فايروس كورونا، الملف الصحي والتكنولوجي والسياسة الصحية

عقدت نشرة ( ره وت ) التي تصدرها منظمة البديل الشيوعي في العراق باللغة الكوردية في عددها الرابع ندوة مائدة مستديرة مع بعض من ذوي الأختصاص حول جائحة كورونا وأبعادها السياسية ، الصحية ، الدينية ،الاجتماعية والاقتصادية . كانت للرفيقة شيرين عبدالله، مشاركة سلطت فيها الضوء على الجانب الصحي، نظرا لأهمية الموضوع ننقل لكم هنا نص الأسئلة والاجابات حول هذا الجانب.

الغد الاشتراكي

ـ———————————————

الملف الصحي والتكنولوجي والسياسة الصحية

ره وت : دونالد ترامب، اتهم الصين بنشر فايروس كورونا\ سارس 2\ جائحة كوفيد 19، بدورها القت الصين تهمة نقل الفايروس على الفرق العسكرية الامريكية التي زارت ووهان ومكثت هناك.. المصادر الطبية والعلمية تشير الى ان الفايروس تواجد منذ اواسط شهر 12. 2019 في سوق شعبي كان يعرض فيه لحم الخفافيش، الى ان انتشر في العالم ، في الحقيقة، نشرت فرق طبية في الصين من نفس المدينة في اذار من العام الماضي تقريرا بالموضوع يشير الى مخاطر اصابة الانسانية بهذا المرض. وهذا مازال موجودا في الارشيف. حذرت مجموعة طبية اخرى في مؤتمرات منظمة الصحة العالمية من احتمال كبير لتفشي وباء (سموه وباء اكس) ان لم تتبع التدابير الصحية اللازمة، كيف تفسرون هذه السيناريوهات؟

شيرين عبدالله / هذه السيناريوهات لامريكا والصين واتهام كل منهما للاخر، هي في الحقيقة تهرب من الواقع الذي خلقوه لنا وتهرب من الاجابة على كل تساؤلات واستياء الجماهير من سلطاتهما في مواجهة هذا الوباء وهي جزء من الماسي التي يعاني منها 7.3 مليار من البشر. سواء كان الفايروس اتى من الصين اومن امريكا فهو لايغير شيئا بالنسبة لنا حيث وجدنا انفسنا فجاة، كمقاتلين دون سلاح، في الصف الامامي للمواجهة مع مرض فتاك لانعرف عنه الكثير والتوجيهات التي تعطى لنا غامضة ومربكة واصبحنا امام مستقبل اقتصادي قاتم ومخيف. كما اشرتم اليه فان الجهات الطبية تعتقد بان الفايروس منشأه طبيعي، حتى ان مجموعة من الاطباء وعلماء الصحة العامة اصدروا رسالة تضامنية مع اطباء وعلماء الصين نشرت في مجلة اللانسيت البريطانية( الرابط ادناه هو لهذه المجلة ) احدى اكثر المجلات الطبية اعتبارا على صعيد العالم في عددها الصادرفي 19.2.2020، اكدوا فيها بان الفايروس ذو منشأ طبيعي وعبروا عن قلقهم ازاء هذه الشائعات التي بالاضافة الى خلق الذعر والشكوك، فانها تعرقل جهودنا العالمية لاحتواء الجائحة. التقارير والادلة العلمية التي تثبت ذلك كلها موجودة وسهلة المنال. ولكن ماهو موضع التساؤل هو سبب ظهور هذا الوباء والعديد من الاوبئة الطبيعية الاخرى واصبح الان جليا بان الاستغلال اللامحدود للحياة البرية والطبيعة من خلال الصيد والتجارة من اجل الربح في النظام الراسمالي النيوليبرالي هو الذي زاد من خطر تعرض البشرية للفايروسات الحيوانية، دليل على التجاهل التام لهذا النظام، ليس فقط لمعيشة ورفاهية سكان الكرة الارضية فحسب ، بل للبيئة والمناخ والتنوع البايولوجي وتجاهلها وعدم اكتراثها بالمخاطر الناجمة عن ذلك.

https://www.thelancet.com/journals/lancet/article/PIIS0140-6736(20)30418-9/fulltext

س ٢: هل باعتقادك هناك تقصير في السياسات الصحية على صعيد العالم؟

شيرين عبدالله : في 31 ديسمبر 2019 اخبرت الصين منظمة الصحة العالمية، بوجود “عدد من حالات التهاب رئوي حاد” في ووهان بمقاطعة هوباي والذي عرف فيما بعد بفايروس كورونا المستجد. في 11.3.2020 تم الاعلان عن حالة الباندميك -جائحة عالمية-.. الان وبعد اكثر من اربعة اشهر اودى هذا الوباء بحياة مايزيد عن 260.000 شخصا واصابة 3.8مليون حول العالم.

كان ممكن ان يكون الوضع مختلفا عما هو عليه الآن .

لا شك بان السياسات الصحية للدول فيها تقصير و لقد ارتفعت الاصوات الاحتجاجية بوجهها من انحاء العالم.

قبل الحديث عن كيفية تعامل الدول مع كورونا اود ان اوضح بان اغلبية دول العالم لم تكن بالاساس مستعدة لحالة كهذه وان احدى الاسباب الرئيسية لذلك هو ضعف أنظمة الصحة والخدمات الاجتماعية واهمالها. هذا في وقت اعلن فيه المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس غيبريسوس في مؤتمر استانا 2018 بان نصف سكان العالم البالغ عددهم 7.3 مليار يفتقرون الى الخدمات الصحية الاولية وبضمنها تجنب الامراض السارية وغير السارية ، صحة الطفولة والامومة والانجاب والصحة الجنسية والنفسية… الخ. بالاضافة الى ذلك نرى في السنوات الاخيرة بان حتى الدول التي كانت تتوفر فيها هذه الخدمات الى حد ما ، تم بصورة منظمة وباستمرار اهمال هذه الانظمة واضعافها وذلك بتقوية القطاع الخاص وادخال السوق والربح وتقليص دور ومسؤولية الدولة في توفير هذه الضروريات الاساسية للمجتمع. وكان هذا عاملا في اضعاف أكثر للانظمة العامة وعدم قدرتها على تحمل صدمة كهذه. لقد دق خبراء وعلماء الصحة ناقوس هذا الخطر ولكن صيحاتهم لم تلق اذانا صاغية.

فمثلا، اشار طبيبان مختصان في الصحة العامة في بريطانيا عام 2014 الى انه حين (وليس اذا) ياتي الوباء القادم والذي قد يكون لنفلونزا الطيور او غيرها، سوف لايكون لدينا اكثر من بضعة اسابيع بمعنى ان الباندميك كان على راس قائمة التهديدات المتوقعة في البلاد. وسلط الطبيبان الضوء على ان تعديلات 2012 في نظام الصحة العامة لبريطانيا قد تسبب في تفاقم هذا الخطر كثيرا. جدير بالذكر بان نظام الصحة الوطنية البريطاني NHS يعد من انجح الانظمة عالميا ضمن البلدان المتطورة  وتوفر مجانا لكل سكانها. في السنوات ال 30 الاخيرة شنت الحكومات المتتالية في بريطانيا هجوما شديدا وباستمرار على هذه المنظومة بهدف ادخالها السوق وسحبها التدريجي من القطاع العام الى القطاع الخاص وكساد الأرباح ، فاغلقت العديد من الخدمات او تم تقليصها وفقد العديد من العاملين فيها وظائفهم وشملت هذه الهجمات، بالاضافة الى مجال الصحة، كل الخدمات العامة الاخرى كالتعليم والنقل والمواصلات والخدمات الاجتماعية ونظام الرعاية الاجتماعية  والسكن…والخ الى درجة ادى الى ازدياد نسبة الفقر في البلاد بحيث اوجدت ازمة للمنظمات الخيرية التي هي نفسها شملت بهذ العملية بنفس الطريقة.

مجئ كورونا:

لذا فان القصور طويل الامد ولم يبدأ الان وان هذا النظام نفسه هو جزء من الكارثة. مع بروز كورونا اصبح هذا القصور اكثر سطوعا ليس فقط في بريطانيا  بل في العديد من البلدان المسماة بالمتقدمة.

كما تعلمون فان منظمة الصحة العالمية اعلنت  30/1/2020حالة طوارئ صحية على صعيد العالم وقبل ذلك وفي 10.1.2020 اصدرت المنظمة رزمة الارشادات لكل الدول حسب المعلومات المتوفرة انذاك عن المرض. الانتقادات الموجهة للدول بصورة عامة هي:

– نرى انه بدلا من العمل المشترك والتنسيق فيما بينها للقضاء على الجائحة يتعاملون بفردية ومن منظور قومي ضيق.

– الخطط الصحية يضفوا عليها التباطؤ وعدم الاكتراث وذلك باهمال المباشرة بعملية الفحص ومتابعة الحالات والملامسين وعدم الايقاف السريع للتجمعات العامة مثل المراسيم الدينية والرياضية والحفلات والمناسبات الاجتماعية الكبيرة وعدم السيطرة على الحدود وحجر الوافدين الى البلد وعدم العمل بسرعة على توفير مستلزمات الحماية والوقاية كالكمامات والكفوف واجهزة التنفس (والتي كان من الممكن للعديد من الدول تصنيعها محليا او استعمال مخزونهم الحربي !).  شهري شباط وآذار كانت هناك فرصة مهمة للغاية تم ضياعها، كان يجب على البلدان استغلالها للتحضير للوباء الذي كان يتفشى يوميا امام اعيننا.

– تجاهل الفئات المنسية في المجتمع مثل اللاجئين والسجناء والمشردين وسكان المخيمات ودور المسنين والمعاقين…

– النساء وضحايا العنف المنزلي لم تشملهم الخطط الوقائية فسرعان ما ارتفعت اصوات الاعتراض من قبل المنظمات النسوية في العديد من الدول بسبب ازدياد حالات العنف ضد النساء اللوالتي اجبرن على البقاء في الحجر مع معنفيهن وصعوبة حصولهن على الخدمات وصعوبة الاتصالات…

– العديد من البلدان اتبعت سياسة مناعة القطيع التي اصبحت موضع انتقاد شديد من قبل خبراء الصحة العامة كونها سياسة غير مناسبة . تراجعت قسم من الدول عن ذلك ولكن ظلت سياساتها الوقائية في احسن الاحوال يشوبها الغموض ومثيرة للارباك لدى الجماهير.

– العمال العاملون في الوظائف الرئيسية كالصحة والنقل والمواصلات والبريد وعمال البلدية والاسواق العامة والعاملين في تحضير وتعبئة المواد الغذائية .. لاتشملهم توجيهات البقاء في المنزل. لذا فان هذه المجموعات هي الاكثر عرضة للاصابة بالفايروس . مع ذلك نرى تقصير فاضح لبلدان عديدة تجاه هذه المجاميع وخاصة من حيث توفير التدابير الوقائية من الاصابة بالفايروس وعدم وضوح الارشادات ، فنرى اعدادا ملحوظة من الضحايا من بين الكوادر الصحية والمواصلات وغيرها من الوظاءف الرئيسية. هذا في وقت فيه نقص عالمي حاد في اعداد الكوادر الخدمية وخاصة في القطاع الصحي حسب تقارير منظمة الصحة العالمية.

– رزم المساعدات المالية لا تشمل العديد من العمال وهؤلاء ليس لديهم اي ضمان اقتصادي ولهذا لايسعهم التوقف عن العمل بسهولة والالتزام بالحجر المنزلي في حال اصابتهم او افراد عوائلهم بالمرض. اصبح هذا الامر عائقا امام السيطرة على تفشي الفايروس. هذا بالاضافة الى ان بلدانا مثل العراق لم توفرحتى اية مساعدات مالية.

س ٣:  هل لديكم ملاحظة مهمة حول التدابير التي اتخذتها البلدان للحد من انتشار الوباء؟ هل كان موديل الصين ناجحا ام السويد؟ ما رايكم بكوريا وامريكا؟ لماذاتدهور النظام الصحي لايطاليا من ضمن اوربا؟

ش ع: ان مقارنة البلدان وتاثيرات الوباء عليها ليس بسيط ومباشر، وان لكل بلد نظام خاص به في تسجيل الاصابات والضحايا.. ولكن هناك نماذج ناجحة في العالم وهي مبعث امل وتشير الى ان العمل السريع والتنسيق يمكن ان يساهم الى حد كبير في منع انتشار الفايروس او على الاقل حمايتنا من اسوا النتائج. فمثلا كوريا الجنوبية التي اجرت الفحص ومتابعة الملامسين بكثافة او المانيا التي سارعت في ازدياد عملية الفحص كذلك ونيوزيلندا بنفس الطريقة اتبعت استراتيجية القضاء على الفايروس. بالمقابل نرى ان بلدان امريكا وبريطانيا والبرازيل على سبيل المثال، تسبب الوباء فيها باصابة اعداد هائلة وذلك بسبب البطء في التحرك وعدم وضوح ارشاداتها ومد اصابع الاتهام لهذا وذاك والتفكير الضيق في الحدود الجغىافية لبلدانهم لاغراض داخلية بدلا من التنسيق عالميا. هذا النمط من اللامبالاة وعدم الاكتراث صار موضع استياء جماهيري واسع ووضعت دور بلدان العالم في رعاية مصالح مواطنيها موضع السؤال.

س ٤: بعد تجاوز مرحلة كورونا، لاشك بان اي انسان اوجهة اومجموعة وحزب سياسي جدي عليه ان يصوغ مشروع سياسية صحة عامة ضمن برنامجه، ويحدث تغييرا جديا في كامل مفاصل النظام الصحي ، ما هو بنظركم، البرنامج والمشروع والمقاييس العلمية التي تتطلبها مجتمعات اليوم؟

ش ع: برايي ان هذه الجائحة، حتى يومنا هذا ،ابرزت الى السطح معضلتين، وان البشرية وصلت مكانا بحيث ان علاجهما اصبح غير قابل للتاخير. اولهما اللامساواة والثاني انعدام الخدمات الصحية العامة للجميع وبالمجان.

كورونا سلط الضوء على مشاكل تلك الفئات في المجتمع التي لاتراها او تسمعها السلطة ولاتحسب لها حسابا في خططها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. كورونا ايقظ العالم باسره بكوننا محاطون بلامساواة خيالية. ان كوفيد-19 هو تحدي بايولوجي، فبالاضافة الى اثاره الصحية الفيزيكية والنفسية، له اثار اقتصادية واجتماعية بعيدة المدى كذلك. يمكنني القول بان بحثا في الخلفيات البيوكرافية للمصابين والمتضررين الاكثر من هذا الوباء، يدلنا الى طرق العلاج والوقاية من اوبئة اخرى مماثلة.

اشارت صفحة البي بي سي يوم 8.5.2020 الى ان نسبة الموت بكورونا من بين سكان المناطق المحرومة (55\100000) ، خمس وخمسون متوفيا بين كل مئة ألف وهي ضعف المناطق الثرية التي تبلغ فيها النسبة خمسة وعشرون متوفيا من بين كل مئة ألف (25\100000).

ان اي مشروع صحي عام يمكنه خدمة المجتمع فقط عندما يتسنى لكل فئات المجتمع الحصول عليه مجانيا وبدون اية فروق.

المطلوب في كل البلدان هو نظام صحة ورعاية اجتماعية عامة بمقاييس عالمية عالية من التعليم والتدريب واجهزة ومعدات ذو مواصفات عالية وشروط عمل واستحقاقات معيشية مناسبة لكل العاملين فيها. نظام يمكنه توفير الخدمات للمجتمع بالتساوي وبدون فروق وان يكون مصانا من تدخل السوق والقطاع الخاص والسياسات الاقتصادية النيوليبرالية.

شيرين عبدالله

9.5.2020

عن Albadeel Alsheoi

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: