عام على انتفاضة أكتوبر 

جلال الصباغ

سقطت الاوراق الصفر عن شجرة الانتفاضة، بفعل الهزات والرياح التي ضربت هذه الشجرة طوال عام كامل، فقد انتهت صلاحية خطاب القوى الاصلاحية التي كانت تراهن على نتائج الاصلاحات التي تقوم بها السلطة من الداخل، عن طريق تغير حكومي هنا او قانون للانتخابات هناك او غيرها من الفعاليات التي ليس من شأنها تلبية مطالب الجماهير، انما هدفها النهائي هو المد في عمر النظام لأطول فترة ممكنة.

كما سقطت في ذات الوقت كل الدعوات التي كانت رائجة في بدايات انطلاق الانتفاضة ولحد فترة ليست بالبعيدة، وهي دعوات العفوية والابتعاد عن التنظيم بحجة الحفاظ عليها من المتسلقين وراكبي الأمواج والانتهازيين، الأمر الذي أصاب الانتفاضة وحركتها بالتخبط والعشوائية وجعلها فريسة لقوى وأحزاب ومليشيات السلطة. اليوم ومع التجربة القاسية للمنتفضين وقواهم الرئيسية، صار التنظيم والدعوة إليه هو الأولوية التي يجب اعتمادها ونحن نتهيأ لمرحلة جديدة من الانتفاضة.

ومثلما سقطت دعوات العشوائية والعفوية، كذلك عرت الانتفاضة قوى السلطة، وخصوصا بعض القوى التي تصور نفسها بدور المعارض لتدخل كل حركة احتجاجية جماهيرية وتسيطر عليها، وهذه القوة هي التيار الصدري ومليشياته، فقد أسقطت انتفاضة أكتوبر هذه الجهة ووضعتها في مكانها الطبيعي مع بقية أحزاب السلطة ومليشياتها في نفس الخانة. كما أنها فضحت دور رجال الدين والمرجعيات، وبينت للجماهير ان هؤلاء انما يعيشون حالة من التخادم بينهم وبين السلطة، وهم من أكثر المدافعين عنها والمساهمين في بقاء هيمنتها ونهبها وقتلها واستغلالها للجماهير.

محاولة قوى الثورة المضادة  لأبقاء الانتفاضة في قالب المطالب الإصلاحية، وحصرها في هذه الزاوية عن طريق التسويق من داخل الانتفاضة ومن خارجها، بانها بعيدة عن الشأن السياسي، هي الأخرى تم إسقاطها، والجماهير الثورية اليوم ترسخت لديها قناعة تامة، بانه من دون الخلاص من نظام الطوائف والقوميات، لن يتغير اي شيء، ومن دون عمل سياسي جاد ومنظم لن تستطيع الانتفاضة الانتصار وتحقيق أهدافها.

ان التجربة الجماهيرية التي عاشتها قوى الانتفاضة خلال عامها الفائت، علمتها آليات وأساليب السلطة ومليشياتها في مواجهة المنتفضين، سواء على المستوى الواقعي على الأرض وخططهم في القمع والقتل والخطف، اوعلى المستوى الإعلامي المتمثل بالتشويه والتحريض والكذب عبر وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات وغيرها من الوسائل.

مثلما كشفت الانتفاضة إجرام السلطة واستغلالها وزيفها، كذلك كشفت وعرت كل القوى العالمية والإقليمية والأممية التي تصور نفسها مدافعة عن الجماهير في العراق، فقد بينت الانتفاضة الدور الحقيقي لكل من الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية في إيران وغيرهما من الدول، بالإضافة إلى الأمم المتحدة عبر ممثلتها بلاسخارت، وكيف لعبت هذه الأطراف دورا في دعم بقاء النظام والبحث عن مصالحها السياسية والاقتصادية ومصالح شركاتها بعيدا عن آمال الجماهير في التغيير.

خلال عام كامل من عمر انتفاضة أكتوبر المستمرة حتى الآن ، بشكل أو بآخر، تم فرز القوى السياسية والاجتماعية التي تقود الانتفاضة بِحِسٍ ثوري يُمثل تطلعات الجماهير في بناء نظام سياسي جديد بعيدا عن  أمراض وأحقاد الطائفية والدين والقومية، نظام يستطيع تحقيق العدالة والرفاه والمساواة لكل المواطنين بعيدا عن اية هيمنة ايرانية او تركية او أمريكية أو سعودية.

ان دماء أكثر من ٨٠٠ شاب وشابة وعشرات الآلاف من الجرحى والمعاقين فاتورة باهظة جدا دفعتها قوى الانتفاضة من النساء والطلبة والمعطلين عن العمل والثوريين الآخرين بكل فئاتهم ومسمياتهم، وهذه الدماء الغالية التي روت ولا تزال شجرة الحرية، يجب أن لا تذهب هدرا، بل يجب أن تزيدنا عزما وثباتا حتى تحقيق النصر النهائي على دولة النهب والمليشيات

  ٢٢/٩/٢٠٢٠

عن Albadeel Alsheoi

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: