تحويل اغتصاب الصغيرات والتحرش بهن من جريمة الى قانون

اقبال صلال

بين الحين والآخر نسمع بحالات تحرش واغتصاب لفتيات ونساء في مواقع العمل او من خلال حالة استدراج ، واحيان كثيرة تثار قضايا على مواقع التواصل الاجتماعي، ونلاحظ ردود الافعال المختلفة ما بين غاضب ومستنكر ومستغرب من قبل الشارع، ولكن تلك القضايا لا يرف لها جفن مسؤول او رجل دين او مؤسسة حكومية ولا تؤخذ على انها جرائم يجب ايقافها ومحاسبة مرتكبيها. واحيانا اخرى يلقى باللائمة على الضحية.

وهنا لا نود ان تناول التحرش بشكل عام، بل سنسلط الضوء حول كارثية عظمى او اقل ما يمكن تسميتها بجريمة بشعة ضحاياها فتيات صغيرات غير قادرات على الدفاع عن  انفسهن، اضافة الخوف من المصير المنتَظر من الأهل في حال ابلغن اسرهن بما تعرضن له، كون هذا الجسد (جسد الفتاة الصغيرة) ترتكز فيه كل القيم والاخلاق والشرف المكتسبة من العرف والدين وحتى القانون لدى المجتمع.

وللمفارقة وبدلا من محاسبة مجرمي التحرش والاغتصاب للصغيرات فأنه ومنذ اكثر من عام والسلطة منشغلة بتشريع قانون احوال شخصية جديد يبيح تزويج الفتاة بعمر التسع سنوات وكلنا شاهدنا احتفال النواب وفرحتهم بتمرير و تشريع هذا القانون المجرم بحق الطفلات، والذي يتضمن ايضا حرمان الامهات من اطفالهن وايضا حرمانهن من النفقة، وسلب العديد من حقوق المرأة وكأنهم قدموا انجاز او براءة اختراع وليس سن قانون رجعي يرجع البلد الى الوراء 1000  عام .

أن جرائم التحرش والاغتصاب تتزايد كلما تزايدت حالات انفصال الابوين في المجتمع العراقي، كما ان غياب دور الدولة ورعايتها للأطفال الذين يعانون من التفكك الاسري، والضحايا الاكثر تضررا من هذا القواقع هن الإناث الصغيرات، ما يجعلهن عرضة للتحرش والبيع والتزويج بعمر مبكر، فهل يعفي القانون المتحرش بالصغيرة من المسئولية الجنائية ! وهل توجد فقرة قانونية تبيح للمتحرش ان يعتدي على صغيرة لم تتجاوز 13 سنة؟!

وقبل ان نتكلم عن دور العائلة، علينا ان نسلط الضوء على دور الدولة وتهميش وتجاهل جرائم التحرش والاغتصاب والتقليل من تداعيات تلك الكوارث واثارها على الصغيرات وما يترتب على شخصية الضحية مستقبلاً من دمار، هذا فيما اذا افلتت من القتل من قبل ذويها!

في القانون العراقي تسمح المادة 398 للمغتصب بالزواج من الضحية لتسقط عنه العقوبة باعتباره يقدم على أفعاله بوعى وإدراك واختيار وتخطيط.  وهذه الفقرة الارهابية داخل القانون تعبر عن جريمة اخرى ترتكب بحق ضحايا الاغتصاب، فبدلا من محاسبة المجرم، يتم تشجيعه وتشجيع الاخرين على ارتكاب المزيد من الجرائم، لان العقاب سيكون مكافأة وهي تزويجه الضحية، ليمارس الاغتصاب بحقها متى شاء، وان اكتفى فيقوم بتطليقها ان اراد. فلماذا تتحمل الصغيرات الشهوات الحيوانية لدى البعض وبتشجيع وتخفيف وتهاون من القانون العراقي !!

منذ ان تسلم الاسلام السياسي السلطة وسيطر على الحكم في العراق، ونحن نشهد تزايدا كبيرا في الجرائم المرتكبة بحق النساء والفتيات الصغيرات، كما ازدادت وبشكل ملحوظ عدد حالات الطلاق وتعدد الزوجات، وازدادت جرائم تزويج صغيرات السن ، وخاتمة تلك القائمة ما شرعته حكومة الاطار التنسيقي بتشريع الزواج حسب المذاهب الدينية والذي يسمح بتزويج اعمار الطفلات بعمر تسع سنوات فما فوق اي. اصبح الاغتصاب للطفولة شرعيا وقانونيا، فيما يعتبر جريمة مكتملة الاركان.

ان العمل داخل المدارس الثانوية للفتيات قد اتاح لي فرصة الاطلاع على بعض من معاناة الطالبات، وقد صدمت عندما شاهدت حجم المعاناة بسبب الاضطراب النفسي للعديد من الطالبات، وعند البحث في اسباب هذه الاضطرابات سنجد ان انفصال الابوين وغياب الرعاية الحكومية وتشرد الاطفال لدى الاقارب، يعرض الكثير منهم وخصوصا الاناث الى عمليات التحرش وحتى الاغتصاب، فمن يتحمل مسؤولية هذه الجرائم؟

الفتاة الصغيرة التي تتعرض للاغتصاب من العم او الخال او اي شخص اخر، كيف ولمنْ  تشكو ما تتعرض له من عنف جنسي ونفسي وجسدي وهي تشعر بأنها عالة على البيت الذي تقبلها بعد فقدانها لعائلتها؟ هل تشكو لأحد اقربائها وهي تدرك انها ستكون مدانة ومُلامة على فعلة أرتكبت بحقها ورغما عنها ! وحتما سيكذبها الجاني وقد تجد نفسها في الشارع بعد ان تخلى عنها الجميع.

من يتبنى ما تتعرض له الالاف من الصغيرات من انتهاك وجرائم وبمباركة السلطة؟ فكما يقول المثل(إلى منْ تشكو حبة القمح اذا كان القاضي دجاجة؟)

في المدارس الثانوية هنالك مرشدين ومرشدات تربويات وظيفتهم متابعة الوضع النفسي والاجتماعي للطلاب، لكن المصيبة هي ان هؤلاء اما غير مكترثين للوضع النفسي والاجتماعي او ان للكثير منهم قناعات اجتماعية وثقافية تجعلهم يبتعدون عن معالجة مثل هكذا مشكلات، كما ان قسم اخر منهم يخافون من عواقب فتح مثل هكذا موضوعات مع اولياء امور الطالبات او الاقرباء. وبحسب إحصائية اجريت على مدارس للبنات فإن 11%  من الطالبات المراهقات يعشن حالات التشرد الذهني بسبب فقدانهن عوائلهن ما بين متوفين او تم انفصالهم او بسبب ما يتعرضن له من تحرش وعنف نفسي او جسدي.

ان جرائم التحرش والاغتصاب الذي تتعرض له الفتيات الصغيرات والمكشوف من هذه الجرائم لا يشكل سوى نسبة ضئيلة من العدد الحقيقي لهذه الحالات، لكن اليوم ومع اقرار القانون الاجرامي صار اغتصاب الطفلات بقرار تشريعي وحكومي وبمباركة المؤسسات الدينية الشيعية والسنية، فكيف سيكون حال الصغيرات في العراق في قادم الايام؟

(منشور في العدد 45 من جريدة الغد الاشتراكي)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ثلاثة أشهر مضت على اغتيال ينار محمد والحكومة الجديدة مستمرة في التكتم على نتائج التحقيق! تغيير الكابينة الوزارية لا يبرر غض النظر عن واحدة من أخطر الجرائم في المنطقة!

بعد مرور نحو ثلاثة أشهر على اغتيال القائدة الشيوعية ورمز النضال النسوي التحرري ينار محمد ...

ماذا لو وجدت كوثر من يدافع عنها!

القتل الهمجي للطفلة كوثر ذات 15 سنة مؤخرا على يد ذويها "غسلاً للعار" كان تذكيرا ...

حكومة علي الزيدي ومنهاجه الوزاري ترسيخ مصالح راس المال وإدامة الوضع السياسي القائم

بيان منظمة البديل الشيوعي في العراق بعد مرور أكثر من 6 أشهر على انتهاء مهزلة ...

بمناسبة الأول من أيار، يوم التضامن الأممي للطبقة العاملة

بيان منظمة البديل الشيوعي في العراق هذه ليست المرة الأولى التي يحل فيها الأول من ...

كلمة منظمة البديل الشيوعي في العراق-فرع بريطانيا في الوقفة الاحتجاجية امام السفارة العراقية في لندن يلقيها الرفيق نزار عقراوي

  https://youtu.be/1w5m7MkpSj4?si=23ir0LJvQApPT0Yf مساء الخير، نرحب بكم جميعاً في هذه الوقفة الاحتجاجية الهامة أمام السفارة العراقية ...