يعد الأدب والفن واحدا من تعبيرات الجماهير عن الواقع الذي تعيشه، ويعتبر أدب الثورات والانتفاضات معبرا عن آمال الشعب المنتفض ضد السلطة، في التحرر من هيمنة القوى الرجعية المسيطرة على مقدرات الجماهير. ولطالما كان للشعراء والكتاب والفنانين التشكيليين والمسرحيين وغيرهم صوت الشعب المنتفض عن طريق القصيدة أو القصة أو الأغنية أو اللوحة.
منذ انطلاق انتفاضة أكتوبر في العراق وما قبلها، شارك فيها العشرات من الادباء والفنانين بمختلف صنوفهم، وقد كانت لقصائدهم ولوحاتهم وأغنياتهم، التأثير الكبير على نفسية الجماهير وعلى وعيهم، فقد عبرت أعمالهم عن هدف الجماهير بالخلاص من سلطة الإسلاميين وشركائهم من القوميين، الذين نهبوا ثروات البلاد طوال الفترة الماضية ومارسوا أبشع أنواع الجرائم بحق المنتفضين.
صحيفتي الغد الاشتراكي باللغة العربية و (ره وت) باللغة الكردية أجرت لقاءات مع عدد من الشعراء الذين كانت لهم مشاركات وأعمال في انتفاضة أكتوبر حيث توجهت لهم بمجموعة الأسئلة تركزت حول سيرتهم الشخصية ومشاركاتهم في الانتفاضة وكذلك معرفتهم بالأدب في كردستان والشعراء الناطقين باللغة الكردية.
الشاعر الشاب عباس التميمي الذي كان له الصوت المؤثر عن طريق قصائده التي انطلقت أولها منذ بداية أكتوبر وقد ألقاها وسط إطلاقات الرصاص فوق رأسه ورأس رفاقه، حيث أصبحت قصيدته إحدى إيقونات انتفاضة أكتوبر….
يقول التميمي في هذه القصيدة :
يالتكتلني رايد خاف ما تدري
هذن طلقاتك اتلگاهن بصدري
آنا من الگماط احلامي مبيوگات
آنا الكون كله يسولف بصبري
آنا ال للشغل ما عنده كروة يروح
آنا القائدك سچينته بنحري
هي حچاية وحدة وما تصير اثنين
واحسبها علي جوعان ويهذري
آنا وتاج راسك ما يصير نعيش
لازم ينوخذ لو عمره لو عمري
عباس التميمي ابن الأربعة وعشرين ربيعا يقول عند إجابته عن سؤالنا حول تطور النقد والفن الاجتماعي بعد انطلاق انتفاضة أكتوبر وتطوره، وهل عاد مجددا إلى ميدان الفن والثقافة أجاب قائلا ” إن النقد الاجتماعي في العراق يمر بمنعطف جذري من ناحية أسلوب الطرح فبعد أن كان النقد يطرح بطريقة جافة كما يطلق عليها الشباب، تحول في الآونة الأخيرة إلى ميدان السخرية بالدرجة الأولى، فالنكتة السياسية هي الآن الأكثر تأثيراً وانتشاراً واستيعاباً على مستوى العراق وبالدرجة الثانية يأتي ميدان الفن والثقافة”
وحول تجربة التميمي الأدبية فقد أكد أن موهبته الأساسية تتركز في كتابة الشعر الشعبي بالدرجة الأولى بالإضافة إلى حبه للموسيقى وتحديدا العزف على آلة العود، وحول مشروعه المستقبلي أكد على الاستمرار والإصرار أكثر على كتابة الشعر الشعبي لسهولة تداوله وتأثيره الكبير في وجدان العراقيين.
وعند سؤالنا عن اطلاعه ومعلوماته عن الأدب والأدباء في كردستان … وهل من كلمة يود توجيهها إلى قراء جريدتنا والى الجماهير في كردستان وبالأخص للأدباء الملتزمين بقضية المساواة والعدالة والتحرر الاجتماعي ؟ أجاب التميمي: انه بالتأكيد توجد تجارب أدبية مهمة جداً انطلقت من كردستان ومن أكثرها تأثيراً به هو الشاعر والفيلسوف الكردي احمد الخاني، موجها كلمة لزملائه في كوردستان وهي الطلب منهم الاستمرار في نشر روح وفكر الحرية والعدالة والمساواة .
**********************
ثم توجهنا الى الشاعر والكاتب وليد المسعودي وسألناه عن سيرته الذاتية الموجزة فاجابنا” انا مواليد ١٩٧٣، بدايتي كانت وما تزال مزدوجة بين الشعر بأشكال متعددة مثل قصيدة النثر والخاطرة وقصيدة الهايكو وبين المقال السياسي والاجتماعي والثقافي والتربوي”
مضيفا انه يكتب بشكل مستقل ولا يفضل الانتماء إلى مؤسسة اتحاد الأدباء والكتاب في العراق لأنها مؤسسة موجهة وغير مستقلة، قبل سقوط صدام وبعده .
وعن كتاباته ونشرها قال المسعودي انه ينشر فى صحف ومجلات عراقية عربية، لكنه ومنذ ٢٠١٥ يكتب فقط في المواقع الالكترونية الثقافية ، وذلك بسبب انعدام الحرية في القول والتعبير لدى أكثر المؤسسات والصحف الصادرة في بغداد حيث التوجيه السياسي والحزبي المعين.
وحول اعماله الحالية أجاب الشاعر وليد المسعودي:” لدينا مجاميع أدبية وثقافية الكترونية تعنى بالأدب والثقافة بشكل عام، ونحاول الكتابة عن تأريخ الحاضر العراقي وما يعاني من تشوهات سياسية واجتماعية وثقافية ضمن سلسلة مقالات وأفكار، إضافة إلى اهتمامنا بكتابة قصيدة الهايكو في مجموعتنا جوالون”.
وعندما سألناه عن تأثير الانتفاضة على حركة الأدب والنقد أجاب المسعودي ، “أحب القول ان الميول والنقد الاجتماعي مرتبط بعوامل كثيرة لابد ان تتحقق ،أبرزها وجود التزاوج بين الظروف الموضوعية للاستغلال والاغتراب الوجودي الإنساني للجماهير مع التراث الاجتماعي الاحتجاجي ضد الظلم، ومع هذا التزاوج لن تستطيع اي سلطة تمرير استغلالها للناس بسهولة”
مضيفا : ” ان ما يحدث لدينا في بغداد والمحافظات المنتفضة هو وجود الظروف الموضوعية الاجتماعية للاستغلال بشكل دائم مع ضعف طاقة الاحتجاج الاجتماعي، بسبب تأثيرات المجتمع الطائفي الديني وتخديره للناس تحت عناوين استيهامية كثيرة ، ولكن مع ثورة تشرين الشبابية، بدأ الشباب يشكلون ثقلا احتجاجيا كبيرا بالرغم من تزايد أدوات القمع والاغتيال والاختطاف والتغييب من قبل فاعلين اجتماعيين كُثر داخل العملية السياسية الفاسدة التي يقودها الإسلام السياسي، وان حراك الشباب، كي يدوم ويصبح جاهزا لنمو ميول النقد الاجتماعي، يحتاج إلى تنظيم الشباب أنفسهم كي يزدادوا قوة ويزيدوا من فاعلية النقد والاحتجاج داخل المجتمع ضمن حدود الحاضر والمستقبل على حد سواء.
العاشق الفقير
فرش حصيرته
من اجل قبلة
فداهمته الحرب بطرقات
تصل إلى السماء
الى السماء
ظلت ايادي الامهات
مرفوعة دون جدى
بينما المطر الغزير
أكثر من دموعهن
يتساقط بالشهداء
على رؤوس المدائن
المدائن المنكوبة
من تحت الرماد
لعبة الصغيرة
عروسان يدوران
على سواد شارف
على الزوال
مع آخر نبض
اخر نبض
ومع ذلك لا تأتي بموعدها
رايتنا البيضاء المعلقة
على اول حزن
على اول قبلة
مفروشة على حصيرة
سرقتها السواتر من قلب
العاشق الفقير
اما في مجال العلاقة والمعرفة بأدباء كوردستان ونتجاتهم فقد بين المسعودي إن العلاقات الأدبية مع نشاط كردستان الثقافي محدود، فقط ضمن قصيدة الهايكو، حيث العلاقات الصداقية والمشاركة مع شعراء من كردستان في جوالون أو اي مجموعة أخرى من مجاميع الهايكو وكذلك ضمن حدود، وضمن القراءة والمتابعة الأدبية لبعض الشعراء والأدباء دون القدرة على إثراء الحوار والنقاش حول قضايا مصيرية تجمع العراق بشكل عام .
موجها في نهاية حديثة رسالة للجماهير في الإقليم وللقراء ” أقول أن أهم شيء ينمي قدرة الجماهير على التغيير هو الانفتاح على تجارب الآخرين وعدم الركون إلى ما موجود من آثار قومية أيديولوجية تفرضها السلطة السائدة هناك، فمن خلال الانفتاح نعرف للحقيقة صور وأبعاد غير تلك التي نعيشها كل يوم ولا تحرر اجتماعي دونما معرفة الآخرين بايجابياتهم وسلبياتهم من اجل بناء ثقافة نقدية قابلة للتطور بشكل دائم ومستمر.
*******************************************
الشاعر على الركابي من قضاء الحي في محافظة واسط كانت له مشاركة فاعلة في انتفاضة أكتوبر وبالخصوص عبر تواجده في ساحة التحرير منذ الأيام الأولى لانتفاضة أكتوبر.
اكد الركابي ان انتفاضة اكتوبر لم تقتصر على الجانب السياسي فقط، بل شملت مختلف جوانب الحياة، فقد بين ان الحراك الشعبي الكبير شمل العديد من المنافذ الحياتية وقد أيقضت هذه الاحتجاجات الضمير الفني والثقافي عن طريق تسليط الضوء على المعتركات الحياتية وكذلك هو حال الفن في الثورات والانتفاضات عبر التاريخ كما هو الحال مع الثورة الفرنسية وغيرها من الثورات والاحتجاجات، واصفا انتفاضة أكتوبر بأنها ثورة شعرية كبرى وفنيه عظيمة رسمت لوحات الجمال في ساحات الاحتجاج التي عبرت عن الرفض والحب والتحرر الفكري وكذالك المسرح والشعر.
الشاعر علي الركابي خريج كلية الاعلام قسم الصحافة وعمره اثنان وثلاثون عاما ولديه العديد من القصائد الثورية والتحررية ولديه مجموعة شعرية تحت الطبع بعنوان (أحلام وطن واتراب) وعاكف على كتابة رواية تحت عنوان ( حب في قارورة ).
وعند سؤاله عن اطلاعه على الشعراء والأدباء وأعمالهم أجاب بأنه، وبسبب انشغاله وكسله في ذات الوقت، فعلاقاته مع أدباء كردستان ليست بالمستوى المطلوب مبينا انه يوجه كل تحايا الحب والتضامن مع الطبقة الكادحة والتي تطالب بالتحرر والعدالة والمساواة في العراق وكردستان.
قصيدة للشاعر علي الركابي
اكتلني… ماتكدر تسكت صوت ثاير
اكتلني …باجر دم وريدي …يخضر بعلو المناير
اعتقلني….واشطب اسمي من الدفاتر
قيدي …من اشماغ ابوي الفرهده
اتراب السواتر
…………
…………
سنبل الحريه راج وكسر اقيود المناجل
ولافتات الدين شككهه الرصيف
خركة صارت للجدايل
هزلي فنجان الصبح وامسح قميصك
امسح اسمك
واشطب ارقام الاحزاب
وبوس حلمي
بحيل كل هاي النشامه والحيود نرد وطنا معافة
ليام الشباب
***********************************
الشاعر مالك عبدون ذات الحضور المتميز في انتفاضة أكتوبر عبر تواجده الفعلي وسط الشباب المنتفض وكذلك عبر قصائده الجريئة والطامحة نحو التحرر والمساواة، كان له مشاركته أيضا في هذا اللقاء مع شعراء أكتوبر وعبدون من مواليد بغداد عام 1985 وهو خريج معهد المعلمين وقد بدأ كتابة الشعر منذ سقوط نظام البعث، وقد رفض، بحسب قوله، من اكثر المؤسسات الثقافية الرسمية لانه لا يتبع منهجها ولا يخضع لشروطها، فهو يقول انه يكتب ما ” يملي علي ضميري الفلسفي والإنساني”
وحول سؤالنا عن انتفاضة أكتوبر وما تركته في نفوس الأدباء الشباب والتحول الذي أحدثته في النقد الاجتماعي الواقعي أجاب عبدون: “أنقسم الأدباء إلى قسمين نصف يعمل مع الميليشيات وحكومة القناصين والترويج لهم، وحتى أكثر من ذلك ، جعل من نفسه ندا لنا وبدأ يشوه ويسقط في سمعة الثورة والثوار”
مضيفا: ” ان القسم الثاني من الأدباء هم الذين يمثلوني ويمثلون ما أكتبه من تنظير وأطروحات عن طريق الشعر والسرد الذي يصب في خدمة الثورة والدفاع عنها بكل الوسائل الممكنة وتوعية الجماهير” مستدركا ” انه ربما بيت شعري واحد يحرك جماهير كثيرة ساخطة بسبب الظلم والقهر الذي سببته لنا الأحزاب الرجعية “.
وحول اطلاعه وعلاقته بالادب الكردي أجاب عبدون “انا جدا مهتم بالأدب الكردي وبشعرائهم وكتابهم أعرف عنهم الكثير ولي علاقات معهم طيبة وبعض منهم ساعدني كثيرا بالتعرف على شعراء الحداثة في الشعر الكردي ومن هذه القامات الأدبية الشاعر “طيب جبار” والشاعر الراحل “شيركو بيكه س” والكثير من جيل الشباب أيضا مثل الشاعر الشاب”أريان علي”أسماء كثيرة أطلعت على نتاجاتهم الادبية المترجمة، وأمنيتي أن أتعلم اللغة الكردية بالكامل وسأحاول أن أدرسها مستقبلا.
ومن قصائد الشاعر مالك عبدون حول انتفاضة أكتوبر هذه القصيدة ….
يا من تفرّغ لي رئتي
من هواء الآخرين
وتدخل مذبحة النور
في صدري لأشتعل
أنا الشهيد الذي
خرجتْ من فمه فراشة
وانتحرت في طريقها إليه
فصلت على جنازته
تماثيل نصب الحرية
كل العصافير التي
خضبت ريشها بدمي
الآن
تطير في وسائد الحالمين
ولا تخرج منها
فلا تسألني عن البراق
التي طارت بلا جناحين
وخسرت في مسابقة الأرض رهانها
ولا عن الأنبياء
الذين لم يستطيعوا
أن يقتلوا الحزن في هذا العالم
ولا عن الغيم الذي
غطى السماوات
مثل شحوب الموتى
ولا عن الجمر القديم
في قلوبنا
كيف دفناه بالذكريات والندم
وكيف حملناه على أكتافنا
مثل مطية خذلان متنمرة
ولا عن طفلٍ بائس
من أهل البصرة
دخل في زجاجة فارغة
وصار مولوتوفًا
يشعل نفسهُ
ولا عن النسوة
التي قطعت أثدائهن من الجوع
ورميتها
على رؤوس الجنود
من فوق “المطعم التركي”
لأنك أنتَ الذي تفرغ
رئتي من هواء الآخرين
وأنتَ الذي رميت
لبوذا صابونة الروح
في وحل الغابة
ليغسل فيها وجهه!
وأنتَ الذي جعلت من القمر
في ليل بغداد
يشبه عين القط
فلحمنا الطري
لا يدخل عليه الذباب
ولا ينتفخ
حطت عليه
الجنرالات والشيوخ
ونظفت أسنانها بالمئذنة!
اعد اللقاء جمال كوشش وجلال الصباغ
20/ 8 / 2020
———————————————————————-
قصة قصيرة من الأدب الرمزي. للكاتبة السعودية (مها حلواني):
صوت البائع
صوت البائع الجوال يصدح في أرجاء الحي:
يلي عندو سعادة .. يلي عندو فرح .. يلي عندو حزن .. يلي عندو دمعات قديمة للبيييييييع …!!
أحب الباعة المتجولين .. أسرعت لأمي و قلت لها أنّ عندي ضحكتين قديمات أريد بيعهما ..
قالت لي افعل ما يحلو لك..
اتجهت للبائع وصرخت له :
يا عم يا عم بكم الضحك اليوم..؟
قال لي :
ضحكة الطفل بليرة .. وضحكة العجوز بألف .. وعلى حسب العمر نشتري ..
دهشت من فرق السعر وأخبرته :
يا عم الضحكُ ضحكٌ .. لم فرق الأسعار .. ؟؟
أو أنك تغشني لأني صغير…؟؟!!
قال لي:
يا صغيري ضحكة الكبار نادرة .. هذا سبب غلائها …
لم أفهم ما يقول .. ولكني بعته الضحكتين .. واشتريت بثمنهما بسكوتاً ..
رجعت للمنزل .. سألت أمي إن كان لدى أبي ضحكات قديمة .. فضحكة الكبار غالية ..
بحثت أمي في كل أرجاء المنزل .. لم تجد أي ضحكة لأبي ( أبي لا يضحك )..!!
ولكنها عثرت على كثير من دمعاته .. أعطتني إياها .. وقالت لي هذا مصروفك للغد …!!
في اليوم التالي .. وعند سماع صوت العم الذي يشتري الأحاسيس والمشاعر ..
أسرعت إليه وسألته عن ثمن دموع الكبار ..
فتلك غالية كضحكاتهم .. قلت له…
فقال لي :
إن دموع الكبار رخيصة ..وهو لا يتاجر بها ..
وقال:
الكبار يبكون دائماً يا ولدي ..!!
في شارع المجزرة هناك نهر من الدموع ..
وفي المقبرة هناك نهر آخر ..
حتى أن أرملة الشهيد يوسف تمتلك أكثر من برميلين دموع لم أشترهما ..
يا بُني أنا أشتري ضحكات الكبار أما دموعهم فلا….لا أشتريها…
أنا تاجر نوادر…
أشتري كذباً من الأمهات…
حِكماً من المجنون….
و…
و وفاءً من المسؤول ..
يا بُني لا عمل لي بدموع الكبار .. كل الكبار يبكون…!!
وقبل أن يذهب همس في أذني قائلاً:
اليوم…يوم الجمعة إن وجَدت صدقاً في خطبة الشيخ أحضره. ذاك غالٍ سأشتريه منك ..!!
———————————————————————-
بدر شاكر السياب… حياة القصيدة حين تلبس أثواب الرفض
بغداد ـ مجلة «القدس العربي» بتصرف من صفاء ذياب:
أكثر من نصف قرنٍ على رحيل الشاعر بدر شاكر السيّاب وما زال الجدل حول شعره مستمراً، هل تمكّن هذا الشاعر من كسر طوق القصيدة العربية فعلاً؟ وهل كانت قصائده خرقاً للذائقة العربية آنذاك؟ وهل كان السيّاب بالفعل رائد القصيدة الحرّة، أم نازك الملائكة أو علي أحمد باكثير أو شاعر آخر لم يلتفت له التاريخ؟
السيّاب الذي رحل في الرابع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 1964 بعد صراع طويل مع المرض والفقر والفصل من الوظيفة، ربما كان واحداً من جمع من الشعراء الذي غيّروا خريطة الشعر باللغة العربية، واحداً من بنية ثقافية أسهمت في إعادة التفكير بالأسلوب القديم وكسر أطواقه، لكنه مع هذا كان الملهم الأهم لأجيال جاءت بعده.. وربما هذا هو ما يميز صوته الشعري، وتحولات قصائده، كونه نموذجاً للرفض والسعي للخروج بأنماط أخرى.
دراسات لم تكتمل
يرفض الشاعر محمد صالح عبد الرضا كلام القائلين إن شعر السياب استهلك بحثاً، ذلك أن الدراسات النقدية التي تصدت لشعره، باتجاهاتها المتنوعة وطروحاتها المتباينة في استنطاقها النص السيابي على كثرتها، لم تستوف تطبيقات المناهج النقدية الحديثة غير الانطباعية، مثل البنيوية والتفكيكية وما بعد الحداثة، وفي ذلك دراسة العلاقات المتخيلة مع منظومة العلاقات الواقعية ودراسة الأنموذج البشري أو تحليل شعره لسانياً أو استغواره إيقاعياً ذاتيا وموضوعياً، وكذلك من المفيد حرث حقله السايكولوجي والمركب الوجداني في دراسات جادة ومستقلة.
ويؤكد سلمان كاصد أن الظاهرة السيابية لم تمت، وكأننا أمام رؤى تتجدد، الأبنية الشعرية لبساطتها وخفتها على الكلام، والصيغ الأسلوبية لترابطها الثر ولتعانقها الأخّاذ ظلت أكثر صفاءً، حتى قصيدته «أنشودة المطر» صارت أكثر الأناشيد التي تستدعيها لحظة انهمار المطر، وكأن الأنشودة قد صيغت من الانهمار الطبيعي للمطر نفسه، فقد تحوّل المطر إلى كائن شعري باذخ.. مثلما تحّول بويب إلى نهر في ذاكرة الشعرية العربية على الرغم من أنه لم يكن سوى ساقية صغيرة لا تعني في واقعها شيئاً أبداً، إنه خارج الجمال بمعناه الواقعي.. داخل مركز الجمال بمعناه الكتابي.
لننظر إلى صياغات السياب، لم أجد في «أنشودة المطر» فاعلاً يجاور فعله، لم يقترب الفاعل من فعله، لابد أن يكون هناك فاصل ما؛ أي فاصل، كل ذلك لخدمة القافية التي تمطر سحراً لقمرٍ يسقط في نهر.. «كما اكتشف السياب عبر القصيدة التي كتبها سمات الواقع ولم يصوّر واقعاً، إنما أخرج جدليته، فصاغ قوانينه التي لم يبصرها في البدايات أحد غيره، ذلك هو السياب الذي ظل في ديمومته، على الرغم من التحولات المتعددة في أبنية الشعر العربي، التي لم تستطع أن تطمس تجلياته وكشوفاته وصياغاته، وهذا هو أهم قانون في شعرية القصيدة التي صاغها السياب أن تظل جميلة دائماً».
السياب وديمومة الأثر
يتحدث الناقد باقر جاسم محمد عن أثر السياب في الشعر العربي، مبيناً أنه بعد مرور أكثر من نصف قرن على رحيله، مال زال بدر شاكر السياب شامخاً بصفته أحد أعلام الحداثة في الشعر العربي المعاصر؛ ذلك أن نتاجه الشعري الغزير والمتنوع والمتجدد كان وما زال حاضراً بقوة، فليس غريباً أن يكون موضع اهتمام ودرس، على المستويين الأكاديمي والنقدي، على الرغم من غيابه الجسدي المبكر. تمكّن السياب، من خلال نتاجه الشعري في الدرجة الأولى، وفي هذا العمر القصير نسبياً، وعلى الرغم من اعتلال صحته، أن يسهم، مع شعراء آخرين، في منح الشعر العربي الحديث هويته المميزة وأن يقدم له قصائد رائعة تمثل، آثاراً خالدة يمكن أن تكون من بين القصائد الأنموذج الدالة على الشعرية العربية الحديثة، مثل قصائد «أنشودة المطر» و»النهر والموت» و»المسيح بعد الصلب» و»شباك وفيقة» بجزئيها. وفضلأً عن ذلك، فإن السياب واحد من الشعراء العرب القلائل الذين استطاعوا أن يحققوا لأنفسهم متوناً شعرية ونصية مميزة ودالة عليهم ومؤثرة فيمن جاء بعدهم من الشعراء. ويضيف محمد: ولم يكن للسياب أن يحقق ذلك لولا أنه عاش تجربة الوجود بإخلاص. فقد واجه؛ بشجاعة، كل ما تنطوي عليه الحياة من المحن ومن خذلان الجسد والأوضاع السياسية والاجتماعية المضطربة، وما آلت إليه من الأخطاء والخطايا. فحوّل كل ذلك إلى شعر حي جديد شكلاً ومضمونأً، شعر نابض بالحياة ويتسم بالجمال والعمق لأنه كان يصدر عن خصوبة المخيلة الشعرية لديه، فقد منح السياب شجرة الشعر العربي روحاً جديدة وأغصاناً خضراء نضرة، بعد أن جف عود شعر الشطرين وأوشك أن يتيبس. ويمكن أن نضيف إلى ما سبق أن السياب قد تفرد، من بين الشعراء العرب المحدثين، بأنه منح الأمكنة التي عاش فيها، مثل قريته (جيكور) ونهيرها البسيط (بويب) وساحة (أم البروم) في البصرة شهرة وذيوعاً، ما أضفى على هذه الأماكن الخلود من خلال نقلها من الوجود المادي الواقعي المحدود إلى الوجود النصي المتجدد في كل قراءة.
منظمة البديل الشيوعي في العراق تنظيم شيوعي عمالي منهجه الفكري والسياسي ماركسي مستنبط من “البيان الشيوعي”
