لماذا المرأة؟

اقبال صلال

لماذا ينحسر مفهوم الشرف في المجتمعات المتخلفة بالمرأة فقط؟ وتحديدا في جسدها وسلوكها وصوتها ولبسها وحركتها، بل وفي كل مفاصلها، حتى عندما يخطئ الأبناء نلاحظ التهجم على الأم دون الأب لنسمع النعوت الرديئة والألفاظ البذيئة والمبتذلة بحقها، وربط سلوك الأبناء بعفة وشرف الأم واتهامها بالخيانة الجسدية وكأن الرجل كائن من كوكب آخر لا تنطبق عليه المفاهيم السائدة تجاه النساء، ولا يتحمل تبعات الحياة الاجتماعية مثل المرأة.

هكذا أُختُزِل شرف المرأة والمجتمع بأجزاء من جسد المرأة، وصار الحفاظ على العذرية من هموم السادة الرجال، وأي اتصال للشرف لدى المرأة يتعلق بجانب الجسد فقط، بينما نأى الرجل بنفسه عن هذا المفهوم..

بالعودة إلى الأديان يتكشف لنا إن الشرف شيء يختص بالمرأة، وان الرجل بحسب المفاهيم الدينية يدلل على انه أعلى مرتبة وأكثر شرفا ونزاهة، لا لشيء، فقط لأنه ذكر، وان تدنس شرف هذا الرجل فإنما يتدنس بفعل ما تقوم به النساء من أعمال خارج وصاية الذكور، وهذا الأمر يكاد يكون واحدا في جميع الأديان. لقد أهانت الأديان المرأة ونعتتها بأبشع النعوت ولخصت وجودها بأنها كائن “مقرف ونجس” بكل المقاييس، انما وجدت لكي تخدم الرجل وترفه عنه وتنجب له الأطفال فقط..

في سوق الأخلاق الذي أسسته المنظومات المجتمعية الرجعية والتي تخدم بقاء نظام معين، كل الظلم والامتهان والعبودية موجهة نحو المرأة، فالأخلاق هنا ليست شيئا واحدا وثابتا ينطبق على الجميع، إنما ترتبط بالنساء على الغالب، فمفاهيم الشرف لا تخص الرجال في المجتمعات الذكورية، وان مستهم فبسبب النساء التابعات لمجموعة معينة أو عائلة معينة، فبمجرد كونك ذكرا يعني انه ليست عليك أية مثلبة او خطيئة مهما مارست أو فعلت، مهما سرقت أو اغتصبت او ضربت، لا بأس عليك ما دمت ذكرا، أما النساء فلا، لان جميع التهم جاهزة لترمى في اية لحظة ووقتما أحس الذكور أن سلطتهم مهددة.

في مسيرة التغيير والنهوض، تعمل المجتمعات على تغيير الواقع وتظهر القيادات والرموز الواعية معتمدة على ذاتها وإمكانياتها من العُنصريَنْ، المرأة والرجل،  متأثرين بتجارب محيطة  بهم وهم بدورهم يسعون في تشكيل النواة الأساسية للتغيير والنهوض، وبالفعل استطاعت النساء في العراق ولأول مرة من قبر مفاهيم الذكورة والتخلف والرجعية أبان انتفاضة أكتوبر، حيث شاركت النساء وفي مناطق كانت تحت سيطرة الإسلاميين والعشائريين، بقوة وكثافة غير مسبوقة في أي حراك ثوري سابق، بل ان النساء قُدنَ الحراك الجماهيري في العديد من المناسبات خلال الانتفاضة وكنّ على رأس العديد من المظاهرات والمسيرات، ليعلن عن بدء مرحلة جديدة من النضال النسوي المدعوم اجتماعيا، لكن كيف بمقدور هذه الحركات المسنودة من فئات اجتماعية كبيرة، خلق التغيير نحو المساواة بين الجنسين؟  كيف يتحقق ذلك والأنظمة الفاشية وأحزابها الرجعية الذكورية تتعمد أن تدوس بالأرجل على رقاب النساء، وجعلهن شماعة خطايا يعلقون عليها كل رذيلة وجريرة ارتكبوها، حينما أرادوا بسط هيمنتهم وإشباع غرائزهم ومشيئتهم ورعونتهم الذكورية، المبنية على فوقية الرجل المستمدة من الأوضاع السياسية والاقتصادية داخل الكثير من الدول، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

لو لم يكن التركيز على إضعاف ودونية المرأة بهذا الحجم، من قبل القوى الذكورية المهيمنة في المجتمع، لما كنا الآن نطالب بحقوق ومساواة، وما كنا لنهدر الوقت والجهد لنثبت إن المرأة كيان انساني حاله حال الرجل، وهي ذات وليس شيء، او موضوع شبيه بالقنبلة السامة والموقوتة التي يجب الحذر من إعطائها الحرية والحقوق والمساواة، خوفا من الانفجار وتدمير المجتمع!!

إن الاستهداف المنظم عبر التاريخ للنساء إنما يهدف لبقاء الهيمنة الذكورية المتمثلة بالسيطرة على النساء وجعلهن مجرد أدوات، والهدف النهائي من بقاء هذا الوضع، هو ضمان بقاء النظام الاقتصادي والسياسي البرجوازي في المجتمعات المختلفة، وهنا ليس على الحركات التحررية النسوية الا العمل مع القوى الثورية المؤمنة بالاشتراكية التي تهدف لخلاص المجتمع، رجالا ونساءً ، من الاستغلال، فلا حرية للمرأة بدون الخلاص من الأنظمة الرأسمالية التي تستغل النساء وجميع فئات المجتمع في سبيل تحقيق هيمنتها.

عن Albadeel Alsheoi

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: