محمد البدراوي ( أبو حيدر ) يتظاهر في التحرير صورة وتعليق

خريف 2019، وقبلها بأيام، تحدث الينا ( أبو حيدر ) حين كنا جالسين في مقهى في إحدى أزقة محلة الصدرية وسط شارع الكفاح في بغداد ، يصف تظاهرات الكفاح التي وقعت قبل يوم قائلاً : البارحة كانت الكفاح نفس أيام 48.

تبدو هذه الجملة عابرة ووصفية ولا تحمل الكثير، ولكنها حين تصدر عن ( أبو حيدر) فإنها تعني الكثير، بل تلخص تاريخ مدينة، وتاريخ شعب، وتاريخ سياسي مديد. إن محمد البدراوي شبّه ما جرى ليلة البارحة في الكفاح بـأيام 48 كونه كان مشاركاَ فيها يوم كان شاباَ في أواسط العقد الثاني من العمر، وهاهو اليوم بعد 71 عاماَ يتظاهر ويطالب.

أكثر من 70 عاماَ ولم تتحقق مطالب أبو حيدر. فما هي مطالبه ومن هو محمد البدراوي.

أبو حيدر عامل شيوعي، ناهض الحكم الملكي، والملاّكين المستغلين، والانكليز المستعمرين الذين غادروا العراق قبل مولده بعام وعادوا لإحتلاله وهو صبي. وواجه الحكم الملكي وسجن خلاله، وواجه الحكم البعثي الأول، بل كان من المعترضين على الكثير من سياسات الجمهورية الاولى في عهد الحكم القاسمي، وعارض الحكم العارفي والحكم البعثي الثاني وحكم صدام، وسجن وطُرِد خلال عدة حقب. ثم عاد ليعارض الاحتلال الامريكي، وحكومة بريمر، ثم مجلس الحكم، فالنظام الحالي.

إما إن محمد البدراوي لم يتغير ولم تتحقق مطالبه وهو لم يُخدع بتبدل الانظمة والقيادات، أو إن كل الأنظمة التي تعاقبت هي تبدل أشكال والمحتوى واحد. أو إن كلا الأمرين حقيقة، وهذا هو الواقع بالفعل.

أبو حيدر يتظاهر ويصاب بجروح ويسجن طوال قرابة ثلاثة ارباع القرن كلسان حال طبقة تحتج، وهذه الطبقة ما زالت تطالب وتحتج، ومازالت مطالبها وتطلعاتها تواجه بالقمع والقتل، والأنظمة التي تتبدل، وتبدل أعلام البلد وأشكال الحكم وتبدل حلفائها أو شركائها العالميين، ما زالت أنظمة الاستغلال وقهر الانسان، والتسلط والثراء والفساد، أي كممثلي طبقة. إن البدراوي هو شاخص نضال طبقة لا تكل ولا تتراجع. إن هيبته وهو يقف في التظاهرة أو التجمع، تشيع جلالاً في المكان، وتثير وهجاً من الأمس الحي يوصل اليوم بنضال وتضحيات أجيال. هذا ما اُحسه حين تجمعنا هذه المناسبات. وكم أحس بالفخر حين أقف جنبه وهو مناضل طوى عقوداً وهو منتصب القامة، لم ينحنِ لأي طاغية، ولم يجامل في الحزب الذي عمل فيه سنوات.

إن ذاكرته المذهلة وهو يسرد وقائع الاربعينيات وسجنه وهو في الخامسة عشرة، تحيل العقود البعيدة الى وقائع حية ما زالت تنبض. وأعتقد أن قوة ذاكرته الفائقة والمدهشة التي تفوق أحياناً التسجيلات، لها ما يبررها، فهو ما زال يعيش تلك الوقائع وينتمي لنفس مسار النضال المستمر. إن السنوات محفورة في ذاكرته، والوقائع منحوتة تأبى النسيان. إنه تاريخ حي، وهو حين يتحدث لا يتحسر ولا يسرد ذكريات، بل يربط ما وقع في العقود الغابرة بما يجري اليوم، وتكاد السنين تنطق بين شفتيه كشاهد عصر ما زال في المعترك.

وحين يسترسل في الحديث، يجبر خيال المتلقي على التماهي معه وإستحضار صور الماضي ورموزه، وخلال حديثه أحس بعربات الربل تجوب أزقة وشوارع بغداد الاربعينيات، وتتقافز صور المحلات القديمة، وصور الشقاوات والأفندية والمعدمين وقسوة المدن ورحابتها، وحزنها وبهجتها، وفقرها ومترفيها، ومناضليها وبوليسها.

إن البدراوي أكثر من ظاهرة، إنه تاريخ حي يسير على قدمين. وهو حاضر بكل عنفوانه وكبريائه. وهو دليل صمود واستمرار الحياة المقاومة للطغاة.

تحية من الأعماق الى ( أبو حيدر) .

فلاح علوان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محنة المحاضرين المجانيين

  كما تشير بعض الاحصائيات، فأن هناك ما يقارب ال 260 ألف محاضر في عموم ...

بلاغ

تم اطلاق سراح الرفيق نوزاد بابان وعدد من المعتقلين في سجن ( الآسايش – الامن ...

النصر لنضال طلاب الجامعات والمعاهد

تعرضت المظاهرات والاعتراضات، لطلاب الجامعات والمعاهد في اقليم كوردستان، وفي يومها الثالث ( الثلاثاء،  ٢٣ ...

مأساة اللاجئين والسياسة اللاانسانية للدول الأوروبية

الحرب والاقتتال في العراق وأفغانستان ، سوريا واليمن وليبيا ، الأنظمة الدكتاتورية في منطقة الشرق ...

ستبقى شعلة  الخامس والعشرين من أكتوبر وهاجة

نستقبل هذه الأيام  الذكرى السنوية الثانية لانتفاضة 25 أكتوبر 2019 والعراق يشهد نتائج وتبعات الانتخابات ...

%d مدونون معجبون بهذه: