المسرح العراقي والتمييز العنصري

عبد الحسين عبد الرزاق

تشهد جوانب المجتمع العراقي انتكاسات عديدة، وعلى مختلف الصعد، على المستوى التربوي والتعليمي والثقافي بكل اتجاهاته، انتكاسات ولّدتها مرحلة ما بعد احداث 2003، وما انتجته الالة الامريكية من سلطات نشرت التخلف والرجعية والبؤس والتقسيم الاثني والطائفي بين عموم الجماهير، وكان المسرح هو احد الحلقات والمفاصل المهمة التي هوت تحت ضربات من بيديه نشر التخلف والرجعية.

المسرح هو احد انواع عرض الدراما ، الى جانب السينما والتلفزيون، الا ان المسرح يعد الاقدم تاريخيا من كل الفنون الاخرى، وكما يقول الناقد الادبي علي جواد الطاهر “فأن المسرح نشأ جماهيريا، او لنقل ان المسرح انشأته الجماهير”، فكان التفاعل بين الجمهور والممثلين على المسارح الاغريقية كبيرا جدا، ومسرحيات اسكيلوس و سوفوكليس و يوربيديس و ارستوفانس اضحت علامات مهمة في تاريخ المسرح العالمي، “اوديب ملكا، انتيغونا، اورستيا، ميديا، الفرسان”.

كلمة الطاهر اعلاه لا تنطبق على المسرح العراقي فقد نشأ نخبويا، فكان حقي الشبلي هو اول من حرك ذلك المحور المهم وأسس فرقته التمثيلية، بعدها توالى تأسيس الفرق المسرحية في العراق، فكانت فرقة ” جمعية احياء الفن، فرقة المسرح الحر، فرقة 14 تموز، وفرقة الفن المسرح الحديث”، وكانت مسرحيات مثل “راس الشليلة، والمفتاح، والنخلة والجيران” وغيرها الكثير من الاعمال المهمة التي كانت محل نقاشات وجدالات بين اوساط المثقفين والجمهور على حد سواء.

تدهور المسرح العراقي كثيرا، وشهدت فترة الحصار الاقتصادي ابان التسعينات من القرن العشرين ولادة ما يسمى ب”المسرح التجاري او الاستهلاكي”، الذي كان يقابل المسرح الجاد او الملتزم، وانتشرت في بغداد مسارح كثيرة “الطليعة، النجاح، النهرين” الى جانب مسارح “الوطني، الرشيد، المنصور”، وقدمت مسرحيات منها “خليها سكته يا لفته، الو شماعية، حرامي السيدية”، الى جانب مسرحيات ” المومياء، السحب ترنو الي، والذي ظل في هذيانه يقظا”، تلك الايام كانت قد شهدت نقاشات حادة بين اقطاب المسرحين وحتى بين جمهورهما.

بعد الاحداث المؤلمة في عام 2003 ، وبعد تسلم قوى الاسلام السياسي السلطة في العراق، تردى الوضع المعيشي والاقتصادي بشكل جدا عميق، وانعكس ذلك التردي على الواقع الثقافي والتربوي، ، انتشرت المخدرات والمتاجرة بالبشر، وانتشرت معها الجريمة بشكل لافت، العصابات هي التي تحكم وتتحكم في العراق، بلد يعيش الفوضى بأوسع اشكالها، الفساد والنهب وغياب القانون هو السائد، من كل هذا يخرج مسرح هو نتاج لهذا الواقع البائس، مسرح تجلت فيه كل انواع المتاجرة بالنساء، وكل الالفاظ النابية والسيئة جدا، مسرح يتعامل مع المرأة كأنها سلعة، العري والايحاءات الجنسية هي الطابع الغالب على كل الاعمال، ولا توجد في الحقيقة ممثلات ذوات طابع اكاديمي او يمتلكن حرفة التمثيل، وحتى الممثلين لا يملكون اي امكانات تمثيلية حقيقية.

لا يوجد نص واضح للمسرحية، مجرد قفشات واستعراضات راقصة وما يطلق عليه “تحشيشات”، المنتج والمخرج قد يكونا واحدا، يجتمعان ليخرجا عرضا مبتذلا ممتلئ بالسخافة، همهما الوحيد الربح كيف ما كانت الطريقة، من هذا الواقع خرجت علينا عناوين “لأعمال” منها “طكني بزبيبه، اكبر جذاب، عرس الغجر، خان جغان” وغيرها.

الا ان ما يحز في النفس حقيقة، ورغم كل هذا الابتذال والتسطيح، ان هناك ما هو اكثر ايلاما، وهو مشاهدة فتاة من ذوي البشرة السمراء تقف على المسرح وجوقة الممثلين يقومون بالتعليق عليها بألفاظ غاية في العنصرية، “عبده، سوده، تفسه، ظلمه”، وهي كلمات تدل على العبودية. المسرح هو احد ابواب تصدير الثقافة، وعندما يكون المسرح واحدا من اسوأ ابواب الاساءة لفئات محددة من المجتمع، فيجب غلق هذا المسرح، عندما يكون المسرح مصدرا ومصّدرا لثقافة تمييزية عنصرية وطائفية مقيتة فيجب غلقة.

المسرح في حقيقة أمره هو نقد للقيم والتقاليد البالية ، هو محاربة الجهل والتخلف داخل أوساط الجماهير ، هو تثوير الجماهير على الاوضاع التي يعيشونها ، هكذا كان مسرح يوسف العاني وسامي عبدالحميد وخليل شوقي ، وقبلهم حقي الشبلي وابراهيم جلال ، بغض النظر عن التطورات السياسية اللاحقة التي قد تكون طرأت على انتمائاتهم ومواقفهم السياسية كأشخاص .

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نناضل من اجل مجتمع حر خالٍ من كافة اشكال التمييز والاضطهاد

تعاني البشرية كافة على مر العصور من القمع والقتل والانتهاكات بصورة مباشرة وغير مباشرة، من ...

احتجاجات وإضرابات عمال العقود  

شهدت محافظة الديوانية بالتزامن مع مجموعة من المحافظات مثل بابل والناصرية والنجف حركة احتجاجية عمالية ...

حضيضٌ لا قاع له !

عبدالله صالح تتناول، هذه الأيام، وسائل الاعلام العراقية، الاقليمية والدولية، بالإضافة الى شبكات التواصل الاجتماعي، ...

حول تنظيم العمال

مؤيد احمد تنظيم نضال العمال هو تحد كبير وقضية رئيسية وملحةتواجهها هذه الطبقة في العراق ...

الحرية لبشير عباس

طارق فتحي لم يمر العراق بنظام اجرامي كهذا ابدا، فأي مقارنة او مقاربة ولو بسيطة ...

%d مدونون معجبون بهذه: