وهم التغيير عبر الانتخابات

جلال الصباغ

شكلت دعوة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لإجراء انتخابات مبكرة في منتصف العام المقبل سباقا من قبل أقطاب السلطة وأحزابها في تأييد هذه الدعوة والتطبيل لها، بل إن رئيس البرلمان قد دعا إلى انتخابات أبكر وطالب بحل البرلمان بأسرع وقت، وشاركه قائد مليشيا بدر ورئيس كتلة الفتح في البرلمان هادي العامري بضرورة إجرائها في نسيان من العام المقبل، أي قبل موعد الكاظمي بثلاثة اشهر، ومن قبلهم هدد زعيم مليشيا عصائب أهل الحق قيس الخزعلي رئيس الوزراء من ان مهمته تنحصر في التهيئة للانتخابات القادمة وليس أي شيء آخر! والسبب وراء هذا التأييد والتهديد هو طوق النجاة الذي تمثله الانتخابات للعملية السياسية الغارقة بفعل ضربات انتفاضة أكتوبر ووصول قوى السلطة لطريق مسدود يضاف إليها تقاطع إرادات الداخل والخارج حول الوضع في العراق.

إن لعبة الانتخابات هي ضمان هيمنة واستمرار الطبقة المسيطرة والسائدة اقتصاديا، ليس في العراق لوحده، إنما هي طريقة القوى البرجوازية في كل مكان، ومهما كانت نتيجة هذه الانتخابات أو الأحزاب التي ستفوز فيها، فأنها ستعبر عن بقاء وتحكم طبقة الملاكين وأصحاب رؤوس الأموال والشركات والمصارف، وتتمثل هذه الطبقة في العراق بأحزاب السلطة وقواها ومختلف فئات  الرأسماليين وأصحاب المليارات والملايين التي تستحوذ على كدح العمال و نهبت ثروات المجتمع وموارد الدولة وسيطرت على مقدراتها، وهي تقاتل من أجل عدم خسارة هذه الامتيازات. كذلك فأن القوى العالمية والإقليمية الراعية لهذا النظام غير راغبة باستبدال قوى المحاصصة الطائفية والقومية، التي انتهجت سياسات النيو ليبرالية الاقتصادية وخط خصصة قطاعات الدولة وخضعت لشروط المؤسسات المالية والمصرفية العالمية مثل البنك وصندوق النقد الدوليين، والعمل على هيكلة الصناعة وإنهاء القطاع العام، وإبقاء الدولة فريسة بيد زعماء الطوائف والمليشيات والأحزاب، المنفذة للسياسات الرأسمالية العالمية.

ليست الانتخابات الوسيلة الوحيدة بيد القوى البرجوازية المسيطرة على الدولة، إنما هي إحدى هذه الوسائل، التي تعطي الشرعية للقوى المسيطرة عن طريق إجراءات شكلية تصور أن الجماهير تختار ممثليها، فهنالك الأجهزة الأمنية التي تمارس الانقلابات في حال سيطرت قوى ثورية جماهيرية تقف بالضد من سيطرة البرجوازيين على موارد الدولة، وهنالك مجموعات المثقفين والأكاديميين والإصلاحيين الذين يروجون للأنظمة ويصورون الحلول، في بقاء السلطة بيد ذات المجموعات وغيرها من المجموعات المنتفعة من بقاء النظام، وقد بينت التجارب العالمية والإقليمية عبر التاريخ، أن الانتخابات لم تأتي إلا بمن يبقي ويضمن هيمنة أصحاب رؤوس الأموال ومن يمثلون مصالح القوى الرأسمالية المحلية والعالمية.

الانتخابات في العراق أثبتت خلال دوراتها السابقة إنها لعبة القوى الطائفية والقومية والليبرالية التي جاءت مع الاحتلال، فقد صُممت قوانين هذه العملية – مهما اجري عليها من تعديلات- على ضمان تقسيم الحصص بين هذه القوى التي تخدم من جاء بها، ولا تقوم بشيء سوى تبديل المالكي بالعبادي  وعبد المهدي بآخر من نفس المستنقع.

لقد قطعت الجماهير المنتفضة في العراق أشواطا واسعة باتجاه التحرر من سيطرة قوى الإسلام السياسي وشركاؤهم الآخرين، كما أدخلت هذه القوى في أزمة متفاقمة ومستمرة، فمنذ خروج المنتفضين في الأول من أكتوبر  العام الماضي، رُفع شعار إسقاط النظام، وكانت الدعوات باتجاه الخلاص من ثلة اللصوص والقتلة بكل مسمياتهم وتشكيلاتهم، ما دفع بالنظام والإصلاحيين الباحثين عن إجراء تعديلات وتغييرات ترقيعية، تنقذ النظام من السقوط، كالدعوة لإصلاح قانون الانتخاب، وإجراء انتخابات مبكرة،وتغيير المفوضية وغيرها من الإجراءات، وذلك من اجل تجاوز المأزق الذي يهدد النظام برمته. وبالفعل فقد استبدلت حكومة عبد المهدي بحكومة الكاظمي الذي كان رئيس جهاز المخابرات في الحكومة السابقة! وتم الإعداد لاستكمال إجراء انتخابات مبكرة على مقاسات قوى وأحزاب النظام.

يحاول النظام والقوى الإصلاحية المحيطة به أن يصوروا الانتخابات المبكرة على إنها إنجاز، ولا أحد يعلم ما هي طبيعة هذا الانجاز! هل تقديم موعد الانتخابات لسنة او ستة أشهر وسط سيطرة المليشيات والسلاح المنفلت واستغلال أموال الدولة ومؤسساتها؟ أم تغيير أسماء الأحزاب وائتلاف بعضها مع البعض الآخر أو انشقاق بعضها عن البعض الأخر هو الانجاز؟

إن الانسياق خلف وهم قدرة الانتخابات على التغيير، يشبه من يريد ان يقلل من منسوب مياه المحيط بالأخذ منها بقدح، وكل من يدعوإلى إعطاء الانتخابات المقبلة الفرصة لتقول كلمتها، إنما يدعو لبقاء اللصوص والقتلة وأتباع القوى التي نهبت ثروات الجماهير ووظفتها لمشاريعها ولصالح المهيمنين على السلطة.

إن الانسياق خلف وهم قدرة الانتخابات على التغيير، يشبه من يريد ان يقلل من منسوب مياه المحيط بالأخذ منها بقدح، وكل من يدعوإلى إعطاء الانتخابات المقبلة الفرصة لتقول كلمتها، إنما يدعو لبقاء اللصوص والقتلة وأتباع القوى التي نهبت ثروات الجماهير ووظفتها لمشاريعها ولصالح المهيمنين على السلطة.

خيار الجماهير ليس بعملية تقودها وتسيطر عليها وترسم نتائجها مسبقا أحزاب ومليشيات السلطة وأجهزتها الأمنية والإعلامية والقضائية، وتستخدم فيها مليارات الدولارات المنهوبة مسبقا من خزائن الدولة، بل في استكمال نضال الجماهير المنتفضة التي طالبت بإسقاط النظام، والعمل على تطوير وتنظيم هذه النضالات لتشمل وتصل إلى شرائح وفئات المجتمع  في الإحياء ومحلات السكن وداخل أماكن العمل وفي الجامعات والمزارع والمؤسسات وانتخاب ممثلين للجماهير في كل هذه الأماكن، لتكون السلطة بيد الجماهير بشكل مباشر دون تدخل ووصاية من احد.

إن انتصار الجماهير ليس بعملية تعيد إنتاج ذات الوجوه والجهات والأحزاب، انما برفض كل ما ينتج عنها، والخلاص من هذه السلطة واقتلاعها من جذورها ولن يتم ذلك دون انتصار الانتفاضة، وقيادتها من قبل قوى الجماهير الثورية التي تتبنى الخط الاشتراكي، دون تقدم النضال الثوري والاشتراكي للطبقة العاملة والجماهير الكادحة في المجتمع. إن أسقاط النظام الحالي وسن دستور جديد للبلاد يكون عموده الفقري العلمانية والحرية والمساواة الحقوقية وتوفير العمل وضمان البطالة والسكن والتعليم والعلاج اللائق والمجاني لجميع المواطنين هو الخطوة الأولى في مسيرة النضال الاشتراكي لبناء مجتمع خال من الطبقات وتسوده الحرية والمساواة.

عن Albadeel Alsheoi

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: