انتفاضة أكتوبر تغيير ثوري أم مشروع إصلاحي

أن قراءة واقعية  لانتفاضة أكتوبر  في العراق تظهر أن الأسباب الجوهرية  للانتفاضة تكمن في عدم قدرة اغلبية الجماهير على  العيش بالمستوى الأدنى للمعيشة اللائق في ظل النظام السياسي الطائفي القومي وسياساته الاقتصادية التي أدت الى زيادة كبيرة في اعداد  المعطلين عن العمل وافقار غالبية السكان خاصةً الكادحين منهم .

لذا تحركت هذه الطبقة من العمال والكادحين والمعطلين عن العمل في انتفاضة أكتوبر وما التضحيات التي قدمتها والثبات والصمود الا دليلاً على الحاجة الفعلية والجادة لأنهاء  هذا النظام.

ان هذه الطبقة سوف لن تتوقف عن النضال من اجل حقوقها الا بتغيير جذري يتجسد بأسقاط هذا النظام وأقامه نظام جديد يتيح لهذه الطبقة العيش حياة لائقة  قائمة على الحرية والمساواة لا أن تستأثر اقلية مترفة على حساب اغلبية مفقرة.

ألا ان هذا الحراك الجماهيري  يصطدم بالدولة، و يلعب  الفهم  الذي تتبناه  الجماهير عنها دوراً مهما في  انتصار إرادة الجماهير وتحقيق أهدافها  او انحرافها عن مسارها الحقيقي.

يفهم الإصلاحيون الدولة بوصفها كياناً محايداً يقف على مسافة واحدة بين مختلف الطبقات، لذا حسب رايهم  فإنه بمجرد ابدال رئيس وزراء بأخر حسب مواصفات يحددونها  ويدعون الى انتخابات مبكرة  سوف تحل كل مشاكل المجتمع, هذا الفهم القاصر سيودي حتماً الى انتصار الثورة المضادة المتمثلة بالقوى الميليشية،  لأنها لاتزال تسيطر على الدولة و تحتكر العنف وممكن ان تنقلب على الوضع الجديد, كما حصل في تشيلي عام 1970 اذ فاز المرشح الاشتراكي سلفادور أليندي  بالرئاسة واغلبية البرلمان وشرع بإصلاحات حقيقية لصالح العمال الا ان خطأه  كان موافقته على بقاء الجيش والشركات الكبرى على حالها لذا اصطدمت  اصلاحاته بهذا الشركات  المتحالفة  مع قادة الجيش الى ان  انقلب عليه بقيادة الجنرال بنوشيه وأُعدم هو وعشرات الألوف  من رفاقه بطريقة وحشية.

لذا التغيير الثوري يجب ان ينطلق من فهم تاريخي اجتماعي للدولة، فالدولة حسب الفهم الماركسي هي أداة بيد الطبقة المسيطرة تستخدمها لإخضاع الطبقات المحرومة وقمعها اذا  احتجت على الظلم والاستغلال. ودائما ما يتذرع كهنة النظام الحالي بأن الدعوة لأسقاط الدولة هي دعوة للفوضى، لتخويف الجماهير وإبقاء الوضع على ما هو عليه مع اجراء إصلاحات بسيطة، سند هذه الرأي  يقوم على أساس الفهم البرجوازي  للطبيعة البشرية التي تعد الانسان شرير بطبعه، على عكس الفهم الماركسي الذي يعتبر النظام الرأسمالي هو الذي يصنع الشر من خلال التنافس,  وان الأساس هو التعاون الذي ساد البشرية لحقب طويلة قبل ظهور المجتمع الطبقي التنافسي، وما شهدناه في ساحات الانتفاضة من روح التعاون والتضامن خير دليل عل ذلك.

يجب أن نفهم  أن  الدول ليست فقط البرلمان والسلطة التنفيذية والقضاء بل المليشيات والأجهزة الأمنية والجيش أيضاً، لذا فإن أي تغيير حقيقي سوف لن يحدث اذا ظلت هذا التشكيلات قائمة دون المساس بها. وعليه فكل المحاولات في ظل هذا السياق سوف تودي الى بقاء الانتفاضة في مكانها لا تتقدم مما سوف  يصيب المنتفضين  باليأس والإحباط  والذي من الممكن ان تستغله قوى فاشية تحت مسميات شتى لتستولي على السلطة وتقمع المنتفضين بقوة.

لذا يجب أن تستمر الجماهير مع شعارها “كل السلطة للجماهير المنتفضة”  الى النهاية وأن  تنظم نفسها  في مجالس ثورية، مجالس  العمال والكادحين والشبيبة و الطلبة  وتشكل لجان حمايتها وتطرح دولتها ومشروعها السياسي والذي سيكون اشتراكياً بالضرورة لإنصاف المستغلين والمضطهدين.

                        سلام الأخضر        

المقال منشور في العدد 8 من جريدة الغد الاشتراكي بتاريخ 15.4.2020

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تداعيات الحرب الامريكية الإسرائيلية على ايران ، التحالف العسكري السعودي التركي الباكستاني نموذجا!

 عبدالله صالح   ((الحرب سياسةٌ حين تفشل الكلمات، واقتصادٌ حين تتصارع المصالح، ومأساةٌ حين يدفع ...

بمناسبة الذكرى الثامنة لتأسيس منظمة البديل الشيوعي في العراق

رشيد إسماعيل تمر علينا الذكرى الثامنة لانبثاق منظمة البديل الشيوعي في العراق، التي تشكلت واشتد ...

مسارات الحركة الاحتجاجية

طارق فتحي نشرت جريدة "طريق الشعب" في عددها الصادر يوم الخميس المصادف 20-8-2026،احصائية بعدد الحركات ...

بصدد السياسة والأيديولوجيا والبعد الاقتصادي في المسألة القومية الكوردية

مقدمة مؤيد احمد 31/8/2026  كتبت المقال ادناه اثناء قيام الحكومة الداعشية لـ أحمد الشرع في ...

جريدة الغد الاشتراكي العدد 53

جريدة الغد الاشتراكي العدد 53 لقراءة العدد يرجى النقر على الرابط التالي: أعزاءنا قراء ومتابعو ...