المخدرات في العراق آفة تنهش جسد المجتمع

لا يمر يوم دون أن نسمع أو نرى خبرا تنشره الأجهزة الأمنية مفاده ضبط شبكة تتاجر بالمخدرات أو عن كشف وكر لعصابات المخدرات أو الاستيلاء على كميات كبيرة من هذه المواد، مما يشير الى أن البلد ابتلى بهذه الآفة. فايران من الشرق وسوريا من الغرب هما المصدران الرئيسيان اللذان منهما أو عن طريقهما تدخل المخدرات الى العراق، سابقاً كان العراق منطقة عبور والآن أصبح منطقة استهلاك وتصريف أو حتى صناعة بعض الأنواع منها.

لقد وصلت تجارة وتعاطي المخدرات في البلاد الى مديات كارثية غير مسبوقة وبدأت تنهش في جسد المجتمع وخاصة شريحة الشباب ومن كلا الجنسين .

 

تقول منظمات حقوقية بأن ٧٠٪ من المناطق المبتلاة بهذه الآفة هي الأحياء الفقيرة والمهمشة حيث البطالة خصوصا بين الشباب والتي تبلغ نسبتها ٣٦٪ في بلد يشكل الشباب دون سن الخامسة والعشرين نحو ٦٠٪ من سكانه.

أمام هذا الوضع المأسوي نرى القنوات الإعلامية، التي تعود ملكية معظمها الى الأحزاب الحاكمة وميليشياتها، لا تتطرق الى الجانب الخطير من هذه الآفة وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية بل تكتفي بإعلان خبر قتل أحد التجار، او القاء القبض على آخر أو ضبط كميات من هذه المواد وذلك ضمن خطة الدولة لمواجهة هذه الآفة والتي تقتصر فقط على المعالجات الأمنية هنا وهناك دون العودة الى أسبابها وكأن الظاهرة مسألة عابرة ليست إلا وان الوضع تحت السيطرة.

تشيرالاحصائيات ” الرسمية ” الصادرة عن مفوضية حقوق الانسان في العراق بأنه تم اعتقال ١٤ ألف شخص خلال عام ٢٠٢٢ بين متعاط أو متاجر بينهم ٥٠٠ من النساء حيث تستغلهم عصابات الاتجار لغرض الترويج والنقل.

وبحسب أرقام “رسمية” أخرى فأن المداهمات التي تمت في بغداد ومحافظات أخرى ومن ضمنها إقليم كوردستان في الفترة بين تشرين الثاني ٢٠٢٢ وحتى آيار ٢٠٢٣ تم خلالها اعتقال ( ٨٦٧٦ ) تاجر مخدرات ومتعاطي، كما أوضحت نفس المصادر بانه تم ضبط ( ٤٠٦٧٨٣ ) كيلو غرام من المخدرات بمختلف أنواعها و( ٤٥٦ ) قطعة سلاح و( ١١٨ ) قنبلة يدوية و( ٨٠٨ ) سيارة ([1]).

تجدر الإشارة هنا الى ارتفاع عدد النساء اللواتي يتعاطين المخدرات وبالأخص المعنفات من قبل الاسرة ، أباً كان أم أخاً أو زوج في بلد تسود فيه سلطة ذكورية عشائرية رجعية، أعرافها وتقاليدها مستوحاة من سنن مضى عليها قرون عدة من الزمن لا تجد في المرأة سوى انسانة دونية. هؤلاء النساء المعنفات اللواتي لم يجدن طريقا للهروب من هذا الواقع البائس، تضطر بعض منهن الى الانتحاربشتى الطرق ، أو البعض منهن يهربن خارج الاطار العائلي في غياب أي قانون أو محكمة تدافع عنهن، فيصبحن فرائس سهلة لهذه العصابات التي تؤمن لهن المأوى و توفر لهن هذه المواد كي ينسين هذه الحياة البائسة ولو لفترة وجيزة،  ُثم يصبحن مدمنات على استعمال هذه المواد وأخيرا يتحولن الى ناقلي ومروجي هذه المادة خصوصا بين النساء المعنفات من أمثالهن .

ان ظاهرة الاتجار بالمخدرات في العراق واستهلاكه، من شماله الى جنوبه ومن شرقه الى غربه، وخلال السنوات الأخيرة، تجاوزت كونها مجرد تجارة بحتة تُمارس من قبل بعض التجار، بل تحولت الى أنشطة منظمة ترتبط بالميليشيات المسلحة التابعة للأحزاب الطائفية والقومية الحاكمة في العراق وكذلك من قبل القبائل التي تسكن قرب مناطق الدخول والعبور حيث تجني أموالاً طائلة تُستغل من أجل بقاء سطوتها ونفوذها، بالإضافة الى أن هذه العصابات أصبحت لها أذرع وامتدادات إقليمية وحتى دولية بما يجعلها تُحافظ على بقاءها واستمرارها خصوصا كونها تمتلك اليد الطولى داخل العديد من مؤسسات الدولة بحكم مشاركتها في السلطة، وكما يقول المثل الشعبي ( حاميها حراميها ).

لم تكن الرأسمالية قد فككت العلاقات الاجتماعية بعد بقدر ما تفككها اليوم ، ولم تكن قد حولت بعد كل القيم الاجتماعية إلى صناعات مربحة وتجارة راكمت رأس المال كما تفعل اليوم. لقد فعل النظام البورجوازي في العراق وكوردستان ذلك في العقدين التاليين لسقوط نظام البعث، لا سيما من خلال تبني سياسات اقتصادية ليبرالية جديدة. إن ظاهرة تعاطي المخدرات والاتجار بها هي جزء من هذا التطور الرأسمالي وهي نتاج سلطة البرجوازية الإسلامية الطائفية في العراق والبرجوازية القومية في كوردستان.

هناك ثلاث قطاعات صناعية وتجارية هي الأكثر ربحية في جميع أنحاء العالم، وهي صناعة وتجارة الأسلحة وتجارة الجنس وصناعة وتجارة المواد المخدرة. وهنا في العراق، إلى جانب تطور تجارة وصناعة المخدرات، تطورت تجارة الجنس كذلك، وإن كان ذلك تحت غطاء، ولكن كجزء من الكوارث التي تنامت وأصابت المرأة العراق.

هذه الظواهر التي هي جزء من مأساة مفروضة على الطبقة العاملة والمرأة ، تتطور يوما بعد يوم في العراق وكوردستان ، وقد وصلت هذه الظاهرة  إلى مستوى يهدد صراحة كيان وبنيان المجتمع ويحذر من انهياره.

هذه المأساة وعشرات المآسي والويلات الأخرى التي أبتلى بها المجتمع في العراق وكوردستان منذ وصول هذه الأحزاب الطائفية القومية إلى السلطة ، كما وسبق أن أشرنا اليها، هي جزء من الوضع الاقتصادي والسياسي السائد الذي هو هدية الإمبريالية الأمريكية والغربية وليبراليتهم الجديدة . ومن هنا ، وفي الخطوة الأولى، يمكن ، ومن خلال حركة اجتماعية – سياسية  تهدف إلى قلب هذا الوضع السياسي والاقتصادي، أن تحد منها في الخطوةالأولى ثم إلى تعمل على انهيارها وانهاءها.

لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال هذا الأفق الذي سبق وأن أشرنا اليه والمتمثل في تنظيم وتوحيد الاعتراضات الاجتماعية ، ونضال العمال والكادحين ، والشباب العاطلين عن العمل ، والنساء المضطهدات ، وجميع تلك الشرائح  التي عانت من هذه المآسي للإطاحة بهذا النظام بأكمله وازاحة هذه السلطة  الإسلامية والقومية في المركز  وفي الاقليم.

عبدالله صالح

٧ / آب / ٢٠٢٣

[1] – الخبر من وكالة أنباء شينخوا ٨- تموز – ٢٠٢٣

عن Albadeel Alsheoi

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مجرد قبلة عفوية أم معايير ذكورية عفا عليها الزمن؟

شيرين عبدالله اكتوبر 2023 عادت قضية التحرش والعنف ضد المرأة إلى الواجهة من جديد هذا ...

حول استهداف مستشفى المعمداني في غزة

بيان منظمة البديل الشيوعي في العراق تتواصل الجرائم البشعة التي ترتكبها إسرائيل بحق سكان قطاع ...

حول الاحداث الدموية في قطاع غزة ومحيطها

بيان منظمة البديل الشيوعي في العراق هاجم المسلحون التابعون لـ ( حركة المقاومة الإسلامية - ...

الرأسمالية وتدمير الحياة على كوكب الأرض

ونحن نعيش عصر الغليان العالمي كما عبر عن ذلك الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش ...

ويستمر الإسلاميون في سياسة الافقار، زيادة ساكني العشوائيات

نشرت وزارة التخطيط أحدث مسح لها حول مواقع السكن العشوائي، وقد جاءت بغداد في المرتبة ...

%d مدونون معجبون بهذه: