الإسلاميون ضد الفن والحياة

طارق فتحي

الإسلام كدين يحرم بشكل تام كل أنواع الفنون “الغناء، الرقص، الموسيقى، الرسم، النحت، الشعر، التمثيل”، وكدين فهذا شأنه، لا يمكن لاحد ان يفكر بتغيير الأمور، لأنها لن تتغير، فالأديان تستند على كتب وانبياء وائمة وتعاليم وطقوس يعدها اتباعها مقدسة، لأنها ،بحسبهم، تأتي من قوة خارجية “الله”، فلا يمكن لاحد ان ينقدها او يقوم بتعديلها؛ المشكلة هي عندما يصل الإسلاميون الى السلطة، فهم وكالعادة يحطمون ويدمرون كل فن في ذلك البلد، والنماذج كثيرة (إيران، أفغانستان، السعودية، والعراق منذ 2003)، فبعد ان جيء بهم ونصبهم الامريكان كسلطة في العراق، وهم “سائرون” بشكل ممنهج بتدمير جميع الفنون، وتحويل اماكنها الى خرائب، وكأنهم في حالة “فتح ونصر”.

تحولت دور السينما في عهدهم البائس الى خرائب واطلال، بعد ان كانت متنفسا للعوائل، تستمتع بأجمل الأفلام، بل كانت العروض في بعض الأحيان تثير نقاشات وجدالات بين أوساط الشباب والطلبة، وقد كان للعراق سينما، رغم تطورها البطيء، الا ان الذاكرة تستمتع بمشاهد من أفلام (سعيد أفندي، الجابي، وغيرها).

المسرح في العراق من المسارح الراقية والعالية جدا ،تأليفاً وتمثيلا واخراجاً، شخوصه باقون في ذاكرة الجمهور” يوسف العاني، سامي عبد الحميد، خليل شوقي، ازادوهي صاموئيل، هناء محمد، انتهى المسرح ولم يبق منه غير أماكن معدودة، لكن دون مسرحية او ممثلين.

الغناء من أجمل الفنون في العراق وأحبها للناس، والحديث عنه يطول، والناس تردد تلك الأغاني الجميلة لسليمة مراد ويوسف عمر والغزالي وداخل حسن ومائدة نزهت والقائمة لا حد لها، أُستعيض عن هذا الفن الراقي بلطميات ونواح وعويل من الصباح حتى المساء، بمناسبة او دون مناسبة، وانتشر ما يسمى ب “المهوال” وبمطربي “الهوسا”، سعدون الساعدي خير نموذج، والغوا دروس الموسيقى والنشيد في المدارس الابتدائية.

الرقص عند الإسلامين من أكثر الأشياء تحريما، فهم قد يتساهلون مع الموسيقى والغناء او التمثيل، لكنهم قَتَلة بكل معنى الكلمة امام فن الرقص، وقد يحلل هذا الرفض القاتل “فرويديا” بالقبول التام لديهم، فنظرتهم الى هذا الفن جنسية بحت، ففي بعض الفتاوى لبعض مشايخهم وسادتهم يقولون فيها “يسمح للزوجة بالرقص لزوجها في غرفة النوم” وهذه الفتاوى تحمل تلميحات واضحة للعقلية الجنسية التي يحملونها، لأنهم يربطون الرقص بالجنس.

اما فن الرسم فكانت الحركة الفنية في العراق عامرة، وتولدت شتى المدارس الفنية، وبرزت أسماء قلما يجود بها الزمان، فقد تأسس اول معهد للفنون في عام 1936 وهو اول مؤسسة حكومية تعنى بالفنون بشكل عام، وعندما عاد فائق حسن من باريس قام بتأسيس قسم الرسم في هذا المعهد، ومن بين الأسماء الكبيرة والرائدة في المشهد الفني حافظ الدروبي، عطا صبري، نوري الراوي، وداد الاورفلي وغيرهم الكثير، كانوا يمثلون الحركة الفنية في العراق بأجمل ما يكون، ولوحاتهم تشهد على ذلك، وتبقى شامخة جدارية الثورة للفنان فائق حسن.

اما فن النحت، فان الإسلاميين هم وميليشياتهم قد استنفروا كل طاقاتهم لتهديم جميع النصب الفنية، والتي خلدت مراحل تاريخ هذا البلد، وعكست الروح الفنية التي كانت تعمل داخله، فن النحت الذي يقول عنه هيجل انه ( تقطيع في المادة الواقعية تمثيلا خارجيا ومكانيا للروح) ، فقد قطعت ايادي فنانين كبار اجمل واروع المنحوتات، اليوم يُزال رأس أبو جعفر المنصور وتمثال السعدون ويستبدلا بنسخ مقلدة، تقطع أصابع تمثال (ابونؤاس) وتقطع يد تمثال (الحبوبي)، وتُرمى النفايات حول تمثالي شهرزاد وشهريار، وتُوضع صور لرجال الدين تحت نصب الحرية، فن النحت الذي تطور في العراق كثيرا وانجب أسماء لامعة ، جواد سليم، إسماعيل فتاح الترك، محمد غني حكمت، خالد الرحال والتي كانت منحوتاتهم شامخة في بغداد، رغم عدائية القوى الإسلامية الظلامية والرجعية المتخلفة. اليوم هذه القوى البربرية تنصب لها تماثيل غاية في الفجاجة والسخرية، بل لا يمكن حتى ان نقول عنها انها تماثيل،” فأصنام مكة “افضل من أعمالهم النحتية الساذجة هذه “اسد النجف، المقاتل المعمم في بغداد، المرأة السومرية في ذي قار”، انهم يسخرون من الفن ومن الناس ومن ثقافة المجتمع وتاريخه، بل ان “فنهم” هذا هو باب من أبواب الفساد والنهب، فهم يسرقون كل شيء، انهم غزاة، لا يعرفون شيئا اسمه (فن الرسم او الموسيقى او النحت او التمثيل)، انهم يعرفون فقط فن القتل والنهب والسلب والاغتصاب؛ لم يسيئوا للفن فقط بل اساءوا للحياة كلها.

لكن رغم كل ذلك الظلام الذي ينشروه في هذا البلد، هناك الجانب المضيء والمشرق أيضا، والمتمثل بالجالسين تحت تحفة جواد سليم (نصب الحرية)، وفي الساحات من شبيبة أكتوبر، الذين رغم القتل والاغتيال والتعذيب والخطف بقوا صامدين، يحدوهم الامل العارم بالقضاء على هذه الشرذمة الإسلامية المتخلفة والذيلية الحاكمة، وسيتحقق مطلبهم عاجلا او اجلا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

8-شباط عرس الدم

طارق فتحي ((ان الانقلاب مكسب لنا)) روبرت كومر.. عضو مجلس الامن القومي الأمريكي في عهد ...

دلالات ظهور ابنة صدام 

عبدالله صالح  ظهرت رغد ابنة صدام حسين ( 52 عاما ) على فضائية العربية يوم الاثنين (15 ...

ميدان المعركة – خاطرة للكاتب سواره ايلخانيزاده

ترجمة :عبدالله صالح المعركة بدأت منذ ثلاثة أيام، اليوم كانت النار على أشدها كأنها تنتشر ...

كوردستان العراق، العقدة التأريخية الواجب فكها (في الذكرى العاشرة لـ “حركة ١٧ شباط ٢٠١١”)

نادر عبدالحميد تمهيد مر عقد من الزمن علی موجة المظاهرات التي إنطلقت من مدينة السليمانية ...

السلالات الجديدة من كوفيد- 19 ماذا نعرف عنها حتى الآن؟

في حين لازالت هناك العديد من الأسئلة قيد الإجابة عليها حول فايروس كوفيد- 19 الأصلي ...

%d مدونون معجبون بهذه: