الناهبة، قصة حقيقية..

حازم الجعفري

تنويه

القصة ادناه قصة حقيقية أرسلها الى جريدة الغد الاشتراكي الرفيق الخالد الكاتب والروائي الشيوعي المناضل الراحل (حازم الجعفري) ايام قليلة قبل رحيله. الرفيق حازم فارقنا الى الابد صبيحة يوم الجمعة المصادف (٢٩ / ٨ / ٢٠٢٥) وترك في نفوسنا ألما وحزنا عميقين، برحيله تكون جريدة الغد الاشتراكي قد فقدت واحدا من أبرز كتابها، بهذه المناسبة نتقدم بعميق مواساتنا لعائلته وذويه ولرفاق دربه وأصدقاءه وستبقى ذكراه العطرة باقية في قلوبنا. 

يتناول الكاتب من خلال هذه القصة وبأسلوبه الأدبي البارع في سرد الأحداث كما حصلت، واحدة من ابشع تقاليد الهيمنة والعنف العائلي والعشائري الواقع على النساء في العراق والتي هي “النهب”.

وهنا نود تنويه القارئ على أن الرواية تسلط الضوء وبأمانة، على التفاصيل اليومية لقساوة التسلط العشائري وأنعكاساتها على المرأة و كيف تحفز هذه الماكنة الأبوية على الجريمة، لا وبل تكافئ مرتكبي الجرائم بحيث يقترن مكانة وشخصية ذكور العائلة في العشيرة بمدى أصرارهم على ارتكاب الجريمة وبأعنف الأشكال بحق النساء. 

تحتوي القصة على بعض من مظاهر العنف، ولكننا رأينا ضرورة نشرها لكون هذه التقاليد والعديد من التقاليد العشائرية القاسية ضد النساء لازالت حية في العراق وتمارس حتى الآن.

الغد الاشتراكي

قصة حقيقية رواها لي من عاش كل تفاصيلها

تهيئة واعداد – حازم الجعفري

ملاحظة:

الاسماء كلها مستعارة

يقول الراوي: عندما كنا نعيش في الريف لم نكن نسكن في قرية كما هو متعارف عن القرى في ذلك الوقت، وانما كل عائلة قد بنت لها بيتا في قطعة الارض التي تملكها، كان من يجمعنا كل ليلة هو مضيف الشيخ حيث نتناول القهوة ونتبادل  الاحاديث وحتى القصص التأريخية كقصة الميّاسة والمقداد وعنتر بن شداد وحبيبته وابنة عمه عبلة.

في إحدى تلك الليالي ونحن جالسون في المضيف، نزل علينا خبر كالصاعقة واصاب الجميع  بالذهول وجعلهم يطأطئون برؤوسهم للأرض، وكان الخبر يقول إن جواد قد (نهب)  سعيّده فجر هذا اليوم ،كنا نعرف ان هناك حبا قد ربط بين قلبيّ هذين الشابين، وكثيرا ما كنّا نرى جواد يجلس على مقربة من (الشريعة )  وهو يرعى شويهاته بانتظار أن تأتي سعيدة لتملء (مصخنتها) من ماء النهر وعندها يختلس منها نظرة أو أن يرى ابتسامة تلوح على شفتيها.

جواد هذا،  فلاح نشط يمتلك قطعة أرض ورثها عن والده ويعيل والدته وشقيقه اليافع،  وقد انتشرت تلك العلاقة وعرف بها جميع أهل القرية، وكالعادة فقد تقدّم جواد وخطب سعيدة من أهلها، ولكن شقيقها حسون رفض  هذه الخطبة وبشدة متذرعا بان جواد قد مسّ بشرفهم وفظحهم.

يقول الراوي :

كنت صديقا لجواد ولحسون وقد تحدثت الى حسون راجيا منه الموافقة، ولكنه وبعنجهية رفض وساطتي كما رفض كل من رجاه.

كان الجميع يعرف أخلاق جواد والتزامه وهذا ما دفعهم للتوسط عند حسون  ولكنه ردّهم جميعا حتى انه رفض طلب شيخ العشيرة للموافقة.

مرّت الايام والاشهر والسنين، وكنت كثيرا ما ألتقي بحسون  عندما أمر عليه وهو يزرع بستانه،  وكنت اشيح بوجهي عنه، وقد بدا لي منكسر الخاطر وقد نزع عقاله كعادة أهل الريف في تلك الفترة ولا يحق له أن يدخل مضيف الشيخ وان لا  يضع عقاله إلا بعد أن يجد اخته ويقتلها ويقطع يدها اليمنى ويرميها في وسط الحضور عند مضيف الشيخ  وعندها يحق له ارتداء عقاله أو حضور المجالس  في المضيف.

في احدى الليالي سمعت  صوتا يناديني فخرجت لارى حسون يقف عند باب بيتي، ورغم ( زعلي) عليه فدعوته لدخول الدار وقد رفض شرب الشاي طالبا مني مساعدته فقلت:

(إبشر عد عيناك) ففاجأني بقوله إنه عرف مكان سعيدة وجواد ويريدني أن أكون شاهدا على قتل أخته وقطع يمينها، وسألته عن كيفية معرفة مكانها فقال:

لقد رآها شخص ما  تتسوق في أحد أسواق أقضية لواء الحلة. لم أرد أن أكسر بخاطره فوافقت، في منتصف تلك الليلة جهزّت متاعي للطريق وهو عبارة عن أرغفة من خبز الشعير   وعدد من رؤوس البصل  ومررت علي بيت حسون وشددنا الرحال.

ويستمر الراوي في سرد القصة :

في تلك السنين لم تكن هناك وسائل نقل كالتي موجودة حاليا لعدم وجود طرق تربط بين المدن، مما يضطرنا لاستعمال (البلامة )للوصول لغاياتنا ففي وقتها كانت الشامية محاطة بـ (الهور) من كل الجهات، وتوجهنا الى الصلاحية والمهناوية ومنها ركبنا (البلم) ووصلنا الى منطقة(الجذع)، وكان المساء قد حلّ و(ضفنا) عند أحد الناس حيث شاهدنا باب مضيفه مفتوحا ومعنى هذا انه يستقبل الضيوف، وفي الفجر تحركنا نحو غايتنا ووصلنا فجر اليوم الثاني ودخلنا احدى المقاهي التي تتوسط السوق، لم تمض سوى أقل من ساعة حتى شاهدنا (سعيدة) وهي تتهادى وبيدها (زبيلها)، كانت قد ازدادت جمالا وتألقا ، نظرت الى حسون فوجدته قد اصفّر وجهه  وأخذ يرتجف ومدّ يده نحو خنجره، فوضعت يدي على يده وقلت له: ماذا تريد أن تفعل ؟

قال: اقتلها!!

 قلت له:  وتقتلها وسط الناس وسيلقون عليك القبض وستسجن!

فقال : وماذا تريدني أن أفعل ؟

اجبته ننتظرها حتى تكمل تسوقها واتبعها أنا حتى أعرف مكان بيتها وأعود اليك وندخل بيتها  وتفعل هناك  ما تريد دون أن يعرف بك أي أحد فوافقني الرأي، وفعلا وبعد مدة قصيرة عادت و(زبيلها) مملوء وبذلك عرفت ان لديها عائلة، تبعتها حتى دخلت بيتها فطرقت عليها الباب ولما شاهدتني وعرفتتي  كادت أن تنهار من شدة الخوف وفورا سألتني أن كان حسون معي فقلت نعم وتركته في المقهى وهنا جاء ولد وبنت وسلما عليّ وعرفت انهما ولديها، وبسرعة قلت لها أين جواد قالت يعمل في (علوة) للحبوب في السوق قلت لها اسمعي تأخذين ولديك وتذهبين الى زوجك وتهربون قالت والى متى ابقى هاربة وسيأتي حتما ذلك اليوم الذي يجدني فيه ويقتلني وأضافت ليأت حسون وينفذ ما جاء من أجله انا بانتظاره وكلما حاولت معها فلم أفلح.

عدت للمقهى ووجدت حسون متحفزا وفي الطريق حاولت أن أثنيه عما جاء من أجله ولكنه كان مصرا على قتلها، دخلنا بيت سعيدة فوجدناها قد لبست ثوبا اسودا طويلا ولما رأت شقيقها سلمت عليه فلم يرد عليها السلام وهنا جاءت بنتها ويبدو انها الكبيرة فسألت امها عنّا فقالت لها ان هذا خالك واشارت لحسون فقالت البنت وماذا يريد ؟ قالت الام ان عندي له  (امانة) ويرد أن يأخذها، نظر حسون الى اخته وتذكّر كيف انه كان يحبها ويلعب معها وكانت تساعده في جمع الحاصل و(تشيل ) عنه الاثقال.

يقول الراوي :

كنت انظر الى حسون وقد أصفرّ وجهه وأخذ يرتعش ومدّ يده نحو خنجره  فتقدمت اليه سعيدة بحنو وقبلته في جبينه واحتضنته وفي تلك اللحظات رأيت جسدها يرتعش ولكنها بقيت تحتضن أخيها وأخيرا سقطت على الارض……

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ماذا لو وجدت كوثر من يدافع عنها!

القتل الهمجي للطفلة كوثر ذات 15 سنة مؤخرا على يد ذويها "غسلاً للعار" كان تذكيرا ...

حكومة علي الزيدي ومنهاجه الوزاري ترسيخ مصالح راس المال وإدامة الوضع السياسي القائم

بيان منظمة البديل الشيوعي في العراق بعد مرور أكثر من 6 أشهر على انتهاء مهزلة ...

بمناسبة الأول من أيار، يوم التضامن الأممي للطبقة العاملة

بيان منظمة البديل الشيوعي في العراق هذه ليست المرة الأولى التي يحل فيها الأول من ...

كلمة منظمة البديل الشيوعي في العراق-فرع بريطانيا في الوقفة الاحتجاجية امام السفارة العراقية في لندن يلقيها الرفيق نزار عقراوي

  https://youtu.be/1w5m7MkpSj4?si=23ir0LJvQApPT0Yf مساء الخير، نرحب بكم جميعاً في هذه الوقفة الاحتجاجية الهامة أمام السفارة العراقية ...

Report on the Protest in front of the Iraqi Embassy in London on 24.4.2026

Demanding the Immediate Release of the Results of the Investigation into the Assassination of Women’s ...