المعروف أن الذكورية هي مجموع السلوكيات والتحركات التي يقوم بها الذكور للمحافظة على هيمنتهم على النساء داخل الاسرة في المجتمعات الأبوية، إلا أن الذكورية لا تقتصر على الرجال فقط، بل تمتد الى النساء القابعات تحت ظل الأنظمة الابوية حتى أصبحن بوقاً لهم. فيكنَّ ذكوريات أيضا على أخواتهن وبناتهن من النساء. تكرس الأمهات الهيمنة الذكورية من خلال التربية عبر منح سلطات مطلقة للذكور على الاناث دون اعتبار للسن او المكانة الاجتماعية ، حيث يمكن للأخ الأصغر سنا ان يتحكم في حياة ومصير اخواته البنات، وان كُنّ أكبر منه سنا، وهذه الفئة يظنها البعض أخطر، على النساء وحركتهنَّ، من الرجال.
إذ إن بناء الفرد ، بالأخص في المجتمع الشرقي ، ذكراَ كان ام أنثى، يقع بالدرجة الأولى على عاتق الأم نفسها، ففي حال إن الطفل نمى وكبر على انه “السيد” وله الحق في التسلط على أخته وزوجته وحتى أمه، تنمو الطفلة ايضا على مفهوم إنها “عورة ناقصة عقل، تحتاج الى حماية وتقويم” وتكبر لتصبح أنثى ذكورية، فوجود النساء في مساحة مغلقة وغامضة، أنتج ثقافة خاصة بهن قابلة للمشاركة والتوارث عبر الأجيال. ولا يمكن لوم الأطراف الثلاثة في الواقع؛ لأن الأم لا تكون حرةَ حين تقوم بتربية أطفالها، اذ انها خاضعة الى معايير المجتمع وقيوده ولا تريد مخالفة السائد، بل ترغب لأطفالها أن يكبروا تحت ظل احترام الناس لهم وتقديرهم، وبالتالي تملي عليهم ما يُريده المجتمع لهم، ولا يمكن لوم الطفل الذكر حين يُربّى على أن يُخشّن صوته ليصبح رجولي، وأن يأمر وينهى على أخواتهِ ويصيح بهن فيقابله أهله بالتصفيق والتشجيع، فهو ليس أمامه إلا أن يقوم بما يرغب به أهله ومجتمعه ويحظى باحترامهم، فتراهُ يفتل شاربه وينفخ عضلاته ويمشي رافعا صوته معنفا أخواته، واضعاَ معايير محددة عن “شرف” النساء وصورتهن الصحيحة، ويُملي ذلك على جميع الأناث في محيطه، ولا يمكن لوم الطفلة ايضا حين تنمو على إن المرأة يجب ان تطيع رجال البيت في كل قراراتهم عن حياتها وتعنيفهم السلطوي لها، بل إن المرأة ضعيفة ومكانتها معززةَ مُكرمةَ في بيت زوجها لا حاجة لها بالدراسة او العمل او الخروج من المنزل وهي راضيةَ بذلك تمام الرضا، وهنا يكمن لب الكارثة ، فحين تخرجُ امرأة أُخرى عن السرب مُطالبةَ بحقها في ألّا يتم تعنيفها والتحرش بها او حقها في التعليم او حتى في عدم زواجها وهي قاصر والتدخل بجسدها وطعنها؛ يرتفع صوت المرأة الذكورية الاولى لتطعن في قضيتها “وشرفها” خوفاَ على مكانتها المريحة المهددة وطلباَ لإرضاء السلطة الذكورية السائدة، فهي لا تريد لأختها ان تطالب بحقوقِ هي حقوقها أيضا، وحقوق بناتها من بعدها، لأنها اضعف من أن تقاوم مثلها واكثر خوفَا من ان يتم رفضها وتهميشها من المجتمع، لذلك تقوم بتلك السلوكيات للحفاظ على مكانتها ولرضى الذكور عنها، وبالتالي رضاها عن نفسها وحياتها.
والحقيقة إن الموضوع متأصل في الفرد من أجداده من جيلِ الى آخر، ويسري على القبائل كلها والتي هي تتحكم بنظامنا المجتمعي. ليس من المنطقي أن نطلب ممن كبر وربي على تلك المبادئ ان يحيدَ عنها بسهولة أو يحلَّ محلها مبادئ أخرى، بل ان ما نستطيع فعله الآن كأفراد بذلك المجتمع لوضع حد للعنف والتخلف، هو أن نحاول قدر الإمكان نشر ثقافة المساواة واحترام الاخر، لان النظام الابوي يتغذى على خضوع ضحاياه من النساء ويستمد ديمومته من تضامنهن معه، لان الخوف هو الذي يجعل المرأة تقف في صف الأقوى لحماية نفسها من احتمالات العنف والاذى الذي يلحق بها.
هنا، ما على النساء الا الاتحاد معا ، ومعهن جميع الاحرار والمناصرين لحرية المرأة في المجتمع من اجل انصار قضيتهن ونزع حقوقهن المسلوبة عن طريق النضال من أجل المطالبة بتشريع قوانين العنف الاسري وقوانين حماية المرأة من القوانين التمييزية الذي ستلجئ لها النساء حين يتعرضن للظلم وهو ما سيسندها، في حال تم تطبيقه ، وعن طريقه ستتم محاكمة المجرمين الذين يقتلون من يشاؤون دون رادع ولا خوف من السجن والمحاكمة، ثم تطبيقها ستكون الخطوات الأولى لرد حقوق المرأة وتغيير النظرة النمطية عنها، وبالتالي يجد الذكور نبذاً من المجتمع حين يقوم بإحدى تلك الممارسات السلطوية، بالإضافة الى خوفه من العواقب، وتغير النساء تجاه بعضهن بعضا ويصبح الجميع يدا واحدة ضد ما يُسمى “بجرائم الشرف وغسل العار”.
إذن، مقولة أن ” المرأة عدوة نفسها” ما هي إلا مقولة ذكورية أُخرى ضد النساء لتُظهرهن بمظهر المنافسة والغيرة وعدم الاتفاق في ما بينهن وان الأمر كله يدور حول الذكور. فيصدحُ صوت المرأة النَسوية بحقها في العيش بكرامة، لتُصدم بصوت انثوي آخر يدعوها الى التزام بيتها وزوجها و “لعن الشيطان”لها. والواقع إن متى ما حصلت النسوية على حقها في التعلم والعمل والزواج برغبتها، هللت النساء الذكوريات وتنعمت بتلك الحقوق دون أن يكون لهن مساهمة وحق في ذلك.
علينا نحن النساء أن نتحرر من دونية واستنقاص المجتمع الأبوي لنا وخوفنا من الرفض، وأن نطالب بحقوقنا وندعم أخواتنا من يطالبنَ بذلك ويتحملن عنا مسؤولية النبذ والخسارة والطعن، لأنه متى ما جوبه صوتها بإعطائها حقوقها، تمتعنا نحن وبناتنا وأقربائنا في العيش بسلام وحرية وحقنا في ألَا نُقتَل تحت أي ذريعة.
رزان الحُسيني
منظمة البديل الشيوعي في العراق تنظيم شيوعي عمالي منهجه الفكري والسياسي ماركسي مستنبط من “البيان الشيوعي”
