مهمات قوى الانتفاضة في المرحلة الراهنة

جلال الصباغ

ان محاصرة قوى السلطة التي تعيش في ارتباك وتخبط شديدين أمر في غاية الأهمية، والحوادث الأخيرة التي شهدتها الساحة العراقية من محاولات لاعادة عقارب الساعة الى الوراء عن طريق تأجيج النزعات الطائفية والقومية مثل حادثة احراق مقر الحزب الديقمراطي الكردستاني وقتل ثمانية مواطنين في قضاء بلد، تعبير عن يأس السلطة من السيطرة على الانتفاضة وعجزها النهائي في تقديم اية حلول للجماهير.

إن خبرة الجماهير ووعيها  لأساليب السلطة وممارساتها جعلت من كل الافعال التي تقوم بها هذه السلطة مكشوفة وواضحة وغير ذات جدوى، بل انها تزيد من الحنق والاعتراض والرفض لهذه السياسات، ومهما حاولت اذرع السلطة المتمثلة بالاجهزة القمعية والمليشيات والإعلام عبر الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي والجيوش الالكترونية والمثقفين والمطبلين من حرف الانظار عن الازمات المعقدة التي يواجهها النظام، فأنها تأتي بنتائج عكسية،  باعتبار النظام يعيش فعليا خارج التاريخ، مبتعدا عن هموم الملايين من العمال والمعطلين والطلبة والنساء التواقين للتغير والحرية والعدالة، غارقا في مشاريعه الممثلة لقوى إقليمية وعالمية تزيد من بؤس وفقر الجماهير يوما بعد أخر.

اليوم ونحن نعيش استعدادت الجماهير لخوض منازلة جديدة بالضد من السلطة الفاشية، وتزامنا مع حلول الذكرى الاولى للخامس والعشرين من اكتوبر الذي يمثل انطلاق المرحلة الثانية من الانتفاضة في العام الماضي، والتي حققت العديد من المكاسب والانتصارات بوجه القمع والارهاب والخطف والتغييب والقتل الممارس من قبل أجهزة ومليشيات النظام، رغم كل ما تحقق خلال العام الماضي، لكن هنالك الكثير من الاخطاء والمعوقات التي رافقت الانتفاضة خلال عام من عمرها، وعلى قوى الانتفاضة الرئيسة اخذها بنظر الاعتبار وبشكل مستعجل من اجل تحقيق ما تطمح اليه الجماهير بشكل عام.

اولى هذه المهام التي على قوى الاننتفاضة الرئيسة القيام بها، هي تجاوز حالة اللاتنظيم والعشوائية والعفوية التي كانت سائدة طوال الفترة الماضية من عمر الانتفاضة، وهذه الحالة جعلت الشرائح المختلفة للمنتفضين عرضة للاختراق من قبل قوى الثورة المضادة بالاضافة إلى ضياع جهودهم وتشتيتها، رغم الحشود المليونية التي كانت تخرج كل يوم خصوصا في ايام الانتفاضة الاولى. وما دعوات عدم التنظيم الا دعوات صادرة بالاساس من قوى السلطة والقوى الاصلاحية التي تخاف من فقدان السلطة، لأنها تعلم جيدا أن تنظيم الجماهير يعني بالمحصلة النهائية عدم قدرتهم على الوقوف بوجه تطلعات شعب كامل.

ان تشكيل المجالس الجماهيرية الثورية بات حاجة ملحة للغاية في هذه المرحلة اذا ما اردنا انتصار الانتفاضة وتحقيق اهدافها المتمثلة بأقامة سلطة الجماهير بعيدا عن قوى المحاصصة الطائفية والقومية، فالمجالس الجماهيرية الثورية التي تمثل الجميع بمختلف شرائحهم وقواهم، والتي تأتي عن طريق الانتخاب المباشر في الساحات ومحلات السكن والمعامل والجامعات والنقابات وغيرها، هي الضامن لتمثيل كل القوى الحقيقة داخل المجتمع.

ان المهمة الاخرى التي تقع على عاتق قوى وشرائح المنتفضين المستفيدين من الخلاص من الحكم الطائفي القومي المحاصصاتي، هي توسيع رقعة الاحتجاج، لتشمل بالاضافة الى ساحات الانتفاضة الرئيسة مثل ساحة التحرير وساحة الحبوبي وغيرها من الساحات في محافظات الوسط والجنوب، ويكون هذا التوسع في الاحتجاج والإضراب والتظاهر داخل مناطق السكن والمحلات واماكن دوام العمال والموظفين في المصانع والشركات والوزارات والمدارس والجامعات وفي مختلف الاماكن الاخرى من اجل شل قدرة النظام على المناورة ومنعه من قمع المنتفضين كما كان يحصل في السابق.

ومن القضايا الملحة التي تواجه المنتفضين في المرحلة الحالية هي التمييز بين القوى التي تقف مع الجماهير وتعمل ضمنها وتعبر عن تطلعاتها وبين القوى التي تمثل قوى الثورة المضادة والتي تعمل على تخريب الانتفاضة وضربها من الداخل مثل القوى التي هي جزء من السلطة الحالية وبذات الوقت تحاول ان تكون جزءا من الانتفاضة من اجل تخريبها وحرف مسارها، ولا تختلف عن هذه القوى الجهات الإصلاحية التي تحاول إجراء تغييرات من داخل منظومة المحاصصة والنهب والتبعية للخارج.

القضية الجوهرية التي دفعت الجماهير إلى الانتفاض ضد هذه السلطة هي الأوضاع المعيشية الكارثية، وانعدام فرص العمل وتركز الثروة بيد فئة قليلة من المجتمع وهي فئة السلطة والمقربين منها، بينما الغالبية العظمى من الجماهير تعاني من انعدام الخدمات وتردي التعليم والصحة والكهرباء والسكن وتفشي البطالة وانتشار الجريمة المنظمة وغيرها الكثير من المظاهر الأخرى التي تفتك بالمجتمع في العراق، وهذا الواقع جاء نتيجة سيطرة هذه القوى المدعومة من قبل أمريكا وكل القوى الرأسمالية سواء أكانت إقليمية أم دولية، وتغيير هذا الواقع البائس يتطلب العمل على  إنشاء نمط أخر من الحكم وهو النمط النقيض للنمط الرأسمالي المسيطر حاليا، وهذا النمط النقيض هو النمط الاشتراكي الذي يعني بالمحصلة الأخيرة المساواة التامة في كل مجالات الحياة ، الاقتصادية و الاجتماعية وتوزيع الثروات بشكل عادل على الجميع وتوفير جميع الخدمات اللائقة والمجانية التي توفر الرفاهية للجماهير وضمان حرياتهم ومساواتهم. هنا لا بد لكل القوى العاملة والكادحين والمؤمنين بالتحرر والاشتراكية السعي الحثيث والعمل على دعم ومساندة القوى الاشتراكية داخل الانتفاضة والالتفاف حولها من اجل الانتصار لمطالب الغالبية العظمى من المنتفضين، وعدم الانجرار خلف أطروحات الأطراف الليبرالية داخل المنتفضين.

18/10

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ثلاثة أشهر مضت على اغتيال ينار محمد والحكومة الجديدة مستمرة في التكتم على نتائج التحقيق! تغيير الكابينة الوزارية لا يبرر غض النظر عن واحدة من أخطر الجرائم في المنطقة!

بعد مرور نحو ثلاثة أشهر على اغتيال القائدة الشيوعية ورمز النضال النسوي التحرري ينار محمد ...

ماذا لو وجدت كوثر من يدافع عنها!

القتل الهمجي للطفلة كوثر ذات 15 سنة مؤخرا على يد ذويها "غسلاً للعار" كان تذكيرا ...

حكومة علي الزيدي ومنهاجه الوزاري ترسيخ مصالح راس المال وإدامة الوضع السياسي القائم

بيان منظمة البديل الشيوعي في العراق بعد مرور أكثر من 6 أشهر على انتهاء مهزلة ...

بمناسبة الأول من أيار، يوم التضامن الأممي للطبقة العاملة

بيان منظمة البديل الشيوعي في العراق هذه ليست المرة الأولى التي يحل فيها الأول من ...

كلمة منظمة البديل الشيوعي في العراق-فرع بريطانيا في الوقفة الاحتجاجية امام السفارة العراقية في لندن يلقيها الرفيق نزار عقراوي

  https://youtu.be/1w5m7MkpSj4?si=23ir0LJvQApPT0Yf مساء الخير، نرحب بكم جميعاً في هذه الوقفة الاحتجاجية الهامة أمام السفارة العراقية ...