الحركة النقابية في بريطانيا، تاريخ موجز تأليف : المؤرخ الماركسي الین هوت  ١٩٤١-١٩٤٢/ لندن

[tweet]ترجمة من الانكليزية :ثریا طاهر

الحقبة الثانية

الفصل الثاني : ” دفاع و ليس تحدي ١٨٥٠-١٨٨٠”

ان مرحلة أواسط العصر الفكتوري للحركة النقابية كانت تحديداً مرحلة التنظيم العمومي ل ( الاتحادات الفخمة و الميكانيكيين المتباهين ) ، اي الأقلية الماهرة من الطبقة العاملة . اصبح شعار النقابات ” دفاع و ليس تحدي ” ، اي الدفاع عن الحقوق الاساسية للعامل بدلاً من تحدي طبقة اصحاب العمل بالقوة المنظمة للطبقة العاملة كلياً ؛ و القول ” اجرة عادلة مقابل يوم عمل عادل ” كان بمعنى القبول الكامل بالوضع القائم ، مع تحقيق إصلاحات محددّة و محدودة ، ليكون بالإمكان الحصول على أقصى ما يمكن تحقيقه داخل إطار النظام الراسمالي .
لم يكن هذا التطور وليداً للصدفة ، فالرأسمالية البريطانية كانت في نهايات العقد الرابع من القرن التاسع عشر قد تمكنت من تحطيم كل الحواجز التي كانت تقف امام نموها الكامل ، و كان انتصار التبادل الحر يعني الحرية الكاملة للرأسمال . كان التوسع المتفاوت في الصناعة و التجارة ينتج ارباحاً بنِسَب ليست عشرات بل الآلاف بالمئة، لتُثبت بأن بريطانيا هي ” ورشة عمل للعالم ” بمكانتها المتميزة في احتكار الصناعة .
لذلك كان ممكناً و ضرورياً ان تُمنح بعضاً من الحقوق و الامتيازات لمجموعتين رئيسيتين من العمال يعتمد انتاج هذا الثراء عليهما ، هما عمال مصانع الأقمشة ( الذين استفادوا من قانون العشر ساعات لعام ١٨٤٧) و الحرفيين المهرة في صناعة المعادن و البناء . توحيد العمال (الأرستقراطيين ) بهذه الطريقة و وضعهم فوق اغلبية الطبقة العاملة ، كان منعكساً بشكل كامل في الميثاق الجديد للنقابات .
تأسست الجمعية الموحدة للمهندسين ” أي . اس. ئي ” عام ١٨٥١ و كانت أولى ” النماذج الجديدة ” للاتحادات ، وذلك بعد اجراء لقاءات و اجتماعات بين مجموعات من مختلف المهن الصغيرة و المحلية والتي جرت تدريجياً و على مدى عدة أعوام . التحم ” أي . اس. ئي ” بأكبر الاتحادات التى كانت قد تشكلت منذ عام ١٨٢٧ و هي ” جمعية الصداقة لعمال المكائن البخارية و صناع المكائن و مُركِّبي الطواحين ” ، كان ويليم نيوتن و ويليم آلان من ابرز اعضاء هذا الاتحاد . ويليم آلان الذي كان مالكاً لمحل صغير داخل محطة للسكك الحديد في بلدة كريو ، كان اول سكرتير للجمعية الموحدة و أورثها تقاليد الادارة المتحفظة و البخل الشديد في التصرف بايراداتها .
هذا الاتحاد النقابي الجديد كان انقطاعاً حاسماً عن الإتحادات التي كانت سابقاً ” مدارس للحرب ” كما وصفها فريدريك إنجلز ، فالأسلوب القتالي القديم استُبدِل بسياسة التعاون مع صاحب العمل ، و توقفت الاتحادات عن ان تطلب للعامل من حقوق سوى ( حصة قانونية عادلة من الأرباح التي ينتجها بكدحه ) ، و اصبح الحديث عن الإضراب أمراً غير مرغوباً فيه . كانت الموارد المالية التي تراكمت من التبرعات الكثيرة تُستثمَر لتمويل نشاطات واسعة ، كانت اتحادات النقابات الكبرى تعمل أساساً كجمعيات مهنية وديّة . تُبيَّن الأرقام الصادرة عن جمعية ” أي . اس. ئي “، ان المبالغ التي صُرفت من ميزانية الاتحاد بين عامي ١٨٥١ و ١٨٨٩ لمختلف المناسبات الوديّة الاجتماعية كحالات ( المرض ، المأتم ، تعطيل عن العمل ، التقاعد ..الخ) كانت ٢,٩٨٧,٩٩٣ باوند ، و ما صُرفت للإضرابات كانت ٨٦,٦٦١ باوند فقط . ( ص. ١٢٦-١٢٧ من كتاب النقابات القديمة و الجديدة لجورج هويل ).
رافق هذا الوضع طبيعياً تغير التركيبة العشوائية للاتحادات المحاربة القديمة التي كانت تتمتع باستقلالية واسعة و حل محلها تركيبة مركزية دقيقة و مُحكمة لمنظمة تجارية . وقعت السلطة النهائية بيد هيئة تنفيذية عمومية و تدريجياً وُضِعَت السلطة الحقيقية في يد موظفين دائميين . ثم تطلّب ” الموديل الجديد ” تعيين موظفين للإدارة المركزية الرئيسية للعمل في إدارة الاتحاد بمعزل عن أعضاء الاتحاد نفسه . مسألة بناء الإدارات المركزية كانت تتمتع بالأولوية لدى النقابات في هذه المرحلة . لكن هذا لا يعني بأن هذه الحقبة قد خلت من الإضرابات ، بل بالعكس تماماً.

وجدت اصحاب العمل من خلال تنفيذ سياسة ( لوك آوت – إيقاف العمل ) عند وقوع الإضراب حلاً مناسباً لمعضلة الفائض في الانتاج . بالمقابل عمل اتحاد ال” أي . اس. ئي ” ، بعد عام من نشوءه، على محاربة العمل الاضافي و العمل بالقطعة و شارك في ( لوك آوت – ايقاف العمل ) للمهندسين في لندن و لانكشير ، الذي انتهى بلجوء اصحاب العمل الى اعادة احياء ” الوثيقة ” البغيضة شالتي بموجبها يُمنعون من الانتماء الى النقابات ، وقع المهندسون على الوثيقة بالاكراه دون ان يقاطعوا النقابة عملياً .
كانت القضية الاساسية لنزاعات هذه الفترة هي تقصير يوم العمل من عَشرة الى تسع ساعات . وقد نشأت حركة يوم العمل من تسع ساعات في مجال البناء منذ سنوات عديدة و وصلت ذروتها في الإضراب الطويل و ( لوك آوت – ايقاف العمل ) الذي وقع في لندن عام ١٨٥٩-١٨٦٠، عندما فشل اصحاب العمل في تطبيق “الوثيقة ” و فُرَض يوم العمل من تسع ساعات . كانت الاتحادات الاخرى خارج نقابة البناء تتابع خطوات هذا النزاع و كان تضامنهم مهماً في حسمه لصالح المهندسين ، مشاركة اتحاد “أي . اس. ئي ” بتنظيم مدفوعات أسبوعية قدرها الف باوند لمدة ثلاثة أسابيع لدعم الإضراب كانت بالغة الأهمية . و في الوقت نفسه كان الإضراب مهماً لإتمام عملية اندماج المهندسين في مؤسسة الجمعية الموحدة للنجارين ، التي تأسست تماماً كنموذج ” أي . اس. ئي ” . كان “روبرت ابلگارث” سكرتيراً لها و كانت الثانية في بريطانيا من حيث عدد الأعضاء و الموارد المالية بعد جمعية المهندسين .
لم تتوقف حركة التسع ساعات هنا ايضاً ، بل شرع مهندسوا الساحل الشمالي الشرقي بإضراب دام خمسة أشهر في عام ١٨٧١ ، رغم لامبالاة و عدم تعاون المدير العام للاتحاد ، انتهى ليس فقط بنجاح المهندسين في فرض يوم العمل من تسع ساعات ، بل أعطت الحركة قوة دفع لأماكن عمل اخرى . جدير بالذكر انه قبل بدأ الإضراب كان مستوى التنظيم في الشمال الشرقي منخفضاً جداً و ما ضَمِن تحقيق النصر كان اتحاد مختلف الاتحادات و المهن ، النقابيون و غير النقابيون على حد سواء و التفافهم حول هيئة خاصة تعمل تحديداً من اجل إنجاح هذه الخطوة . كان اسم الهيئة ” عصبة التسع ساعات ” يقودها ” جون بورنيت ” الذي كان مناضلاً محلياً في ” أي . اس. ئي ” و اصبح السكرتير العام للاتحاد عام ١٨٧٤ .
اصبح تقليل ساعات العمل مطلباً لعمال مصانع القطن و عمال المناجم ايضاً . بدأت جمعيات القطن في لانكشير في الخمسينيات بتشكيل اتحاداتهم المهنية المندمجة ، او اتحادات للحرف اليدوية المحلية ( الغزل و النسيج ..الخ) . عندما طغت طريقة دفع الاجور لعمال القطن مقابل العمل بالقطعة و نتيجة التعقيد الكبير الذي رافقها في تطبيقها و ضرورة شرحها و حسابها، ظهر عدد كبير من مسؤولي ( موظفي ) النقابات . كانت هذه الشريحة يتم تعيينها بعد نجاحها في امتحان تنافسي لمعرفة كفاءاتها الحسابية و التقنية ، كذلك قدرتها على خدمة اصحاب العمل و العمال ( اعضائهم ) على حد سواء. تطورت في السبعينيات من القرن التاسع عشر حركة قوية من اجل يوم عمل من تسع ساعات ، و حقّقت ال ٥٦,٥ ساعة عمل أسبوعياً كَحَل وسط .
اما بالنسبة لحقول الفحم ، حيث تلاشت مؤسسة عمال المناجم القوية منذ بدايات الخمسينيات ، بدأ تنظيم جديد بالتشكّل في عام ١٨٦٣، و كان ( الاتحاد العام لعمال المناجم ) . قاد هذا الاتحاد أليكساندر ماكدونالد الذي كان عامل منجم سابق من إسكتلندا و تحول فيما بعد الى صاحب عمل ناجح ، انتُخِبا في ١٨٧٤ مع ” توماس بورت ” ليصبحا أول عاملَين ليبراليين كأعضاء في البرلمان . قام عمال المناجم بسلسلة من الإضرابات و (اللوك آوت – إيقاف العمل ) خلال السنوات الستين حيث واجهها اصحاب المناجم بالعنف في يوركشير و في ويلز الشمالية ، قُتِل اربعة و جُرح ست و عشرون من العمال عندما فتح الجيش النيران على المتظاهرين من عمال المناجم في عام ١٨٦٩.
كمنافس للاتحاد العام ، تشكلت “المؤسسة الموحدة لعمال المناجم ” في لانكشير و توسعت لتغطي ويلز الجنوبية و ميدلاندس ، تم تنظيم مائتي الف عامل منجم في هاتين المنطقتين معاً . رفعت المؤسسة مطلب يوم عمل من ثمان ساعات ( للعاملين في باطن الارض ) . نجح عمال احد المناجم في منطقة فايف بإسكتلندا بالنضال المستمر و العنيد ،في تحقيق هذا المطلب لهم فقط .
رغم ان النقابات الكبرى المندمجة تجنبت الاستقلالية السياسية و بحثت عن التعاون مع اصحاب العمل ، مع ذلك خاضت معارك مهمة مع الطبقة الحاكمة و الدولة بشأن قضايا ديمقراطية عامة . أولها الصراع من اجل حرية التنظيم ، من اجل المكانة القانونية الحرة للنقابات و التي لم يُضمنها قانون عام ١٨٢٤-١٨٢٥. لم تكن النقابات تتمتع بعد بالحماية القانونية لمواردها المالية ، كان العامل المُظرِب يُسجَن بتهمة ” التجسس” و ” التهديد ” ، قانون السيد و الخادم كان يُطبَّق بصرامة . ( وفق هذا القانون تُعتبر مخالفة عقد العمل من قبل العامل جريمة عقوبتها السجن لمدة قد تصل الى ثلاثة أشهر، اما بالنسبة لصاحب العمل كانت تُحسَب كمخالفة مدنية عقوبتها غرامة مالية صغيرة). حدث وان قامت النوادي الحرفية لصناعة السكاكين في شيفيلد بأعمال شغب عام ١٨٦٧ و اُستُخدم هذا الحدث من قبل الحكومة كذريعة للحَد من قوة النقابات ، ذلك عن طريق اللجوء الى ما يسمى (الهيئة المَلَكيّة ، و هي هيئة تُشكلها الحكومة للتدخل في قضايا عامة و تتمتع بسلطة واسعة) ، و كان متوقعاً ان تُصدر قوانين متتالية ضد النقابات . لذا سارع كل من ويليم آلان و روبرت اپلگارث و أصدقاءهما بعقد مؤتمر الاتحادات المندمجة و شكلوا لجنة لتعمل للتأثير على الهيئة الملكية .
هنا ظهرت أهمية خوض المعركة الثانية من اجل ان يكون حق الانتخاب في حلقة اوسع . ان تشريع قانون الاصلاح لعام ١٨٦٧ الذي منح حق التصويت للعمال في المدن ، كان نتاجاً للتحريض الواسع
الذي قامت به ” عصبة الاصلاح ” ، الهيكل الذي تشكّل من وحي الاممية الاولى و كان تأثير و نفوذ ماركس نفسه و بصورة مباشرة ، كبيراً فيها . جدير بالذكر ان النقابيون كانوا جنود الجبهة الأمامية للعصبة. ما حصل في معركة هايدپارك المشهورة في عام ١٨٦٦عندما قامت تظاهرة مائتا الف شخص بتحطيم أسوار الحديقة و قام الحراس بالتصدي لهم و مواجهتهم ، عندما كانت لافتات النقابات تتقدم في التظاهرات العديدة ، وعندما رفع النجارون شعار : تعامٓل معنا هنا، لقد خدَعتنا بما فيه الكفاية ، أمثلة تثبت صحة هذا القول .
القبول ببعض التنازلات مقابل منح النقابيين حق الانتخاب كان شيئاً طبيعياً ، رغم ذلك بعد صدور قانون النقابات في عام ١٨٧١الذي حصل بعد مقاومة جميع الاعاقات الوزارية ، اصبحت المكانة القانونية للنقابات أقوى . علماً بأنه استمر التعامل بالقوانين القديمة و بقسوة مع المشاكل العادية التي كانت تحدث هنا و هناك اثناء الإضرابات لفترة من الزمن . مرّت خمس سنوات إضافية من النضال المستمر الى جانب التدخل الحازم للنقابات في التصويت ضد الحكومة في الانتخابات العامة لعام ١٨٧٤ قبل ان تُفرَض إجراء التعديلات على القانون عام ١٨٧٦.
اما المعركة الثالثة فكانت في الساحة الاممية ، كان للتضامن مع الحركات الديمقراطية في الخارج ضد تدخل بريطانيا الرجعي او عدم التدخل إطلاقاً . أعلنت النقابات البريطانية من خلال تنظيم تجمعات شاملة و مثيرة للإعجاب عن دعمها للشمال في الحرب الأهلية في أمريكا و ذلك على الرغم من عدم مشاركة منطقة لانكشير نتيجة حصول أزمة / كساد القطن و فرض الحصار عليها من الشمال . كما حظت النضالات الشعبية في بولونيا و إيطاليا بالدعم الكامل للنقابات ؛ أُستُقبل گاريبالدي بترحيب شعبي هائل عندما زار لندن ، وعدد كبير من النقابيين لعبوا دوراً بارزاً داخل العصبة لدعم إستقلالية بولونيا . انطلاقاً من هذه الأركان ، بدأت المشاركة الفعّالة في الجمعية الاممية للعمال ( التأريخية ) التي تأسست في لندن تحت القيادة المباشرة و الفعلية لماركس . انظمّت العديد من النقابات و فروعها الى الاممية ، و قادة نقابيون من أمثال “اپلگارث” ، كان لفترة من الزمن عضواً في مجلسها العمومي ، حين كان “جورج اودگار ” اول رئيس لها. أيد مؤتمر النقابات في اجتماعه الثاني في برمنگهام عام ١٨٦٩ ، الاممية بحماسة . كما و لعبت الاممية دوراً عملياً كبيراً في منع استيراد السيقان السود ، (الاسم الذي كان يُطلَق على كاسري الإضرابات ) من قبل الدولة لقمع إضراب المهندسين من اجل يوم العمل من تسع ساعات (الذي ذُكر آنفاً ) .
نشأ من هذه النضالات المتنوعة الشكل الاول للتجمع الثابت او الدائم للنقابات ، بداية على الصعيد المحلى ثم على صعيد بريطانيا ككل . شهدت الستينيات من القرن التاسع عشر تأسيس و اندماج مجالس النقابات في المدن الرئيسية ، كان مجلس نقابات لندن نتاجاً لنزاعات عامي ١٨٥٩-١٨٦٠. كانت القيادات الموحدة في لندن بالتحديد قوية و مجلس النقابات اصبح مسرحاً لعداء مُر مع ” جورج پوتر ” ، القائد النقابي المحلي القديم ، العنيف و الفوضوي ، الذي أطلقوا عليه لقب ” سمسار الإضرابات “. پوتر ، ” الديماغوجي ” الحقيقي ، كان يلعب دوراً مهماً لقيامه بإنشاء و تحرير نشرة ” – خلية نحل – the beehive ” ، التي كانت الجريدة الأسبوعية الرئيسية للحركة النقابية ، كذلك جريدة الاممية الاولى لفترة من الزمن .
للبحث عن حل مشكلة الوضع القانوني للنقابات و تهديدات ال ” الهيئة المَلَكيّة ” ، قام مجلس النقابات لمنطقة مانجستر و سالفورد في عام ١٨٦٨ بعقد مؤتمر عمومي لاتحادات و مجالس النقابات ؛ و كان هذا اول مؤتمر منتظم للنقابات في بريطانيا ، تشكلت فيه لجنة برلمانية لتقود الخطوات النهائية في الحرب لمنح النقابات الصفة القانونية . جدير بالذكر بأن مجالس النقابات لمنطقة شيفيلد و گلاسگو و من لندن جورج پوتر ، قاموا بمحاولة مماثلة اي بعقد مؤتمر عمومي لنفس الغرض أواسط الستينيات .
مع ان الحركة النقابية و بمرور السنوات حققت إنجازات فعلية ، لكن الأفاق الضيّقة المرسومة للنموذج الجديد ( الموديل الجديد ) ، حملت و بوضوح في أحشاءها بوادر ضعفٍ خطيرة . بدأت هذه بالظهور رغم ان بدايات السبعينيات شهد الازدهار و ارتفع عدد أعضاء ال ” تي.يو.سي” من ٣٧٥ الف عضو الى مليون و مائتي الف عضو حتى شمِل غير الحرفيين و عمال الزراعة بكثرة . ان التنظيم الرائع الذي كان يقوده العامل الزراعي ” جوزيف آرچ ” من ووريكشير ، و كان عدد أعضاءه اكثر من مائة الف و حارب ” سكوير & پارسن ” ببسالة ، لم يتمكن من الصمود بوجه الأزمة الزراعية القاسية التي ظهرت بعد فترة وجيزة من نشأته . ولم يكن بالإمكان الاحتفاظ بالحرفيين داخل النقابات في هذه الايام العصيبة . يقول ويب في (تأريخ الحركة النقابية في بريطانيا) : استغنت الادارة المركزية للاتحادات عن المبادىء الاساسية لسياسة النقابات ، و غابت المبادرة عن الحركة النقابية و توقفت الادارة عن الإصرار على تقييم اداء النشاطات النقابية لفروعها – ص ٣١٩.
ما أنتجه تركيز الاتحادات المندمجة على المصلحة الخاصة من ضيق و محدودية ، تسبّب في احداث شق في وحدة الحركة النقابية . انفصل عمال صناعة القوالب عن نقابة ” أي . اس. ئي” عام ١٨٧٢، و من نقابات المعادن انفصلت اتحادات مهنية عديدة . كثُرت النزاعات و انتشرت اُساليب التهذيب و اضعاف الآخر و ترسيم الحدود بين النقابات . ما اصاب الحركة النقابية من تفتت في أواسط السبعينيات أثقل كاهل العمال و اصبح الإضراب ضعيفاً قابلاً للكسر بسهولة والقيام به صعباً . كما حصل عند إضراب عمال المناجم في ويلز الجنوبية عام ١٨٧٥ حيث فُرض عليهم القبول بإجور منخفضة ، كذلك عند إضراب عمال البناء عام ١٨٧٧، و إضراب نجاري السفن في كلايد و عمال جمعيات صناعة القطن في لانكشير عام ١٨٧٨. كان هذا الاخير ضد معالجة اصحاب العمل لمشكلة فائض الانتاج بخفض اجور العمال في حين كانت الجمعية تُطالب بتخفيض ساعات العمل لتقليل الفائض . لم يأتي هذا الإضراب باية نتيجة لصالح العمال رغم اتجاهه نحو استخدام العنف احياناً كحرق بيت المدير .

كتب فريدريك أنجلز في هذه الأثناء بالذات : ” ان الحركة العمالية البريطانية تعمل اليوم و منذ زمن في الحلقة الضيقة للإضرابات ” والتي ” لا تتمكن من قيادة الحركة خطوة اخرى الى الامام ” ، ذلك لانها ” لا تُنظَر اليها كوسيلة و لا كأداة للدعاية بل كهدف نهائي ” . ” ان عزل النشاط السياسي من قِبل النقابات كان يعني عدم الاعتراف بوجود حركة عامة للطبقة العاملة على صعيد اوروبا” ( رسالة الى ادوارد برنشتاين ١٧/حزيران/١٨٧٨) .
ان ركود عامي ١٨٧٨-١٨٧٩، الذي كان اسوء ما عرفته الصناعة البريطانية كان مؤشراً بأن عصر الرفاه و الاحتكار الصناعي البريطاني قد انتهى و جلب معه أزمات للحركة النقابية و التي أعطت حروف إنجلز معنىً جديداً .

نهاية الفصل الثاني

عن Albadeel Alsheoi

تعليق واحد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*