أما نحن أو أنتم ،  وقفة مع الاحداث الأخيرة في بيروت !

عبدالله صالح

لنبدأ بهذه القصيدة التي كتبها الشاعر محمد مهدي الجواهري في السبعينات من القرن الماضي

جللٌ مصابُك يا بيروت يبكينا/ يا أخت بغداد ما يؤذيك يؤذينا

ماذا أصابك يا بيروت دامية/ والموت يخطف أهليك وأهلينا

‏عضّي على الجُرح يا بغداد صابرةً/ بيروت تعرفُ ما فيها وما فينا

بيروتُ تعرفُ من بالروعِ يفجعنا/ علم اليقين وكأس الموت يسقينا

نادي بنيكِ وقصّي بين أظهرهم/ ضفائر الطهر أو حتى الشرايينا

عضّي على الجُرح يابغداد واتعظي/ من أحرق الأرز لن يسقي بساتينا…

تتوجه الأنظار هذه الأيام ، ليس في المنطقة فحسب، بل وفي العالم نحو لبنان، وبالتحديد نحو مدينة بيروت بعد الفاجعة الأليمة التي وقعت يوم الثلاثاء الرابع من آب / أغسطس ٢٠٢٠، اثر انفجار كم هائل من مادة نترات الامونيوم التي كانت مخزونة في مرفأ بيروت منذ حوالي سبع سنوات ، هذا الانفجار الكبير راح ضحيته حوالي مئتي شخص وجرح حوالي ستة آلاف وفقدان العشرات وتشريد اكثر من ٣٠٠ الف ، بالإضافة الى الدمار الهائل الذي لحق ببيروت، تلك المدينة التي كانت تسمى يوما بـ ( باريس الشرق ) باتت اليوم مدينة منكوبة تفتقر الى ابسط مقومات العيش .

تأتي هذه الكارثة لتضيف مأساة انسانية عميقة وكبيرة اخرى وجرح اخر الى السجل الطويل من المعاناة التي يرسف بها المواطن في لبنان. فمن الجوع، الفقر، البطالة، وجائحة كورونا، وعقود من الحروب واستهتار المليشيات بحياة الانسان في هذا البلد الى حكومة محاصصاتية قومية وطائفية عديمة المسؤولية الى ابعد الحدود غارقة في الفساد والنهب والتنصل عن كل خدمات وحقوق حتى الاولية منها.

كل هذه الكوارث التي ألمت بهذا البلد لم تأتي من فراغ ، فتأريخه ومنذ استقلاله عن فرنسا عام ١٩٤٣ ولحد يومنا هذا ، تأريخ مزقته الطائفية المذهبية والقومية ، الاستعمار الفرنسي الذي حكم فيه لحوالي عشرين عاما لم يتركه قبل أن يزرع هذه الطائفية بين شعبه ويقسمه حسب المذاهب والطوائف (المسيحية بمختلف طوائفها – الإسلامية السنية والشيعية ـ الدرزية )  ثم جاءت الحرب الاهلية اللبنانية ( ١٩٧٥ / ١٩٩٠ ) والتي انتهت بتكريس الطائفية بموجب اتفاق رسمته السعودية ، سمي باتفاق الطائف (أيلول ١٩٨٩) والذي سمح بموجبه لتدخل عسكري سوري وخضوعه لنوع من الوصاية العسكرية ( ١٩٧٦ / ٢٠٠٥ ) والذي أفضي الى تشكيل ميليشيا حزب الله من قبل ايران ، تلك الميليشيا التي تشكل اليوم دولة داخل دولة ، ثم جاءت الحرب مع إسرائيل في منطقة مزارع شبعا المحاذية لإسرائيل والذي لعب فيها حزب الله الشيعي وميليشياته الدور الرئيسي وانتهت بانسحاب إسرائيل .

اذا نظرنا الى هذا التأريخ نجد بان هذا البلد وبناء على موقعه الاستراتيجي المهم الواقع على البحر المتوسط ، كان محط أنظار الدول الإقليمية والدولية على مر التأريخ ، بلد لاتريد له هذه الدول الاستقرار كي تصطاد في الماء العكر متى ما أرادت ، فالدول الامبريالية الغربية وفي مقدمتها فرنسا تعول على الطائفة المسيحية  ، السعودية تعول على الطائفة السنية ، ايران تعول على الطائفة الشيعية ، هكذا اصبح لبنان اسير هذه التجاذبات في ظل سلطة تجني أموالا ثم ينتهي بها الأمر إلى حشو جيوب حكام البلاد، الذين كثيرًا ما تغلبوا على خلافاتهم السياسية لتقاسم موارد الدولة بينهم.

انطلق حراك جماهيري عابر للطوائف والمذاهب والاقوام في أكتوبر / تشرين الأول عام ٢٠١٩ ضد السلطة الطائفية الفاسدة المتشكلة من أمراء الحرب، خطى هذا الحراك خطوات واسعة ، ثابتة نحو اسقاط هذه السلطة الى ان جاءت  جائحة كورونا ودخول البلد في دوامة انهيار اقتصادي لم يسبق له مثيل ساهم في تحميل هذا الحراك نوعا من التراجع . مقارنة بسيطة بين ما هو جار في العراق ولبنان يُظهر بشكل جلي أوجه التشابه في الحالتين من حيث نوعية الحكم و أسباب اندلاع الانتفاضة وكون كلتا الحالتين ترتبطان ارتباطا مباشرا مع الحركة العالمية المناهضة للرأسمالية وموديلها الاقتصادي الحالي النيوليبرالية ، مرتبط ارتباطا مباشرا مع نضالات الطبقة العاملة العالمية والكادحين والمحرومين ، نضال يسير بثبات وعزم وإصرار نحو تحقيق حياة تسودها الحرية والمساواة والعيش المرفه للجميع .

على الجماهير في لبنان والعراق اليوم أن تدرك بأن مستقبلها بات على المحك ،وهي اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، فأما ان تسقط هذه السلطة الطائفية والقومية وتحل محلها سلطة مجالس الجماهير الثورية المنتخبة ، كخطوة أولى نحو السير لتحقيق سلطة العمال وكادحين وبالتالي تحقيق الاشتراكية، أو الإبقاء على هذه السلطة مع ترقيع وتغيير في الأوجه ، أي بمعنى أما نحن أو هم .

ان النظام الرأسمالي يزداد توحشا يوما بعد يوم، لذا فإن التطلع والنضال من أجل تحقيق الاشتراكية بات اليوم ضرورة ملحة ليس في هذين البلدين فحسب ، بل وحتى في الشرق الاوسط والعالم ، نظام اشتراكي قائم على أساس الحرية والمساواة والكرامة الانسانية التي لا يمكن انتهاكها، وهو ما  سيفتح آفاقاً لشرق أوسط وعالم حر ومتساو يتوفر فيه الأمن الدائم والسلام والعيش المرفه للجميع على السواء.

عبدالله صالح

١٨ / ٨ / ٢٠٢٠

عن Albadeel Alsheoi

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: