اقبال صلال

في البدء لا يمكننا معرفة حجم معاناة النساء الساكنات في الأرياف دون الانخراط معهن في تفاصيل حياتهن، والعيش معهن أثناء تأديتهن لأعمالهن اليومية، والواجبات الملقاة على عاتقهن خلال مسيرة حياتهن ومنذ الميلاد وحتى الوفاة.
وبما اني ولدت في الريف ونشأت هناك وكبرت ولم افارق حياة النساء طوال أكثر من ثلاثين عاما، وبما أن الصدفة قد سمحت لي بالتعلم رغم محاربة مجتمع الذكور داخل العائلة، وتفتحت بعد ذلك امام عيني أفاق الاطلاع على معرفة جذور الاضطهاد المسلط على النساء بشكل عام ونساء الريف بشكل خاص ومضاعف، فقد تشكلت لدي قناعة ان الأسباب الحقيقية وراء اضطهاد النساء في اي مجتمع من المجتمعات تسير جنبا إلى جنب مع اضطهاد غالبية المجتمع من قبل طبقة الملاك الرأسماليين، وتأتي في المرتبة الثانية الظروف الاجتماعية والثقافية السائدة في مجتمع معين.
ان المعاناة المزدوجة بحق نساء الريف تنبع اولا من استغلال المزارعين الذكور لجهود النساء من أجل زيادة ثروتهم من خلال عمالة مجانية تمارسها المرأة الريفية طوال الحياة. ورغم ان الرجال يشاركون النساء بعض الأعمال الا ان الثقل الأكبر يقع على عاتق النساء، فأعمال الحقل والزراعة وتربية الحيوانات يكون الجزء الأكبر منها من حصة النساء، وقد يشارك الرجال في جزء منها لكن دائما ما تكون حصتهم الإشراف والتوجيه والحصول على مجمل المردود المادي سواء أكانوا أزواج او آباء او اخوة.
تشكل أعمال المنزل عبئا لا يطاق بالنسبة للنساء في الارياف فعمليات التنظيف والطبخ ورعاية الأبناء وتربيتهم إضافة إلى رعاية الحيوانات، عملا مجهدا للغاية، بعد العودة من ساعات عمل تصل إلى عشر ساعات. فيما لا مردود للمرأة من كل هذا سوى محاولة كسب رضا الزوج أو الأب أو الأخ.
قد لا تكون الصورة بهذه القتامة في جميع المناطق الريفية، فبعض المناطق لا تعمل النساء كل هذه الساعات وقد تحصل الطفلات على التعليم الاولي او قد يمتد تعليمها إلى مراحل الثانوية او حتى دخول الجامعات، لكن هذه الحالات لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من مجموع النساء الساكنات في الريف.
ان استغلال عمل النساء المجاني يعيدنا إلى عصور العبودية المطلقة، ويفتح الأبواب امام جميع القوى التحررية والاشتراكية والمنظمات النسوية التي تتبنى خط الدفاع عن المرأة ومساواتها وفق المنظور الطبقي، وتضعنا جميعا امام تحدي الوصول إلى شريحة المرأة الريفية ومعرفة طبيعة حياتها ومعاناتها.
من هنا فنحن بحاجة إلى النضال من أجل فرض قوانين تنصف نساء الريف، أولها إعادة التعليم المجاني الإلزامي وحتى نهاية المرحلة الإعدادية، ومن ثم الذهاب باتجاه تعميق الوعي النسوي المساواتي في مختلف المناطق الريفية، ومتابعة ومحاسبة مرتكبي جرائم التعنيف وما يسمى بجرائم “الشرف” وغيرها من جرائم الاستغلال التي تنتشر بشكل كبير في المناطق الريفية.
ان خلاص المرأة الريفية من عبوديتها واغلالها، لا يمكن أن يحدث سوى بالتخلص من الأنظمة الذكورية البرجوازية القمعية سواء أكانت هذه الأنظمة قومية او إسلامية، لذلك فإن النضال الحقيقي هو النضال من أجل التحرر السياسي والاقتصادي بالدرجة الأولى.
10.5.2025
منظمة البديل الشيوعي في العراق تنظيم شيوعي عمالي منهجه الفكري والسياسي ماركسي مستنبط من “البيان الشيوعي”
