عبدالله صالح
تحت عنوان ” العراق شريك حلول ـ لا ساحة صراعات” تنطلق القمة العربية رقم ( ٣٤ ) في بغداد يوم ١٧ / آيار / ٢٠٢٥ ، من المقرر أن يحضر القمة قادة ووزراء (٢١) دولة. وقد وضعت الحكومة خططا أمنية محكمة لهذه القمة والتي تشمل أهم عنصر للخطة الأمنية التي اعتمدتها الحكومة العراقية في بغداد هو تكليف قوات جهاز مكافحة الإرهاب بما يسمى “الملف الأمني للقمة العربية”. هذه القوات ستقوم بتأمين المنطقة الممتدة من مطار بغداد الدولي إلى المقار المحيطة بالمنطقة الخضراء، والتي ستستضيف الوفود الرسمية.
بعض التقارير الأمنية العراقية ذكرت أنه تم إخلاء مقار فصائل (الحشد الشعبي) في بعض المناطق المهمة القريبة من مكان انعقاد القمة، مثل مناطق كرادة مريم والجادرية والصالحية والعلاوي، ولا يغيب عن هذه الخطة الدور الفرنسي الأمريكي بالتحديد، لتأمين عنصر المراقبة الجوية.
هذه الإجراءات الأمنية التي، ربما لم يسبق لها مثيل، من أجل “ضيوف العراق” تُرى من هم هؤلاء الضيوف ؟ ولماذا كل هذه المخاوف على حياتهم فهم لا يدخلون ساحة معركة ؟ أليسوا هم في بلدهم الثاني، وبين أهلهم وذويهم كما يدعي مضيفوهم ؟!! اذا لماذا كل هذه المخاوف على حياتهم وسلامتهم؟
لعل الجواب وبكل بساطة هو : ان هؤلاء ليسوا ضيوف العراق ، فالعراقيون معروفون بكرمهم واحترامهم للضيف، بل هم حفنة مكروهة لدى مواطني البلدان التي أتوا منها وتستضيفهم سلطة مكروهة ومنبوذة من لدى مواطنيها كذلك، فهؤلاء في بلدانهم محاطون بحشود من القوى الأمنية التي تحميهم من غضب الشعب، لذا فأينما حلوا تطاردهم هذه ” اللعنة “.
كتب رئيس الوزراء العراقي عن هذه القمة قائلا: ” بغداد، وهي تستقبل القادة العرب، لا ترى في ذلك مجرد اجتماع بروتوكولي، بل تراه علامة فارقة وفرصة تاريخية لتجديد مشروع “العمل العربي” المشترك “.
نعم، لقد استبق (السوداني) الحدث ووصف حقيقة القمة كونها لا تتعدى اجتماعا بروتوكوليا كما هو الحال في القمم السابقة، وان ما يسمى بـ ” العمل العربي المشترك” لا يكون سوى من أجل دمج مصالحهم الاقتصادية مع الركب الرأسمالي العالمي الذي يجتاح المنطقة والعالم على حساب افقار غالبية الجماهير في هذه المنطقة .
الا أن رئيس الوزراء يتطلع الى هذه القمة من زاوية أخرى، فهو يأمل من هذه القمة أن تُبرز دوره كقائد بين القادة و يأمل أن تساهم هذه القمة في ازدياد نفوذه الشخصي وموقعه في المسؤولية داخل السلطة الطائفية القومية في العراق واستثمار هذا النفوذ في الانتخابات القادمة خصوصا وان خصومه الحاليين، اصدقاؤه السابقين، اللذين أوصلوه الى رئاسة الوزراء هم الآن في أوج تذمرهم واستيائهم منه وبالتالي من قمته، وحتى انهم أفسدوا عليه دعوته لـ( أحمد الشرع) الرئيس السوري ومنعوا حضوره.
من مساوئ الصدف، ولسوء حظ رئيس الوزراء، هو ان زيارة (دونالد ترامب) للمنطقة تتزامن مع موعد قمة بغداد، حيث سيعقد الأخير قمة مع أمراء وشيوخ دول مجلس التعاون الخليجي غدا في الرياض، وهذه القمة المصغرة و” المهمة”ستخيم بضلالها، دون أدنى شك، على قمة بغداد وتقلل من أهميتها، من حيث الحضور أو من حيث النتائج.
ان انعقاد هذه القمم من قبل هؤلاء الحكام المنبوذين، وما ينجم عنها من نتائج ، جميعها تأتي ضمن سياسة قذرة تمارسها هذه الحكومات، سياسة تهدف، في التحليل الأخير، الى جعل المنطقة واحة آمنة ومرتعا خصبا لجني وتراكم الرأسمال، أو ساحة للنزاعات والحروب عند الحاجة، وذلك على حساب افقار واضطهاد جماهير العمال والكادحين .
بهذه الوضعية وتحت هذه الظروف، تنعقد هذه القمة التي ستتحول كحال مثيلاتها، الى اجتماع روتيني لا غير وان الجماهير المحرومة باتت تدرك سيناريو هذه القمم، فالقمم العربية وعبر التاريخ، لم تكن سوى عادة دأب الحكام العرب على ادائها و سيناريو مخطط له مسبقا رغم انهم يعتبرونها تجمعا من أجل ” وحدة ” ما يسمى بالصف. فالقمة تبدأ، كما في كل مرة، بخطابات رنانة وبراقة تملئها العبارات مثل ” الظروف الحساسة التي تمر بها الأمة” ، ” وجوب التكاتف والتعاضد والوقوف ضد المخاطر التي تهدد أمتنا “، ” تحت قيادتكم الحكيمة والرشيدة ” ” بحكمتكم المعهودة ” ” بحنكتكم وحلمكم “، ” مصالح شعوبنا” وما الى ذلك من عبارات لا تنفع الا الناطقين بها، وتعقبها جلسة او جلستين مغلقتين، تنتهي بالجلسة الاخيرة والتي هي كذلك لا تخلو من خطابات لا تختلف نصوصها عن الخطاب الاول ومن ثم يظهر الامين العام للجامعة العربية ليقيم اعمال القمة باعتبارها، ناجحة طبعا، يبشر بها ” الامة العربية ” وهكذا دواليك، من دون ان تؤثر هذه القرارات لا من قريب ولا من بعيد على حياة مواطني تلك الدول ، والعمال والكادحين منهم على وجه التحديد، وهو ما يبرر اللامبالاة والاهمال وحتى السخرية والاستهزاء التي توليها هذه الجماهير لهذه القمم.
ان تعلق القادة العرب بقممهم، رغم كل عوامل الفشل التي يحملونها معهم وهم يبدؤون رحلة الحضور، لا تنم عن شيء سوى ذر الرمال في عيون جماهير هذه الدول وإلهائها عن واقعها المؤلم الذي تعيشه في ظل القمع والإرهاب والاستبداد الذي تمارسه سلطاتهم بغية الحفاظ على عروشها متناسية بأن هذه العروش ليست سوى أبراجا عاجية تسقط في أول هبة وثورة جماهيرية منظمة تقودها الطبقة العاملة والكادحة بمؤازرة ومساندة جميع الاحرار في تلك البلدان والمنطقة والعالم .
ولنختم حديثنا بمقطع لقصيدة للشاعر الراحل مظفر النواب بعنوان ( قٍمَممْ ):
يا قمة الأزياء
يا قمة الأزياء
“سوّدت ” وجوهكم
من قمةٍ
ما أقبح الكروش من أمامكم
وأقبح الكروش من ورائكم
ومن يشابه كرشه فما ظَلَمْ
قمم..قمم..قمم
١٣ / ٥ / ٢٠٢٥
منظمة البديل الشيوعي في العراق تنظيم شيوعي عمالي منهجه الفكري والسياسي ماركسي مستنبط من “البيان الشيوعي”
