معكم يا جماهير لبنان في محنتكم وفي نضالكم الثوري

الزلزال الهائل الذي هز بيروت يوم الثلاثاء 4-8-2020 والذي جاء نتيجة انفجار كميات كبيرة من مادة نترات الأمونيوم، تسبب، لحد هذه اللحظة، في قتل أكثر من ٢٠٠ شخص وجرح أكثر من ستة آلاف وعشرات المفقودين وتشريد أكثر من ٣٠٠ ألف شخص، بالإضافة الى تدمير شبه كامل للبنى التحتية في المدينة، عمّق وفاقَم من البؤس والمآسي التي تعاني منها الجماهير في ظل السلطة الطائفية والقومية الفاسدة في لبنان.

انطلاق الالاف من الجماهير الغاضبة الى شوارع بيروت إثر هذه الحادثة المروعة، جدد من مشاهد الانتفاضة الجماهيرية التي انطلقت في أكتوبر 2019 والتي خفت مؤقتا نتيجة جائحة كورونا. اقتحم المتظاهرون مباني ثلاث وزارات واستولوا عليها، وفي نفس الوقت بادروا بإطلاق حملات جماهيرية لدعم المنكوبين والجرحى والبحث عن المفقودين وتنظيف المناطق المتضررة من الأنقاض.  رفع المتظاهرون شعارات مثل “الشعب يريد إسقاط النظام ” وارحل” ودعوا الى معاقبة المتنفذين ورؤساء الأحزاب الحاكمة.

لم تتمكن قوى الجيش التي واجهت المتظاهرين بالعنف، من إخماد هذه الموجة الجديدة من الاحتجاجات حيث أجبرت الحكومة أخيرا على الاستقالة بعد ان كان قد توعد رئيسها حسان ذياب بإجراء انتخابات مبكرة.

ان معاناة جماهير العمال والكادحين والشبيبة اثر الفقر والعوز والبطالة الهائلة في ظل النظام الرأسمالي في لبنان، والسياسات النيو ليبرالية الاقتصادية التي نفذتها قوى النظام الطائفي الفاسد وحكوماته المتتالية، و تدهور مستوى الخدمات العامة والنظام الصحي والتعليمي العام نتيجة تلك السياسات، تفاقمت سنة بعد أخرى. لقد استمرت كل هذه المعاناة في ظل التقسيم الطائفي للمجتمع والنظام السياسي المحاصصاتي الحامي له، وفي خضم تدخل مختلف القوى الإمبريالية والإقليمية في البلاد، من إسرائيل والدول الإمبريالية الغربية والنظام في سوريا والنظام الإسلامي الحاكم في إيران وغيرها.

كان لبنان ولا زال موضع تدخل مختلف هذه القوى، حيث الكل يحاول أن يحصل على موطأ قدم فيه وان يجعله ضمن دائرة نفوذه، بدءً من الاحتلال الفرنسي للبنان، الحرب الأهلية اللبنانية، حروب إسرائيل وحملاتها العسكرية واحتلالها لجنوب لبنان لسنوات طويلة، تدخل السعودية الرجعي عبر اتفاقية الطائف، وثم الوصاية العسكرية السورية فيها والتي ساهمت ووفرت الغطاء لتأسيس مليشيا حزب الله بدعم من الجمهورية الإسلامية في ايران. والى يومنا هذا، ولبنان يعاني من هذه التدخلات، وما تنصيب أمراء الحرب كمسؤولين عن إدارة هذه الدولة (رئيس جمهورية “ماروني”، رئيس حكومة “سني” و رئيس برلمان “شيعي” ) سوى انعكاس لهذه الأوضاع والتوافقات.

ان زيارة ايمانويل ماكرون للبنان فور وقوع الحادث، وكذلك زيارة نائب أردوغان وبالتنسيق مع الحكومة الأمريكية والحلفاء الأوروبيين، تأتي ضمن سياق بقاء لبنان تحت سيطرة ونفوذ القوى الإمبريالية العالمية والإقليمية. هذه الزيارات، ورغم ادعائها التعاطف مع جماهير لبنان شكلا، الا انها جاءت، كامتداد لتدخل نفس هذه القوى الرجعية لغرض الإجهاز على حراك الجماهير الثوري.

ان جماهير لبنان الكادحة والتحررية مدعوة اليوم لتدارك هذه الاخطار وهذه الأدوار والمحاولات المشبوهة والرامية الى إعادة السيطرة على الأوضاع، وبالتالي القضاء على الحراك الجماهيري الثوري المستمر حتى اليوم، وذلك عبر سياسات توافقية وحلول ترقيعيه، الغاية منها الحفاظ على الأوضاع الحالية، كما يحدث في العراق في الوقت الراهن، ومنع ارتدادات هذا الحراك وتحوله الى زلزال سياسي يعم المنطقة.

إن انتفاضة أكتوبر والحراك الثوري في كل من لبنان والعراق اليوم، يشكل جزءً من سمات الحياة الاجتماعية والسياسية المعاصرة في منطقة الشرق الأوسط. ان توطيد التلاحم النضالي الأممي للطبقة العاملة والجماهير الكادحة والشبيبة الثورية والحركة النسوية التحررية في كلا البلدين والمضي قدما لطي صفحة الإسلام السياسي والقوميين والطائفيين وتحكمهم بمصير المجتمع، سيكون خطوة جبارة الى الأمام. وهو الطريق المضمون لتحقيق التقدم الاجتماعي وانتصار الحراك الثوري ليس في العراق ولبنان فحسب، بل وفي المنطقة باسرها للخلاص من براثن حكم البرجوازية الدينية والقومية والطائفية.

ان الطائفية التي مزقت هذا المجتمع منذ الخمسينات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا آن لها أن ترحل، وآن وقت القضاء عليها، تلك هي مهمة الحراك الثوري الجماهيري الواسع الذي يحتاج ان يبحث عن مفاتيح النصر فيه، وهي لا تأتي اعتباطا، وانما بتنظيم تلك الجماهير لنفسها ولعب الطبقة العاملة والكادحين دور القيادة فيها وتأطيرها بأفق اشتراكي يضمن لها النصر بتحقيق مجتمع تسوده الحرية والعدالة والمساواة.

نحن، في منظمة البديل الشيوعي في العراق، في الوقت الذي نعبر عن عميق مواساتنا لأسر وعوائل ضحايا هذه الكارثة، ونتمنى للجرحى الشفاء العاجل، نعلن عن تضامننا الكامل مع جماهير لبنان في محنتها ونساند حراكها الجماهيري الثوري الحالي. كما ونطالب بتحقيق شفاف وعادل تقوم به الجماهير المنتفضة نفسها لتحديد المسؤولين عن هذا الحادث وذلك لنيل جزاءهم المستحق.

النصر للحراك الجماهيري الثوري في لبنان

عاشت الاشتراكية 

منظمة البديل الشيوعي في العراق

١١ / ٨ / ٢٠٢٠

عن Albadeel Alsheoi

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: