طارق فتحي
تحت وطأة حكم قوى وعصابات الإسلام السياسي، شهد المجتمع في العراق تراجعا ملحوظا، وعلى كل المستويات، فقد غابت الدولة المدنية، وغابت القوانين التي تنظم حياة الناس، وعادت بشكل صارخ ومخيف العشائرية، فكانت قوانينها وسننها هي البديل، بل هي السائدة اليوم، والمعارك بين هذه العشائر باتت سمة طبيعية، وتنقل في بث مباشر على كل مواقع التواصل الاجتماعي، وشيوخ العشائر أضحوا اشخاصاً “مقدسين”، فلا احد يجرؤ على انتقادهم، الاحياء منهم والاموات، وعند الازمات، تترجاهم السلطة للتدخل وانقاذها من الهبات الجماهيرية، كما حصل اثناء انتفاضة أكتوبر، وهذه العشائر تصدق عليهم كلمات لوكاش* ((ان العشائر هي بحكم الضرورة التاريخية، المستغلة، وضحية الاحتيال عليها، والمخدوعة دائما، تجعل منها سماتها البطولية بالذات، والتي تنبع من بدائية وجودها الاجتماعي، لعبة ممثلي القوى الحاكمة)).
“أحلام السنين” مسلسل جاء ليحاكي واقعا حدث في اربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، في مناطق اهوار الجنوب، المناطق التي تحكمها قوانين العشائر، الشخصية الرئيسية التي تبرز في المسلسل بشكل لافت هي شخصية “ساچت الفالح”، شيخ العشيرة، القاسي والمستبد، يقود مع حوشيته و”سركاله” حربا إذلالية على كل افراد العشيرة، يمعن في استصغارهم ويزيد من خضوعهم، ويسلبهم كل منتوجهم الزراعي، بموافقة رجل الدين “المٌله”، الذي يغدق عليه الشيخ “ساچت” الكثير من الهدايا، ويزيد من حصته من الحنطة والرز، فضلا عن علاقاته الجيدة برجالات الدولة الملكية والمستعمر البريطاني، كل أولئك كان ساچت الفالح قد ضمهم الى صفه، فكان يبطش بالفلاحين ويعاقبهم بأشد ما يكون؛ فكر البعض من هؤلاء الفلاحين بالهروب من هذا الواقع المؤلم، وبالفعل يهاجرون الى بغداد، لكنهم لم ينجحوا في التأقلم مع هذه الحياة، فواقع بغداد يختلف كليا عن واقعهم، لقد عاش هؤلاء الفلاحون حياة بائسة في الريف “موطنهم الاصلي” من جراء ظلم شيوخ العشائر لهم، وطاردهم البؤس الى المدينة، بواقعها ونمط حياتها المختلف كليا.
تواجد المرأة كان له دورا لافتا في المسلسل، فكانت “سما بنت نايف” زوجة ساچت الفالح، التي كانت غير راضية عن أفعال زوجها، وأيضا كانت “فطيم” زوجة المقتول “حسين الساچت” الذي قتله ابن عمه الشيخ ساچت، وبحثها عن الثأر من قاتل زوجها، وتحريض أولادها على قتل الشيخ ساچت، فضلا عن “حسنه” الزوجة الثانية والصغيرة للشيخ ساچت، والتي ينتهي المسلسل بقتلها له؛ هذه الأدوار النسائية كانت قد احتجت عليها مجموعة عشائر في مدينتي العمارة والبصرة، بحجة ان العشائر لا تعامل المرأة هكذا، مع ان المسلسل لم يتعمق كثيرا بالواقع المأساوي للمرأة.
المسلسل حصد مشاهدات جيدة، وأحدث نقاشات مختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي حول قضية شيوخ العشائر ومدى استهتارهم بحياة الفلاحين، مع ان المؤلف لم يقل الحقيقة كاملة، ولم ينقل الواقع كما كان، وقد يكون بسبب خوفه من بطش هذه العشائر، فبعد عرض الحلقات الأولى للمسلسل، تم تهديد القناة وبعضا من الممثلين؛ في العموم فأن المسلسل كان قد كشف الغطاء عن بعض ما كان يفعله شيوخ العشائر بالفلاحين، وان عودتهم القوية اليوم ما هي الا لغياب الدولة الحقيقية والفعلية، فقوى الإسلام السياسي تتكأ عليهم عندما تمر بأزمات مصيرية، فهم سيبقون دائما لعبة بيد القوى الحاكمة؛ شكرا لكادر المسلسل الذي لامس بعضا من تاريخ هذه الفئة الاجتماعية.
- “لوكاش” هو المفكر الماركسي الهنغاري جورج لوكاش (1885-1971
منظمة البديل الشيوعي في العراق تنظيم شيوعي عمالي منهجه الفكري والسياسي ماركسي مستنبط من “البيان الشيوعي”
