
تحرص كل دول العالم المتقدمة على اصدار قوانين صارمة تمنع بموجبها عمالة الاطفال ومنع نزولهم لساحة العمل لما لهذه الحالة من تداعيات كبيرة وخطيرة على البنية المجتمعية, وقد اصدرت تلك الدول ومنذ زمن طويل قرارات مهمة لمنع الاطفال من العمل وهم في عمر دون سن العمل المتعارف عليه عالميا، ومن تلك القرارات الزامية التعليم وصولا حتى الثانوية, وكان للمنظمات الدولية وخاصة منظمة اليونسيف دورا لا بأس به في هذا المجال، لأن الطفل إذا نزل الى سوق العمل فانه يتعرض للكثير من المخاطر الاخلاقية ومنها تعرضه للاغتصاب من الكبار وممارسته السرقة وتناول المشروبات الكحولية وحتى المخدرات، وبذلك يمكن ان يتحول الى عنصر اجرامي عندما يكبر,.
كان العراق من الدول التي منعت عمالة الاطفال عبر اصدرا وزارة العمل والشؤون الاجتماعية قرارات في هذا المجال وساعدتها وزارة التربية والداخلية بإلزاميه التعليم لحد الابتدائية وكل من يخالف من اولياء التلاميذ فانه يعرض نفسه للعقوبات والتي تصل لحد السجن, ولكن وبعد اسقاط النظام السابق وتخلي الحكومات العراقية المتعاقبة عن الكثير من القوانين ومنها قرار منع عمل الأطفال، فقد نزل الكثير من الاطفال للعمل في السوق دون مراقبة او منع من قبل الدولة. خلال مراجعتي وكيل المواد الغذائية لاستلام (الحصة) ،فوجئت بعدد كبير من الاطفال وهم يقفون امام عربات الدفع اليدوي ويعرضون على من يستلم حصته ان ينقلوها الى بيت ذلك الزبون وبسعر زهيد, سعد هو من وقع اختياري عليه كان صغير الحجم بان الهزال على جسمه وكان العرق يتصبب منه وسألته عن ملكية العربة التي يعمل عليها فقال:
إنني أستإجرها بمبلغ الفي دينار لليوم الواحد، وقلت كم تحصل يوميا فقال : ليس كل الايام متشابهة فإذا كانت الوجبة الغذائية قد وصلت للوكلاء فاني احصل خمسة أو ستىة آلاف ولكن في الايام الاعتيادية فاني احصل على اقل من ذلك وسألته :ولماذا تعمل وانت في هذا العمر ولم تذهب للمدرسة؟ أجاب لقد طلّق والدي أمي ونحن أربعة أطفال والنفقة التي نحصل عليها من المحكمة لاتكفي إلا لعدة أيام لان والدي لايوجد عنده راتب لتستقطع المحمكة منه نفقتنا، بل هو عاطل عن العمل ايضا.
من خلال تجوالي اليومي في السوق لشراء الاحتياجات للبيت شاهدت الكثير من الأطفال الذين يحاولون بيع (العلاقات – بلاستيكية ) على مرتادي السوق ويتوسلون اليهم لشرائها, احمد كان أحدهم وسألته:
لماذا تعمل في السوق وانت في هذا العمر الصغير؟ فقال ان والده يجبره على ذلك هو واخوته الثلاثة بعد أن أخرجهم من المدرسة والويل كل الويل لمن لاياتي بمبلغ الخمسة آلاف التي فرضها علينا والدنا! ولذلك تشاهدنا نتوسل للزبائن من اجل شراء العلاقات منّا!
كان الكثير من الاطفال يعملون اعمال شاقة ومتعبة ومنها عملهم في محلات تصليح السيارات والحدادة مما يعرضهم لخطر الاصبات المميتة كالصعق بالكهرباء او بتر احد أطرافهم, ثائر احد هؤلاء ولما التقيته كان قطعة سوداء لم استطع تمييز وجهه من كثرة ما علق به من دهون وزيوت السيارات ولما سالته عن سبب عمله فقال:
ان والده متوفي وكان عامل بناء وليس لنا راتب تقاعدي ومبلغ الرعاية وقدره مئة الف دينار لايكفينا الا لعدة ايام مما اضطررنا ان ننزل للعمل حتى نستطيع توفير لقمة العيش.
سالم يعمل في احد المطاعم وواجبه غسل الصحون ويتقاضى مبلغ اربعة آلاف دينار ويمتد عمله حتى ساعة متاخرة من الليل ولما سألته عن كيفية رضاه بهذا العمل وتلك الاجور المتدنية فقال:
اولا انه يحصل على ثلاثة وجبات وهو ما لم يجده عند اهله وثانيا انه يحصل على كمية من الطعام المتبقي من رواد الطعم فانه يحفظه وياخذه معه عند انتهاء عمله الى اخوته، وقلت له هل انت في المدرسة قال لا أنا لم ارتد المدرسة أبداو.
في نهاية جولتي في السوق توصلت الى نتيجة واحدة وهامة وهي ان السبب في كل ما يحصل لهؤلاء الاطفال هي الحكومة التي لم تستطع ان توفر للعائلة العراقية وخاصة الفقراء منهم والذين لايعملون لديها، مستلزمات حياتها مما تضطر تلك العوائل الى ارسال اولادها للعمل في السوق وبالنتيجة يزداد عدد الاميين والعاطلين وبالتالي فان هذه الأوضاع ربما تكون أحد الأسباب التي تؤدي الى الانحراف.
حازم الجعفري
(المقال منشور في جريدة الغد الاشتراكي العدد 26)
منظمة البديل الشيوعي في العراق تنظيم شيوعي عمالي منهجه الفكري والسياسي ماركسي مستنبط من “البيان الشيوعي”
