بصدد الحوار الدائر حول الريع والقيمة

فلاح علوان

-1-
يدور منذ بضعة أسابيع حوار حول الريع وخاصة النفطي، وقد اتسع ليشمل مفاهيم القيمة وفائض القيمة، وقد شارك فيه أكثر من كاتب ومشارك في التعليقات. وجاء الحوار إثر مناقشة مجموعة ” الاتجاه الماركسي المعاصر” وهي المجموعة التي تعلن عن نيتها كتابة تاريخ جديد، أو ربما إحداث تغييرات في التاريخ، كما يرد في بياناتهم. وقد صادف إن نشر مستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون الاقتصادية والمالية الدكتور مظهر محمد صالح مقالاً بهذا الخصوص، تضمن هو الآخر مواداً تتطلب الرد، وهذا الموضوع سأعود اليه لاحقاً.
يمكن تلخيص لب الجدال الدائر حول موضوعة الريع، هو إن ثمة تصوراً يريد أن يثبت ان الاقتصاد في العراق هو إقتصاد ريعي يعتمد على النفط، وإنه ليس هناك طبقة عاملة في العراق، ويورد الارقام والاحصائيات ليدعم رأيه. وهذه المسألة هي ليست مسألة حوار عابر بل موضوع يستدعي التوقف والنقاش.
وفي الحقيقة لم تكن لدي رغبة جدية في المشاركة في هذا الجدال، ولكن متابعة الحوارات والتعليقات بينت إن ثمة تيار فكري بصدد التبلور حول هذه النقطة، بحيث يتحول الطرح العامّي الذي نسمعه حول هذه المسألة التي يرددها العشرات، وبعضهم قضى سنوات من عمره في السجون، وآخرون واجهوا عقوبات الإعدام وعاشوا الملاحقات طوال عقود بسبب نشاطهم السياسي كشيوعيين بالتحديد، ليتحدثوا في الختام عن عدم وجود طبقة عاملة. كما وإن المعلقين والمحاورين لم يبدوا مقاومة جدية لهذا الطرح، وبالتالي تبين وكأن فكرة الاقتصاد الريعي وعدم وجود طبقة عاملة هي التي تفوقت في الجدال. وكان جواب سامان كريم صاحب الطرح المعني بالجدال ” الاتجاه الماركسي المعاصر” تهربياَ اكثر منه رداً سياسياً في مقاله ” هناك أمور أهم من الريع النفطي” والمنشورة على صفحة الحوار المتمدن بالرابط:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=681246
والذي كشف فيه الكاتب عن عدم فهمه لموضوعة الريع أصلاً وعن عدم قدرته الدفاع عن تصوره السياسي، واحتمائه بالشعارات والأهداف العامة، فكان مستوى رده تعزيزاً لتفوق مجادليه، وبالتالي عجزه عن الظهور بمظهر ممثل الطرح العمالي الطبقي كما يدعي، وقصور معرفته بالماركسية.
وفيما يخص شرح مفهوم الريع وتفصيله فقد بدا واضحاً الشرح الكيفي لما جرى تحليله في نصوص كارل ماركس وخاصة الكتاب الثالث من رأس المال، بحيث بدا الأخ عبد الحسين سلمان وكأنه يضع موضوعة الريع خارج قانون القيمة، وهو مخالفة صريحة لما جاء في شرح الريع الفرقي أو التفاضلي والريع العقاري المطلق. وهذه النقطة ستكون موضوع القسم الثاني من مقالي.
إن عدم وجود طبقة عاملة يعني عدم وجود طبقة برجوازية كذلك، ما لم نكن نعيش في مجتمع العبودية أو القنانة.
ورغم أن البرهنة على وجود أو عدم وجود طبقة لا يجري إثباته عبر الإحصائيات، فهذا لا يقود الا الى إستنتاجات جدالية لا أكثر، فسأستعين بالارقام والنسب للرد على الادلة التي تنفي وجود طبقات في العراق.
ومثلما انه لا يجوز أن نحكم على مصير وموقع طبقة الفلاحين وفقاً لموسم أو مجموعة مواسم رديئة او خاسرة، أو حتى لفترة تطول من الكوارث الطبيعية، أو الجفاف فهذا لا يغير من واقع إن الفلاحين طبقة، وإن علاقتهم بملكية الأرض باقية كما هي، ولا يجوز أن نبني منظورنا على أساس أرقام موسم أو أكثر، فانه بالقدر نفسه لا يمكن الحكم على الوضع الطبقي لملايين الشغيلة وفقاً لوجود سلطة فاسدة تؤدي دوراَ يقتصر على الاستحواذ على الثروة وتقوية مراكزها السياسية في الداخل والخارج.
ووفق الطريقة التي يحاكم بها السيد عبد الحسين سلمان موضوعة فائض القيمة والريع، فانه يستحيل حساب معدلات فائض القيمة في قطاع صناعة الطيران ذات الاحتكار المطلق وصناعة المعدات الدقيقة والالكترونية التي يفرض صانعوها احتكاراً شبه مطلق ولا في صناعة السينما التي يتداخل فيها الفن والمواهب بالعمل الحرفي التقني، وبالتأكيد لا يمكن حساب فائض القيمة بصورة مباشرة في صناعة الاسلحة الثقيلة التي تتدخل فيها السياسة والابتزاز أكثر من تدخل قوانين السوق، حيث ان متوسط الربح فيها لا يتقرر حسب معدلات فائض القيمة، وإنما أعلى بكثير بل بصورة غير متناسبة. ويتم تقرير معدلات الربح عن طريق السيطرة على التجارة الدولية وإبتزاز الفوائض من البلدان الواقعة تحت الهيمنة أو التابعة، ويجري ترسيخ تقسيم العمل الدولي بموجب مصالح القوى القائدة في السوق العالمية. وبالمناسبة كل الصناعات المشار اليها أعلاه تتميز بنصيب هائل من الريع الذي يطلق عليه ريع التكنولوجيا الذي يشكل عوائد طائلة في مداخيل الشركات العالمية أو سلاسل التوريد العالمية. أما اذا اعتبرنا هذه الصناعات ريعية وغير رأسمالية فسنعود الى قصة كون أمريكا بلد غير إمبريالي وغير رأسمالي، وهو خلاف المنطق بالتأكيد.
إن تحقق فوائض من الريوع لا يبدل الوضع الطبقي ولا وجود الطبقات، إنه يؤثر في مستويات الاجور والاسعار ونوع الصناعات القائمة، ولكن هذا لا يلغي وجود طبقات في المجتمع.
إن الخلط بين مستوى التطور السياسي للطبقة ووجودها الموضوعي هو خطأ، فربما تعيش الطبقة العاملة والكادحون لعقود تحت تأثير التيارات البرجوازية، وخاصة في الاقطار المتأخرة، ولكن هذا لا يعني إنها أصبحت خارج العلاقات الطبقية في المجتمع أو إنها تستطيع العيش بدون بيع قوة عملها.
يتحدث تروتسكي بجدية وليس بدون حماس عن وجود نصف مليون عامل في روسيا ذات المئة وخمسين مليوناً خلال ثورة 1905 وان أكثر من 200 ألف من بينهم هم أعضاء في المجالس في مقاله: (Fifty Days) The Soviet and the Revolution والموجودة على الرابط : https://www.marxists.org/archive/trotsky/1918/ourrevo/ch05.htm
ينطلق أصحاب تصور الاقتصاد الريعي وعدم وجود طبقة عاملة في العراق من موضوعة حجم العوائد النفطية ونسبتها من الصادرات، وهذا تصور خاطئ بالطبع. فعلى رغم كون العوائد النفطية تشكل أكثر من 90% من الصادرات في العراق، فإن الناتج الاجمالي هو غير الصادرات ورغم أن حجمه يتأثر بتضخم الأسعار، الا ان المقصود هنا هو الحديث عن انتاج واقعي أياً كان طابعه، محاصيل زراعية، لحوم، مواد نصف مصنعة، طابوق، إسمنت، مواد إنشائية، ثروة حيوانية، تكرير، نقل، خدمات، خياطة، أخشاب .. الخ. ويشمل الناتج الاجمالي العديد من الفروع عدا عن المشار اليها اعلاه، وسواء دخلت في الصادرات أم استهلكت بالكامل محلياً، فهي قيم فعليةجرى انتاجها واستهلاكها.
يشكل النفط مابين 63% الى 65% من الناتج الاجمالي في العراق، ومن الطبيعي ان هذه النسبة ليست بالكامل ريعاً، فإن الريع يشكل نسبة منها، ويمكن حساب النسبة حسب تقلبات الاسعار ومستوى تكاليف الإنتاج. وحتى لو كانت نسبة الريع أربعة أضعاف القيمة الفعلية المتحققة، فسيكون لدينا ربع هذه النسبة أي 15% هي ناتج اجتماعي على أساس التكاليف.
ومن بين 5 ملايين برميل نفط تنتج في العراق، هناك مليون برميل يجري استهلاكه يومياً في الداخل بعد تكريره، وهو يستهلك كوقود سيارات، ووقود مولدات كهرباء، أي البانزين وزيت الديزل “الكاز” والنفط الأسود الذي تستخدمه معامل الطابوق كوقود رخيص، والقار وزيت التشحيم، والزفت والاسفلت وما يدخل في الراتنجات الصناعية، ومنتجات الصناعات البتركيمياوية ومنتجات الاسمدة، ومنتجات المبيدات والعديد من الصناعات التكميلية الفرعية. ويباع النفط ومشتقاته في داخل العراق بالأسعار العالمية وليس بالأسعار المدعومة، ويزيد سعر البنزين في العراق عن مثيلاته في دول مثل إيران ومصر وحتى الاردن.
وبالمناسبة هذا المليون برميل اليومي يشكل قصة عجيبة وغريبة، وهي انه لا يدخل في باب مبيعات النفط في الداخل، رغم انه يستهلك داخلياً ويدخل في دورة الانتاج والتبادل، إذ يجري تسريب عوائده الطائلة في أقنية وحسابات خفيه وصفقات. وهذه مسألة بحاجة الى بحث خاص.
إن أسعار الوقود التي يستهلكها المجتمع في الداخل، توازي أو تطابق الأسعار العالمية، وبالتالي لا تؤثر على ما يعرف بهيكل الأسعار، ولا تؤثر كثيراً على مستوى الاجور الحقيقي للعمال، بل العكس، حيث يدفع العامل أو مستهلك الوقود سعر السوق العالمي وليس سعراً ريعياً أي سعرا مدعوما. وهكذا فان أجور العمال في العراق هي ليست أعلى بكثير من الاجور في مصر أو سوريا أو ايران وكلها من الدول ذات الاجر المنخفض جداً للعمال.
ولنعد الى الناتج الاجمالي والى نسبة النفط فيه.
يبلغ الناتج الاجمالي في العراق نحو 224 مليار دولار سنوياً وقد بلغ 234 ملياراً عام 2018. file:///C:/Users/Falah%20Alwan/Desktop/wallpaper/Documents/التقديرات%20الاولية%20للناتج%20المحلي%20الاجمالي%20و%20الدخل%20القومي%202018.pdf
وإذا حسبنا نسبة مساهمة النفط في الناتج الاجمالي البالغة 65% فسيكون مبلغها حوالي 145.500 مليار دولار، وإذا طرحنا مليون برميل يجري تصنيعه واستهلاكه داخلياً، أي خمس هذه النسبة وهوما يساوي 13% فسيتبقى 52% أي ما يعادل نحو 115مليار وهذا المبلغ ليس بالكامل ريعاً فهناك تكاليف الإنتاج، فإذا أعتبرنا ان ¾ النسبة البالغة 52% ريعا فسيتبقى لدينا ما نسبته حوالي 38.5% بالمئة أي حوالي 88 مليار دولار. وهو ما يعادل أو يتناسب عموما مع حجم الصادرات السنوية من النفط، والتي تستولي عليها المافيات الحاكمة بالتظافر مع القوى الإمبريالية التي أوصلتهم الى السلطة، أما الباقي فهو ناتج إجتماعي يجري استهلاك غالبيته العظمى محلياً.
إن المسألة المحورية التي تجنبها صاحب الطرح الاساس وناقده هي إن عمال النفط في العراق كانوا طليعة المواجهات العمالية بعد 2003 لغاية 2007. لماذا هذه التواريخ بالتحديد؟ بعد عام 2003 كان القطاع المنتج الفعال بالدرجة الرئيسية في العراق هو النفط والكهرباء، وكانت احتجاجات العاملين في النفط متواصلة، ولكن السلطة التي وجدت في قطاع النفط شريان حياتها، عملت على رفع مستويات رواتب العاملين في النفط الى ما يقرب من 3 أضعاف رواتب العاملين في قطاعات اخرى، عدا عن الارباح السنوية والحوافز، وهذا بسبب الارباح الطائلة التي يوفرها قطاع النفط. وبرغم هذا الواقع وقعت احتجاجات في قطاع النفط ولكنها محدودة وجزئية، وقد ذكرنا هذا أكثر من مرة في العديد من المناسبات وقلنا نحن لسنا ضد رفع مستويات رواتب عمال النفط ولكن كنا نطالب بمساواة رواتب العاملين في القطاع العام، والحيلولة دون قيام السلطة بتكوين ارستقراطية عمالية.
يتبع

2020 / 7 / 4

عن Albadeel Alsheoi

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: