوهها وفق رؤيتها السياسية البرجوازية.

نادرة هي الدول التي تخضع فيها وسائل الاعلام والخطابات السياسية لدرجة من التصفية وتجنب استخدام اي تعبير او كلمة او فكرة توحي بالاشتراكية والشيوعية والدور التحرري للطبقة العاملة والاشارة الى المكتسبات التحررية والمساواتية لحركة هذه الطبقة  والبروليتاريا الاشتراكية،  كما هو في إعلام وخطاب الحركة البرجوازية القومية الكردية. او بتعبير اخر، قلما وجدت سلطات وتيارات سياسية برجوازية تمكنت من ابادة (جينوسايد) التراث والثقافة الاشتراكية في الاعلام والخطاب السياسي مثلما فعل هؤلاء في كوردستان. ان هذا العداء للاشتراكية هو ليس عادات وتقاليد “محلية” كوردية، انما هو الحرب الواعية للبرجوازية العالمية وخصوصية حرب البرجوازية القومية الكردية ضد الطبقة العاملة والمحرومين وهو جزء من المتطلبات السياسية والفكرية لهذه الطبقة السائدة في كوردستان وسلطتها السياسية حيث لا يمكنها العمل بدون ذلك.

ان هذا العداء للاشتراكية هو ليس عادات وتقاليد “محلية” كوردية، انما هو الحرب الواعية للبرجوازية العالمية وخصوصية حرب البرجوازية القومية الكردية ضد الطبقة العاملة والمحرومين وهو جزء من المتطلبات السياسية والفكرية لهذه الطبقة السائدة في كوردستان وسلطتها السياسية حيث لا يمكنها العمل بدون ذلك.

لا يتم فقط عدم ذكر العمال كطبقة اجتماعية ذو بديل سياسي واجتماعي وتصوير هذه الطبقة بمعزل عن صفتها الاممية والعالمية في الجو السياسي والفكري السائد في كوردستان، بل ويتم نكران وجودها. في احسن الاحوال، يتم تصويرها كفئة يُقطع رواتبها وعاطلة عن العمل ومعترضة. من وجهة نظر القوميين فان الطبقة العاملة يمكن ان يكون لها وجودا اجتماعيا فقط وفقط باسم الامة والاسلام والبائع الحر لبضاعتها، الا وهي قوة عملها، ولاغير. اي ان فكرة القوة الطبقية للاشتراكية يتم محوها باستمرار من اذهان المجتمع كي يحل محلها ايديولوجيا الناشناليزم والاسلاميزم والليبراليزم. وان هذا ليس فقط تجربة البرجوازية العالمية التي تقلدها القوى السياسية البرجوازية “المحلية” بل تجربة هذه القوى السياسية نفسها وبالاخص الحركة القومية الكردية التي كانت في حرب ولازالت ضد الطبقة العاملة والاشتراكية وشيوعيي مجتمع كردستان.

أزمة النظام السياسي القومي والنقد الاشتراكي

اليوم يمر هذا النظام بازمة سياسية عميقة يكاد ان يتحول، ككيان سياسي، الى إدارتين او بالاحرى إمارتين، وفي ظل هذا الحكم ترزخ الاغلبية الساحقة من الجماهير تحت وطاة بؤس اقتصادي مهلك. كما، وان شدة هذه الازمة الاجتماعية وتطور تناقضات هذا النظام السياسي العائلي والميليشي اكبر بكثير من ان يكون بالامكان الحد منها بسهولة وفقط عن طريق قمع الجماهير. باختصار، وكما يقول لينين “الحكام لايمكنهم ان يحكمو مثل السابق” والناس المفقرة والمعترضة “لاتريد ان تعيش كالسابق”. هذا بحد ذاته يشكل ابعاد وضع ثوري وانه مع اي درجة تطور ملحوظ في مستوى الاستعداد السياسي والتنظيمي للطبقة العاملة والمعدمين، سيتحول الى ازمة ثورية والسير نحو تحقيق الثورة والتحول الجذري.

في ظروف كوردستان الراهنة، لا صرخة “الوطن” و”الوطنية” للبرجوازية القومية الكردية ومثقفيها تلقي آذانا صاغية تذكر بين صفوف الفقراء والمعدمين، ولا الشعبوية القومية للبرجوازية الصغيرة يكون لها تاثير يذكر عليهم. من الواضح ان بقاء العمال والكادحين عالقين في اطار الاعتراضات ضد الفساد والسلطة الميليشياتية وقطع الرواتب لا يجديهم نفعا  وان احتجاجاتهم المبعثرة لا يمكنها ان تكون مؤثرة لمواجهة هذه الاوضاع.

في ظروف كوردستان الراهنة، لا صرخة “الوطن” و”الوطنية” للبرجوازية القومية الكردية ومثقفيها تلقي آذانا صاغية تذكر بين صفوف الفقراء والمعدمين، ولا الشعبوية القومية للبرجوازية الصغيرة يكون لها تاثير يذكر عليهم. من الواضح ان بقاء العمال والكادحين عالقين في اطار الاعتراضات ضد الفساد والسلطة الميليشياتية وقطع الرواتب لا يجديهم نفعا  وان احتجاجاتهم المبعثرة لا يمكنها ان تكون مؤثرة لمواجهة هذه الاوضاع.

لهذا، اليوم واكثر من اي وقت مضى، باتت ضرورة حل القضايا الرئيسية للمجتمع بشكل ثوري والخروج الثوري من هذه الاوضاع الحالية في مقدمة المسارات السياسية والاجتماعية. لكن طريق الخروج الثوري هذا لا ينبع من لاشيء انما يرتبط بصورة وثيقة بمدى تطور الصراع السياسي الطبقي العمالي ونتيجة الحرب بين البديل البرجوازي والعمالي، اي الاشتراكية والراسمالية في كوردستان.

على الرغم من ان السلطة البرجوازية القومية الكوردية في تضاد يستعصي حله بوجه اغلبية الجماهير والمجتمع، ولكن في نفس الوقت فان الاستعداد السياسي والفكري والتنظيمي للطبقة العاملة والشرائح المحيطة بها، ضعيف. واضح بان كل ذلك يمكن تغييره بصورة نوعية وبسرعة في ظروف الازمة الثورية.

الخطوة الاولى في كل هذا المسار هي تجسيد النقد بوجه “السلطة الكوردية” من المنظور الطبقي للعامل. النقد الطبقي للعامل هو نقد لنظام وسلطة الراسمال، سلطة البرجوازية الكوردية، وليس فقط نقد الفاسدين والميليشيات والسلطة العائلية. النقد الاخلاقي لايشفي غليل العمال والمضطهدين والمحرومين، فهم بحد ذاتهم تجسم للنقد الفعلي الاجتماعي والطبقي بوجه النظام الراسمالي، ويمكنهم ان يكونوا قادة سياسيين للثورة والتغيير الثوري في المجتمع  فقط عند  تقوية نقدهم الاشتراكي لهذا النظام وممثليه السياسيين ومنهم الحركة القومية ونظامها السياسي في كوردستان.

البرجوازية هي المحتوى الطبقي لسلطة الحركة القومية الكوردية، وهذه السلطة هي سلطة سياسية لراس المال والراسمالية وجهاز قمعي بيد هذه الطبقة ضد الطبقة العاملة والكادحين.  هذه هي الحقيقة التي بدون اخذها بنظر الاعتبار وبدون النقد الاشتراكي لها، لايمكن للطبقة العاملة والمعدمين في كردستان ان يلعبوا دورهم التاريخي في الاوضاع الثورية الحالية.

صحيح ان السلطة البرجوازية القومية في كوردستان فاسدة وغير آبهة بمطالب الجماهير، ولكن النمو الاقتصادي للمجتمع في النظام الراسمالي عموما يجري وفق هذا النمط. لو كانت المقارنة منحصرة بهذا المجال، فإن الفرق الوحيد لكردستان مع البلدان الاخرى، هو ان الفساد قد استشرى فيه بصورة خانقة بحيث اهلك الاغلبية الساحقة من السكان و من ضمنهم قسم من اصحاب الراسمال الصغير والمتوسط ايضا.  السلطة الميليشية والعائلية التي ضيقت الخناق على المجتمع ما هي الا في الواقع الشكل السياسي المحدد للراسمال والراسمالية في كوردستان ولهذا فان فصل الشكل عن المحتوى وكيلهما بمكيالين هو خطا مميت بالنسبة للبروليتاريا.

 

البرجوازية الحاكمة ورأس المال الاجتماعي

واضح، ان السلطة الكردية الحالية هي السلطة السياسية لراس المال دون أدنى شك، والأخير هو بطبيعة الحال حلقة من راس المال العالمي، وان هده السلطة بصورة عامة تمثل السيادة السياسية لطبقة اجتماعية الا وهي برجوازية كوردستان. مثل اي مجتمع رأسمالي آخر، فإن قاعدة واساس هذا النظام السياسي القومي في كوردستان هي علاقة راس المال والبناء التحتي الاقتصادي الراسمالي ومن هنا يستمد قوته وبدوره يخدم هذا البنيان. وفي هذا السياق، نرى ان عمل فئة معينة من الراسماليين اصحاب المليارات والملايين من داخل النظام وخارجه في ازدهار، وهم منهمكون في استثمار وتراكم راس المال في جميع القطاعات الصناعية والخدمية والتجارية والمالية والمشاريع الاقتصادية المختلفة. كل هذه الاستثمارات الراسمالية في ظل هذا النظام مرتبطة ارتباطا وثيقا بالفساد والاحتكار، وبذلك يتزايد تراكم راس المال بكميات هائلة.

سواء أ كان الحكم عائليا ام برلمانيا، ذلك ليس بذات اهمية بالنسبة للراسمال”القومي” الكوردي اي “الراسمال الاجتماعي”، مادام عمل راس المال ميسرا. الشكل السياسي للنظام الحاكم الحالي وطابعه الميليشي وفساده وكونه مؤلف من ادارتين وانعدام اسس الدولة البرجوازية الاعتيادية، كل هذا يتعارض مع المتطلبات الاقتصادية والقانونية والادارية لراس المال القومي، ولكن من الناحية السياسية ليست فقط لايشكل عقبة  امام هذا الراسمال  بل هو ضروري لقمع الطبقة العاملة وتشتيت صف نضالها في الوقت الراهن.

كما، انه حقيقة ملحوظة بان التاريخ السياسي لهذا النظام والسلطة في كوردستان لا ينفصل عن نمو الراسمالية الموجودة حاليا وبشكله المشخص هذا. الحديث عن سوء او حسن هذا النظام السياسي الميليشي بالارتباط مع مصالح الراسمال الاجتماعي في كوردستان هو الفصل القسري للسياسة وراس المال والراسمالية لهذا المجتمع في تاريخه المشخص، وفي التحليل الاخير ليس الا رومانسية قومية للبرجوازية الصغيرة ومثقفيها. ما يجري في كوردستان من الناحية السياسية وبهذه السلطة الفاسدة والميليشية والعائلية هو تاريخ نفس الحركة القومية الكوردية ودورها بالارتباط مع تطور راس المال والراسمالية وجزء عضوي لراس المال و يشكل بنائه الفوقي السياسي.

في الرأسمالية، لايهم من اين اتى راس المال في البداية وباي آلية تم تراكمه ومدى كونه نهباً وسرقةً. المهم هو انه عمل اجتماعي محتكر و ينمو باضطراد في شكل راس المال وحركته. مثل اي مجتمع معاصرآخر، يقاس النمو الاقتصادي للراسمالية في كوردستان ايضا بمدى تراكم راس المال. الم يكن جلال طالباني في حينه يقيس التطور الاقتصادي في كوردستان بعدد اصحاب الملايين فيها؟!. لم يكن هذا كلاما عابرا، بل منطق راس المال وممثليه، حيث ان حجم تراكم راس المال ومعدل الربح هو المقياس للنمو الاقتصادي وليس كون الجماهير تعيش في رفاهية ام لا.

كما، وان المسالة القومية الكوردية، باتت اكثر من اي وقت مضى، تتقدم بحسب مصالح راس المال الكبير، وان تشكيل الدولة القومية الكوردية في كوردستان العراق اصبح من متطلبات هذا الجزء من راس المال القومي الكوردي وصفقاته وعلاقاته بالبرجوازية العالمية والاقليمية.

انظروا الى صف اصحاب الملايين والمليارات الذين نشأوا في داخل )الاتحاد( والان هم مع )البارتي( او على وشك التضامن معه، يقف خلف هذا، منطق واقعي ومادي متمثل بمصالح راس المال. الحركة القومية والتحزب القومي يتجاوز حدوده المعتادة على ارضية مصالح راس المال . الحركة القومية الكوردية و”الوطنية” ازالت الستار عن نفسها في نهاية هذه الـ 29 سنة وباتت تمثل بصورة جلية مصالح راس المال الكبير وبالتالي راس المال الاجتماعي.

بالتزامن مع هذا الواقع، فان المحاولات المخادعة للبرجوازية المتوسطة وتذمر الفئات البرجوازية الصغيرة ومثقفيها لا ينتهي حيث يريدون اشغال جماهير العمال والكادحين بالعواطف الوطنية والنقد الاخلاقي المتمثل بلامعقولية الفساد والنهب، وارباكنا مرة اخرى بالقومية الشعبوية، وبهذه الطريقة، ابعادنا عن القضية الرئيسية الا وهي سيادة الطبقة البرجوازية الكوردية ونظامها السياسي على المجتمع، والتي هي مصدر المصائب حيث ان الفساد والميليشيا وسلطة العائلة اجزاء غير منفصلة عنها، كما وهي مصدر فقر الجماهير وبؤسها ايضا.

الخلاص من اوضاع كوردستان الراهنة والنضال من اجل تحقيق هذا التحول، يستلزم اظهار الحقائق الطبقية للمجتمع وصراعات الجارية فيه كما هي، كي يكون واضحا لدى الجماهير المضطهدة والمعدمة في المجتمع  اين هو مكانهم داخل  هذا الصراع وباي اتجاه عليهم ان يوجهوا رماحهم في نضالهم السياسي. طبعت الحرب الطبقية الجارية في كوردستان بالضرورة ولازالت طابعها على هذه الاوضاع السياسية التي يمر بها هذا المجتمع.

 

الانتفاضة في كوردستان، الافاق والتحديات

اليوم في كوردستان، الاستياء والاعتراض في أوجه، وثمة احتمال نهوض جماهيري واندلاع انتفاضة عارمة كالذي يجري في مدن وسط وجنوب العراق، ولكن مدى تحقق هذا الاحتمال يرتبط بعوامل عدة لايمكن التنبؤ بها مسبقا.

مايهم الاشارة اليه هنا هو ان التحديات والمسائل الاساسية التي تواجه انتفاضة العمال والكادحين والشابات والشباب والطلبة في وسط وجنوب العراق هي نفسها التي تواجه هذه الفئات في كوردستان ايضا. البطالة والفقر والمستقبل المجهول ضيقت الخناق على كلا الطرفين، وكلاهما في مواجهة نمط من النظام عير قابل لاي اصلاح اوتعديل. قامت كل من الجماهير في العراق وكوردستان، وبالاخص منذ 2011 بالعديد من المظاهرات الكبرى وقتلت العشرات والعشرات من المتظاهرين في كوردستان، وبالنسبة لوسط وجنوب العراق، وبالذات وتحديدا، منذ اندلاع انتفاضة اكتوبر 2019 والتي هي مستمرة لحد الان، تم قتل المئات من الشباب والشابات المنتفضين وجرح عشرات الالاف منهم كما وتم اعتقال واختطاف المئات من قبل الميليشيات والمؤسسات الامنية للنظام. ولهذا،  فإن التغيير الثوري لكلا النظامين في بغداد وكوردستان بات المسالة السياسية الرئيسة في كلا المجتمعين في الوقت الراهن.

لا شك ان توازن القوى الطبقية في مجتمع كوردستان وبالتالي توازن القوى بين تيارات وقوى السلطة للحركة القومية الكوردية مقابل جماهير العمال والكادحين والمعدمين مختلف عما هو عليه في وسط وجنوب العراق. كما، وان المسارات السياسية المشخصة لهذا المجتمع لها خصائصها المعينة، ولكن هذا لايغير من حقيقة كون هذين النظامين في تضاد مستعصي الحل بوجه اغلبية الجماهير. ان زخم متطلبات التغيير الجذري وازالة كلا السلطتين في كوردستان والعراق اقوى من ان يتم التصدي لها بأوهام الحركة القومية والايديولوجيا الاسلامية والقومية. وهذا هو الذي يقوي ويدفع  بمسيرة تجسد التضامن الاممي للعمال والكادحين وتحقيق الانسجام والتنسيق في نضال الشباب الثوري في كلا المجتمعين العراق وكوردستان.

المعارضة البرجوازية وانتلجنسيا البرجوازية القومية الكوردية

السيطرة اللامحدودة لكلا حزبي العائلة وقواهما الميليشية على الشريان الاعظم لاقتصاد كوردستان وفشلهما في ادارة الدولة وتامين متطلبات “الدولة البرجوازية الكوردية” والاستمرار بـ “الادارة الثنائية”، ادى الى بروز استياء داخل  صف واسع من البرجوازية المتوسطة والصغيرة والانتلجنسيا القومية- الليبرالية والبرجوازية المطالبة بالاصلاحات السياسية، وتموقع هذه الفئات في الصراع مع السلطة البرجوازية القومية الكوردية. وبالتالي وضمن هذا السياق نشأ حزب المعارضة البرجوازية القومية من داخل النظام نفسه.

الطبقة العاملة والمعدمة في كوردستان والصف الواسع من المعطلين عن العمل والموظفون وذوي العمالة الهشة والدخل المحدود والمفقرون الذين يعانون يوميا تحت وطأة ثقل هذا النظام من البطالة وسوء المعيشة ومن هجمات الاجهزة القمعية وميليشيات “السلطة القومية الكوردية” على عتراضاتهم وتظاهراتهم، يبحثون عن طريق خلاص جذري من مأسي وويلات هذا النظام. اتضحت لهذه الجماهير، من خلال تجربتها الخاصة ووعيها السياسي، بان هذا النظام غير قابل للإصلاح ولا بد من ان يُزال ولا يبقى.

ان السلطة واحزابها وقواها وكذلك المعارضة البرجوازية من داخلها تحاول دائما وبالف وسيلة ووسيلة تشتيت صفوف نضال بروليتاريا كوردستان. التحديات الرئيسة التي تواجه  نضال هذه الطبقة المعدمة هي فصل صفها المستقل عن افق وسياسة واستراتيجية المعارضة البرجوازية القومية.

اشغلت المعارضة القومية الكوردية الساحة السياسية في  مجتمع كوردستان منذ سنوات بضجيجها، واصبحت احدى العوائق الرئيسية امام تقدم الصف النضالي المستقل والموحد للعمال والموظفين والكادحين من اجل تحقيق التغيير الثوري والجذري من خلال اسقاط هذا النظام. راينا كيف اخرجوا مظاهرات 2011 عن مسارها واستغلوها كاداة لجمع الاصوات لمقاعد البرلمان ووعود كاذبة بالاصلاحات ولاضعاف الزخم الثوري للجماهير المنتفضة.

الهدف من هذا النوع من الاصلاحات البرجوازية هو تحقيق مصالح هذا الجزء من راس المال المتوسط والصغير في كوردستان كي تسير امورهم بشكل جيد عبر قيام النظام بالاصلاحات وكي تمكن هذا النظام من ان يمثل بالتساوي جميع اصحاب المال ووسائل الانتاج. وهكذا يُعرض الأمور وكأن العمال والموظفين والمعطلين والمعطلات عن العمل والمعدمين سوف ينعمون بالراحة في ظل ازدهار كسب واعمال هؤلاء وزوال سرقة ونهب الحكم  العائلي. غير ان هذا ليس الا ذر الرماد في العيون اذ ان الناس الكادحين و المعدمين سوف يلاقون اضطهادا اشد في ظل البرجوازية المتوسطة والصغيرة وهذه تجربة العالم كله. ليس هناك امر مشترك يجمع هذا الجزء  من راس المال وممثليهم السياسيين مع العمال والكادحين، على العكس من ذلك، فان العمال و الكادحون سيصبحون وقودَ تحقيق اهداف وسياسة واستراتيجية هذا القسم من الطبقة البرجوازية.

إن الاصرار على استراتيجية وسياسة التغيير الجذري والاطاحة بالنظام البرجوازي القومي في كوردستان يتطلب، وقبل كل شئ، رسم الحدود الطبقية مع الافق الاصلاحي البرجوازي القومي المعارض في كوردستان، هذا بالاضافة الى ضرورة فضح المحتوى الطبقي البرجوازي للاسلاميين و دورهم العدائي ضد جماهير العمال  والكادحين والمعدمين.

لذا، وبخصوص طريق الخلاص السياسي من المازق الذي يعيشه مجتمع كوردستان بسبب سلطة الحركة القومية، ثمة وبشكل عام، سياستين واستراتيجيتين متعلقتين بطبقيتين اجتماعيتين. الاولى هي الاستراتيجية الاشتراكية للطبقة العاملة، والثانية هي استراتيجية البرجوازية القومية الرامية الى تأسيس الدولة البرجوازية.

 

استراتيجية وشعار الانتفاضة الجماهيرية الشاملة في كوردستان

ان التظاهرات والاحتجاجات كانت مستمرة على الدوام في كوردستان، ولكن ولحد الان لم تتحول الى انتفاضة وتظاهرات جماهيرية شاملة على صعيد مجمل ارجاء كوردستان ولم تتحول الى تهديد جدي للسطلة. من المعلوم، لا يمكن التنبؤ بانتفاضة الجماهير مسبقا حيث ثمة عوامل كثيرة لانبثاقها من عدمها، ولكن ما هو مهم عمليا هنا، وعلى نفس منوال  ما حدث في وسط و جنوب العراق، والذي اصبح  فيه شعار الاطاحة بالنظام اجندة الانتفاضة، من الممكن كذلك وبصورة مشابهة، و باعتقادي، ان تكون الاطاحة الثورية بالنظام شعار الانتفاضة العامة في كوردستان.

من الواضح ان عملية النضال السياسي الطبقي و تطور التناقضات في المجتمع والاسباب التي تقف وراء هذه العملية كلها لا تسير وفق برنامج واجندة وخطة مسبقة، ولا يمكن لاحد التبنؤ بتطوراتها، إنما تتحرك كعملية مادية وتاريخية في قلب المجتمع وتظهر وتتقدم اثر تفاقم تناقضاتها. يقول ماركس “تضع البشرية بالضرورة فقط تلك المعضلات امامها التي يمكن ان تحلها لأن… المعضلة نفسها تظهر حينما تكون الشروط المادية لحلها قد توفرت او تكون في عملية التكون” ( ماركس- مقدمة مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي). فإذا كان اسقاط السلطة في كوردستان قد اصبح ضرورة، واضح اذن إن طريق حله موجود ايضا، والاخير مرتبط بمدى تقدم القوى المنظمة للطبقة العاملة والكادحة في كوردستان ولشابات وشباب هذه الطبقة، لانهم اصحا المصلحة في ايجاد التحول الجذري وهم الذين بامكانهم ان يكونوا بديلا طبقيا تجاه تلك الاوضاع. ذلك الصراع السياسي والطبقي الذي ظهر تاريخيا عام 1991 على المسرح السياسي لمجتمع كوردستان والذي اوجد مرحلة انتقالية، بات يعيد نفسه اليوم بشكل اقوى بمرات عدة.

يشكل الصف المليوني لعمال وكادحي ومعدمي كوردستان اليوم  قوة اجتماعية وطبقية اكثر اقتدارا بكثير من ذاك الذي كان موجودا في آذار 1991، حيث تتواجد اليوم تكنلوجيا الهاي تيك ونظم الاتصالات والكومبيوتر والصناعة الكبيرة التي لم تكن موجودة آنذاك، واذا كانت موجودة فانها لم تكن بهذا المستوى. هذه بمجملها زادت من انتاجية العمل بصورة عالية وعززت ووطدت الارضية المادية للتغيير الاشتراكي بشكل اكثر، ليس هذا فحسب، بل وقوت القوة الطبقية لهذا التغيير بشكل هائل مقارنة بذي قبل. ان التغيير السياسي الثوري و الاطاحة بهذا النظام القائم عبر ثورة العمال والمضطهدين يمكن ان يتجسم ويتقدم على ارضية اجتماعية اكثر قوة من اي وقت مضى.

تغيرت هذه العوامل الموضوعية لمصلحة الطبقة العاملة والحركة الاشتراكية بشكل اعظم من 1991، وما تبقى هو تطوير الاستعداد السياسي والتنظيمي والفكري لهذه الطبقة وحركتها والذي هو نفسه وبطبيعته يتغير بشكل ثوري وسريع في الاوضاع الثورية.

ان استراتيجية اسقاط النظام في كوردستان، كما هو الحال في الوسط وجنوب العراق، بات ضمن جدول الاعمال، وان الخصيصة المشخصة للمسارات السياسية في كل واحد منهما لا تغير من هذه المسألة، كما وان كون كوردستان هي اقليم وليست دولة مستقلة لا يقلل من ضرورة وامكانية تبني هذه الاستراتيجية. ان التقاء رافدي هاتين الحركتين الجماهيريتين والتقدم في مسيرة انتصارهما على كل تلك العوائق التي تضعها البرجوازية امامهما باستمرار ومحاولاتها لحرف مسارهما، اصبح  من ضرورة المسارات السياسية الراهنة لهذين المجتمعين.

في كل تلك العملية التي ستنبثق نتيجية للوضع الحالي في كوردستان، فإن تنظيم وتقوية صف النضال الطبقي للبروليتاريا وتامين استقلاليتها عن جميع القوى البرجوازية وفرض مطالبها واهدافها الطبقية على الدوام، يشكل المحك  ليكون بامكانها حسم الازمة الراهنة في كوردستان لمصلحة نضالها السياسي الطبقي.

كل درجة من تقدم النضال السياسي الطبقي العمالي والاشتراكي في كوردستان هي خطوة في تقدم هذه الحركة لاخذ زمام  السلطة بايديها في هذا المجتمع. من هنا، وانطلاقا من هذا الموقع، تحل بروليتاريا كوردستان المسلحة بالافق والراية الاشتراكية جميع تلك المسائل السياسية العامة التي تخيم بظلالها على المجتمع، بما فيها حل المسالة القومية الكوردية، وفق مصالح نضالها الاشتراكي.

16 أيار 2020

ترجمته شيرين عبدالله من اللغة الكردية

عن Albadeel Alsheoi

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*