(محاضرة القيت في منتدى الاثنين المعرفي بتاريخ 28- 2- 2022)
احمد مرزوك
اذا اردنا تناول الابداع الادبي والفني وفق التصور المادي، فعلينا ان نعرج باختصار على القضية الرئيسية التي تحدد وعي الناس وهي الواقع المتمثل بالبنية الاقتصادية للمجتمع وما يولده ويوازيه من بنى سياسية ودينية واجتماعية وادبية وفنية، كما وعلينا، ان اردنا فهم التصور المادي للفن والادب، ان نفهم نقيض هذا التصور والفهم وهو التصور المثالي.
يرى التصور المثالي بمدارسه الفلسفية والايدولوجية المختلفة، ان ما يحدد واقع أي مجتمع في اية مرحلة تاريخية، هو شكل الوعي في تلك المرحلة، أي ان الوعي هو ما يحدد الواقع، ولا يزال هذا التصور سائدا في اوساط الفلاسفة المثاليين. لقد جاء كارل ماركس وفردريك انجلز، وانبثق على اثر اعمالهم تصور اخر يناقض التصور المثالي، إذ يرى ماركس انه ( ليس وعي البشر هو الذي يحدد وجودهم، بل على العكس يتحدد وعيهم بوجودهم الاجتماعي)، أي ان وضع الناس الاجتماعي المبني على طبيعة علاقاتهم وما ينتجونه داخل نمط انتاج معين، بالإضافة الى الصراع القائم فيما بين من يملك ومن لا يملك، هو الذي يحدد طبيعة هذا الوعي.
كما ان التصور المثالي يرى وجود قيم ومعايير واليات ثابتة ومطلقة وغير تاريخية للأدب والفن؛ إذ يركز هذا الاتجاه على ذات الفنان بعيدا عن المجتمع الذي يعيش فيه، سواء ما يتعلق بالمضمون او بشكل العمل، فيما يرى الاتجاه المادي ان القيم والمعايير والنتاجات الادبية والفنية هي تعبير عن واقع اجتماعي في مرحلة تاريخية معينية، فمهما كان العمل انعكاس لذات الفنان او الاديب فهو في الحقيقة تعبير عما هو سائد من اوضاع داخل المجتمع وان كان ذلك بشكل غير واع.
لو اخذنا الفنون البشرية الاولى، فأنها تعود الى ازمان بعيدة، وقد دلت الاكتشافات الى ان انسان ما قبل التاريخ قد عبر عن واقعه وعن حياته اليومية بأشكال فنية كما هو الحال مع الرسومات التي وجدت داخل الكهوف مثل كهف التاميرا في اسبانيا وكهوف اخرى في فرنسا مثل كهف الاخوات الثلاث، هذه الرسومات تصور اناسا يصطادون الحيوانات ويجسدون عمليات مطاردتها، كما ان بعض هذه الرسوم تصور الانسان وهو يصارع الحيوانات المفترسة، وذلك يعكس رغبة الانسان البدائي في السيطرة على الطبيعة عبر طقوس سحرية عن طريق هذه الرسوم وهي في الغالب نوع من الطقس السحري الذي يمكّن انسان ذلك الزمان من التغلب على طريدته بحسب ما كان يعتقد.
ولو انتقلنا الى آداب وفنون بلاد ما بين النهرين، فسنجد ان التعبيرات الادبية والفنية هي نتاج لطبيعة تلك المرحلة، وان الفن المعبر عنه في القصص والملاحم والاشكال واللقى الفنية الاثارية، انما يعبر بالدرجة الاولى عن هواجس الانسان في العراق بتلك المرحلة، وتصوراته لعلاقته مع الطبيعة ومع الاخرين ومع الالهة، ويعبر ايضا عن وضع السلطة السياسية والدينية والقبلية في ذلك التاريخ، وبما ان السلطة الدينية كانت الركيزة التي يستمد منها الحاكم في سومر او بابل او اشور شرعيته، فغالبا ما كانت الاعمال الشعرية والقصصية تعبيرا عن عظمة الآلهة والتوسل اليها. كذلك فأن صراع الانسان في تلك المرحلة التاريخية مع الطبيعة وما تحمله من امراض واوبئة وامراض قد تجسدت في الملاحم والاشعار والمنحوتات.
لقد كانت الاعمال الفنية والادبية مثل المنحوتات والقصص والامثال تنقل صورا عن الزراعة والحصاد والصيد والحروب، كما ان النصوص الرئيسية في الاساطير والملاحم تحاول توفير الشعور بالأمن، وتفسير المخاطر التي يواجها الناس آنذاك مثل الفيضانات والجفاف والامراض. وتركز ملحمة كلكامش، على سبيل المثال، في جزء منها على موضوع الطوفان، وهو ما يعكس اهمية هذه الظاهرة ( الفيضان) على سكان بلاد الرافدين، اذ لم تكن لدى سكان هذه المنطقة القدرة على السيطرة على فيضانات دجلة والفرات. وكذلك الامر مع شعوب ومناطق اخرى كانت تعاني من هذا الامر، ما جعل من قضية الطوفان سائدة في آداب وفنون تلك المرحلة. بمعنى ان تأثير الكوارث الطبيعية على انسان تلك الحقبة التاريخية، ومحاولاته استرضاء الآله كانت سائدة في الاعمال الادبية والفنية لذلك العصر.
وما ينطبق على الحضارة في بلاد الرافدين، ينطبق ايضا على الحضارات المصرية واليونانية والرومانية، وكذلك حضارات الشرق الهندية والصينة وغيرها من الحضارات القديمة، وبحسب التطور الذي وصلت اليه كل حضارة من هذه الحضارات، فالآداب والفنون كانت تصور طبيعة الحياة في المجتمعات في تلك المراحل التاريخية وما يسود داخل هذه المجتمعات من انتاج وصراعات وتحولات وافكار.
يمكن القول ان التفسيرات المثالية للإنتاج الفني والادبي تعزل هذا الانتاج عن ظروفه المادية، وتفسره بعيدا عن محيطه والصراعات الدائرة داخل المجتمع. فيما يرى التصور المادي ان الأدب والفن وجميع المنتجات البشرية الاخرى، هي انعكاس لمرحلة تاريخية معينة داخل مجتمع معين، وتأثير السلطة داخل هذا المجتمع.
يتغير شكل ومضمون الفن والادب بتغير البنية الاقتصادية والمؤسسات الاجتماعية والعلاقات بين الناس، فالفن والادب ابعد المنتجات الإنسانية عن الثبات والجمود. ان الادب والفن ووظيفتهما في مجتمع طبقي محتدم فيه الصراع، يختلف كثيرا عن شكله في مجتمع بدائي لم يصل بعد للتمايز الطبقي، كما هو الحال في مجتمعات ما قبل الزراعة. إن كل فن هو ابن عصره ونتاج تفاعله مع ظروف ومتغيرات عديدة.
دائما ما يأخذ المثاليون على الماديين بانهم يحاولون تفسير كل شيء تفسيرا اقتصاديا، وهذا رأي يتصف بالسطحية الى حد كبير، إذ ان التصور المادي، لا يربط بطريقة ميكانيكية بين الاقتصاد والفن، انما يرى ان هنالك عملية معقدة من التفاعلات تحدث داخل مجتمع معين يكون الاساس والمحرك لها قائما على ارضية الصراع بين الطبقة المسيطرة والاخرى المسيطر عليها، وان البنى التحتية من ادوات ووسائل انتاج ورأسمال هي التي تحدد وتتحكم بطبيعة البنى الفوقية من عادات واخلاق وفنون وما الى ذلك. وعلى هذا الاساس فأن الشعر والنحت والرواية والقصة والموسيقى وغيرها من الفنون والآداب الاخرى، انما يتحدد شكلها وفق نمط الانتاج الذي يعيشه مجتمع معين، وبحسب المرحلة التاريخية التي قطعها هذا النمط من الانتاج، وكذلك الى مدى تطور الصراع داخل هذا النمط.
ويمكن اختصار ابرز القوى المؤثرة على الانتاج الادبي والفني في عصر من العصور بالواقع الاقتصادي وما ينتج عنه من صراع طبقي، والذي ينعكس بدوره على مصالح السلطات السياسية والدينية والعائلية، ومختلف السلطات الاجتماعية الاخرى، والتي دائما ما تحاول احتكار او التأثير على مختلف اشكال النتاج الادبي والفني، وحتى ان لم يكن التأثير بشكل مباشر فأنه يأتي بصورة غير مباشرة، عن طريق تبني فن السلطة وآدابها وثقافتها بطرق مختلفة ولأسباب واعية او قد تكون غير واعية. ودائما ما تؤدي التحولات الاقتصادية – الاجتماعية الى تحولات في شكل ومضمون الادب والفن، إذ يتبلور من خلال هذه التحولات فن وادب جديد، خصوصا عند احتدام الصراع في الازمنة الانتقالية، فالأدب والفن ابان انتقال المجتمعات من مرحلة العبودية الى الاقطاعية على سبيل المثال، والتي تطول او تقصر بحسب ظروف كل مجتمع ودولة، يرافقها ويسير معها جنبا الى جنب تحول وتطور في الآداب والفنون، بما يمهد لهذا الانتقال ويعبر عنه بأشكال فنية او قصصية او ملحمية مختلفة. وكذلك الامر بالنسبة للتحول من نمط الانتاج الاقطاعي الى نمط الانتاج الرأسمالي.
اذا اخذنا مسرحيات شكسبير على سبيل المثال، فإنها كانت في احدى اوجهها، تعبيرا عن بدايات ظهور الرأسمالية التجارية وتشكيل الدول بالمعنى الحديث، وهي دول ذات نزعة مركزية قومية، رافقتها تحولات اجتماعية عميقة، اهمها تضاؤل دور الاقطاع في غرب أوربا، وما حصل في عصر النهضة من تغيرات وتقدم في الصناعة، والسعي نحو التحول باتجاه نهاية العصر الاقطاعي، كما ان هذه المسرحيات تعبير عن التعقيد الذي رافق الحياة الاجتماعية في تلك المرحلة، فقد شهد هذا العصر التوجه نحو الفردية، ففي اغلب مسرحيات شكسبير نشاهد هذه الصراعات الفردية التي يعانيها هاملت او مكبث او عطيل او لير او غيرهم من ابطال مسرحيات وليم شكسبير. فسيادة النزعة الفردية العلمانية وتحول الانسان الى صانع للحدث ومركزا له، وذلك بعد ان كانت الكنيسة هي المهيمنة على الحياة اليومية وعلى فكر الافراد. وهي على العكس من المسرحيات التي كانت سائدة في العصور الوسطى في أوربا، والتي تميزت بروح فردية اضعف. كما كانت شخصيات المسرحيات والقصص ما قبل شكسبير، ذات طابع واحد منذ البداية وحتى النهاية، فهي اما شخصيات خيرة او شريرة بالمطلق، فمسرحيات شكسبير تعبر عن مرحلة جديدة من الواقع الموضوعي الذي يسوده التعقيد بشكل اكبر من العصور التي سبقته كتعبير عن انبثاق نمط انتاج جديد مع كل ما يحمله من تحولات وتغييرات.
هاملت احدى اشهر مسرحيات وليم شكسبير
كذلك يمكن اخذ ثيربانتس كنموذج اخر عن التحول من عصر الى عصر اخر، فالدونكشوت هذه الرواية العظيمة تعبر بشكل واضح وجلي عن نهاية عصر الفروسية والنبلاء، وما ساد فيها من تمجيد للأعراف والتقاليد الاقطاعية، والاتجاه نحو الحياة الجديدة التي استطاع ثيربانتس ان يجسدها بطريقة مذهلة، فقد عبر بطل الرواية عن عدم جدوى وموت افكار الفروسية، مع بداية انحلال نمط الانتاج الاقطاعي الذي كان سائدا في اوربا.
يتمثل ظهور الرواية في القرن السابع عشر والثامن عشر احد اهم التحولات الاجتماعية وظهور الطبقة البرجوازية، فأبطال الروايات في اغلب الاحيان ينتمون الى الطبقة الوسطى البرجوازية الصاعدة، او من عامة الناس، بدلا من الشخصيات الاقطاعية والنبلاء والامراء والتي كانت سائدة في الاعمال السابقة.
يعبر عصر الانوار الذي شهدته أوربا قبيل الثورة الفرنسية عن التحول من عصر الاقطاع الى عصر بزوغ البرجوازية، فعلى مدار اكثر من مئة عام عرفنا الكثير من الادباء والفنانين والمفكرين والفلاسفة امثال مولير وفولتير وجان جاك روسو وهلفسيوس وديدرو وغيرهم الكثيرين، الذين عكست اعمالهم هذا التحول، وتؤكد الفلسفة المادية ان هذه التحولات في الفكر والفلسفة والادب والفن والايديولوجيا، هي نتيجة للتحولات الاقتصادية والسياسية وليست سببا لها. بينما تؤكد المثالية ان أعمال هؤلاء الادباء والفنانين والفلاسفة، هي التي احدثت الثورة الفرنسية بالدرجة الاولى!
تربط المادية تطور وسائل الانتاج وبزوغ طبقة جديدة من الصناعيين والتجار مع التطورات العلمية والاختراعات التي غيرت طبيعة الحياة، ما ادى الى توسع المدن، اضافة الى الاستكشافات الجغرافية وما ترتب عليها من اوضاع جديدة وجميع هذه العوامل الموضوعية هي التي اسهمت في بروز نوع جديد من الادب والفن وليس العكس.
ويمكنا ان نتناول كل من بلزاك الفرنسي والروسي تولستوي، اللذان عبرا بشكل واضح عن بزوغ عصر جديد ، وهو عصر الرأسمال بكل التناقضات التي يحملها، فهذين الروائيين استطاعا ان يصورا استغلال واستعباد الانسان، وكيف يمكن للمال ان يلعب دورا في احداث الصراعات بين البشر، وما هو مدى الاغتراب الذي يخلفه هذا النمط الجديد من الانتاج، وكيف يدفع الجشع المالكين والتجار والدول من اجل تحقيق الارباح حتى لو تطلب الامر خوض الحروب، ورغم ان توجهات هذين الروائيين السياسية والايدلوجية كانت مع الرأسمالية، الا انهما صورا الواقع الفرنسي والروسي وما يسوده من صراعات في تلك الفترة بطريقة مذهلة. ورغم ثورية اعمال كل من بلزاك وتولستوي، فقد كانت حلولهما للواقع حلولا اخلاقية على الغالب.
وما ينطبق على الرواية والمسرحية ينطبق مرة اخرى على الموسيقى، فهذا الفن عبر تطوره الطويل الذي ترافق مع حياة الانسان منذ بداياته، قد عبر عن تطلعات الانسان، وكان احدى الادوات التي تم توظيفها في الطقوس السحرية والدينية عبر عصور وانماط انتاج مختلفة، إذ دائما ما ترافقت الموسيقى والغناء والاناشيد مع الطقوس في المعابد والكنائس والطقوس الجماعية التي تؤديها الجماعات اعتقادا منها انها تقربهم من الالهة او تسهل ايصال رسائلهم الى السماء، وبذلك فهي لا تنفصل عن واقعهم الاجتماعي وفهمهم للعالم خلال العصور المختلفة، وكما لعبت الموسيقى دورها في عصور سابقة فهي تعبر في عصرنا الحالي عن واقع المجتمعات وتطلعاتها وصراعاتها والتحولات التي تجري داخل نمط الانتاج الرأسمالي.
ان اعتبار وضع اقتصادي وسياسي معين منذ بدايات سيطرته وحتى انهيار هذه السيطرة وزوالها، باعتباره منتج لنمط او مدرسة فنية او ادبية واحدة، هو ضرب من السذاجة، فبداخل هذا النمط او ذاك تحولات وتغيرات تسير بالتوازي مع التغيرات والتحولات وشكل الصراع الطبقي وشدته او هدوءه. لذلك نجد ان انماط ومدارس فنية داخل نمط الانتاج الرأسمالي على سبيل المثال، تعبر عن ازمات هذا النظام وتحولاته، فمن مدارس الفن للفن الى المدرسة السريالية الى المدرسة النفسية الى غيرها من الانماط والمدارس، انما هي تمظهرات ترافقت مع التحولات والحروب التي حصلت مع الحربين العالميتين الاولى والثانية. وقد ساد الفن والادب العبثي في تلك المرحلة على سبيل المثال، فبعد عمليات تخريب المدن وقتل الانسان بشكل واسع وبشع من اجل خدمة الاهداف السياسية والاقتصادية، ظهرت هذه المدارس التي تعبر عن يأس الانسان، وتشكك بقدرته على التغيير، فمع كل هذا البؤس والخراب عبر الكثير من الادباء والفنانين بطرق يائسة وعبثية عن الواقع. على العكس من الادب الواقعي الثوري الذي يحرض على التغيير والخلاص.
لو نظرنا الى انبثاق السريالية كمدرسة فنية وادبية انطلقت في باريس بداية القرن العشرين، سنجدها هي الاخرى تعبير عن التأثر بمجموعة من المتغيرات التي ساهمت بتأسيسها، اولها سيادة مدرسة التحليل النفسي في أوربا باعتبارها فلسفة وطريقة علاجية تعتمد على تفسير الاحلام واللاوعي والصراعات الجنسية المكبوتة، وهذه القوى التدميرية الداخلية تدفع الانسان نحو التدمير والحرب والموت ( غريزة العدوان والموت) إذ سيطرت هذه التصورات على علم النفس والكثير من العلوم الانسانية وحتى مدارس فلسفية محسوبة على المادية مثال مدرسة فرانكفورت، بالإضافة الى ما شهدته أوربا من حرب مدمرة راح ضحيتها الملايين، ما جعل من التفكير المنطقي الواعي عاجزا، بل حتى العلم والفن قد اصبح عاجزا وذهب باتجاه اللاعقلانية واليأس.
الاساس المادي للإبداع في الادب والفن
هنالك العديد من التفسيرات النفسية الاجتماعية التي تناولت موضوعات الابداع في العلم والفن والادب، وكما هو الحال مع التصورات حول الوعي بكل اشكاله، فأن هنالك تصورين حول اصل الابداع في الفن والادب، الاول مثالي ينظر اليه على انه حالة مرضية باثولوجيه او حالة من الالهام وغيرها من التصورات التي تعزل منتج العمل عن محيطه وظروفه المادية والتاريخية. اما الاخر فهو التصور المادي الذي يربط الابداع بالظروف الاجتماعية والاقتصادية في مرحلة تاريخية معينة، وما تتوفر للأديب او الفنان من فرص وظروف تدفعه للإبداع والابتكار. وسنبدأ بالتصور المثالي الذي تمثله العديد من وجهات النظر النفسية وابرز وجهات النظر التي لاقت رواجا في الاوساط العلمية والاكاديمية وحتى على المستوى الشعبي هي:
اولا: النظريات التي تربط الابداع مع الجنون والمرض النفسي، والرائد في هذا التوجه الباحث الايطالي لمبروزو وكذلك طبيب الامراض العقلية الفرنسي كريستجمر، وملخص ما يؤكده لمبروزو في كتابه (صاحب العبقرية) هو التلازم بين الجنون او المرض النفسي وبين العبقرية، والعبقرية بحسب لمبروزو هي الجنون والجنون هو العبقرية، وهو يرى ان فقدان التوازن من الناحية التشريحية داخل دماغ المبدع، هو ما يؤدي اما الى تضخم في الدماغ او الى ضمور بعض الاجزاء وان هذا اللاتوازن لدى العبقري هو ما يخلق الابداع. اما كريستجمر فيرى العبقرية او الابداع على انها انحراف باثولوجي عصبي وراثي تتصف به اسر معينة، فقد درس عائلات بتهوفن وكوتيه وباخ ومايكل انجلو، وهو يرى ان عائلات هؤلاء المبدعين تميزت بوجود انحرافات وامراض عقلية، وهذا التصور كذبته البحوث والدراسات العلمية، لكنه لا يزال رأي منتشر في اوساط بعض المثقفين والاكاديميين.
ثانيا: اما فرويد فقد درس بالدرجة الاولى الابداع لدى بعض الفنانين والادباء وعلى رأسهم ليوناردو دافنشي وديستوفيسكي، وتفسيره لإبداع هذين المبدعين، جاء من نظريته العامة في التحليل النفسي، التي ترى في الادب والفن حالة ناتجة عما يسميها فرويد بميكانيزمات الدفاع؛ إذ يبرز لدى المبدعين ميكازنم التسامي، وهو الية يلجأ اليها الشخص بصورة لا واعية يتغلب فيها على الدوافع الجنسية الملحة، ويتم التنفيس عنها من خلال الابداع الفني او الادبي، او حتى الرياضي او العلمي. كما يرى فرويد ان المبدعين من الفنانين والادباء دائما ما يكونون نرجسيين وتكون لديهم رغبة جنسية تجاه انفسهم، لذلك فالإبداع هو كذلك حالة جنسية باثولوجيه. فالفنان المبتكر على وجه الخصوص لديه رغبات جنسية لا يستطيع اشباعها نتيجة ضغط المجتمع والممنوعات التي يفرضها عليه.
ان هذه هي النظريات التي حاولت تفسير الابداع كحالة مرضية باثولوجيه، وكما قلنا فأن العلم لا يدعم هذه الآراء رغم شعبيتها وترديدها على السن الكثيرين، فالمبدعون حالهم حال بقية الناس قد يعاني بعضهم من اضطرابات او امراض نفسية، لكن اطلاق سمة المرض النفسي او الجنون على جميع المبدعين، امر بعيد كل البعد عن الصواب، بل ان الدارسات النفسية والعصبية تؤكد بشكل لا لبس فيه من ان المرض النفسي او العقلي يعيق الابداع بشكل كبير، وفي شتى المجالات العلمية والفنية والادبية.
ثالثا: هنالك نظرية لا ترى في الابداع كحالة مرضية، انما ترى ان الابداع حالة طبيعية، لكنها لا تتوفر لدى جميع الناس، انما هنالك افراد لديهم موهبة او عبقرية، لا يمكن ان تتوفر لدى الاخرين وهذه النظرية تعزل أي مبدع عن محيطه الاجتماعي الذي نشأ فيه وما توفر لديه من فرص وما مر به من ظروف، ودائما ما ينظر العلماء الذين ينظرون الى المبدعين في شتى المجالات الى وجود نوع الالهام او لحظات التجلي، التي تفسر الابداع تفسيرا صوفيا، ودائما ما يربطون لحظات التجلي او الالهام هذه، بانها تأتي بشكل غير مخطط وفي ظروف بعيده عما يفكر فيه المبدع في لحظتها، كما هو الحال مع اكتشاف بونكارييه احد قوانين الرياضيات بشكل مفاجئ او كما توصل نيوتن الى قانونه في الجاذبية من خلال سقوط تفاحة على رأسه، وهكذا الامر بالنسبة لبعض الرسامين الذين تفاجئهم فكرة معينة ملحة، ليذهبوا بعدها الى مشاغلهم ويجسدوا لوحاتهم بطريقة اشبه ما تكون بالحلم، كما يفعل ذلك السرياليون وغيرهم. ودائما ما تركز هذه النظرية على ان لدى البعض “ذكاء خارق” “عبقرية” ، وهي بالأخير مصطلحات غامضة لا يمكن تفسرها.
وهذه الرأي يكتفي بوصف ما يحدث بالفعل في ذهن المبدع دون الاهتمام بالعوامل الثقافية والاجتماعية التي تؤدي الى هذا الابداع، كما انها تهمل الاساس الدماغي للعملية الابداعية باعتبار الدماغ هو الاداة التي تتفاعل مع البيئة وتتمثل هذه البيئة لتعيد انتاجها على شكل اعمال فنية وادبية وعلمية.
رابعا: اما الاساس المادي للإبداع في الادب والفن والذي هو عنوان محاضرتنا لهذا اليوم فهو النظرية التي تبلورت خلال فترة طويلة من الزمن ووصلت الى مرحلة النضج مع عالم الفسلجة الروسي ايفان بافلوف، الذي يرى ان للإبداع بكل اشكاله اساس بيلوجي يتمثل بعمل الدماغ، والذي هو بدوره نتاج لمرحلة تطور مرت خلالها البشرية بعدة تحولات منذ ملايين السنين ولغاية الان، وصولا الى الدراسات الحديثة التي تتناول موضوع الابداع في العلم والفن والادب.
عالم الفسلجة الروسي ايفان بافلوف 1849 –
1936
ان التصور المادي يؤكد انه بغياب الظروف الاجتماعية والتعليمية والثقافية المناسبة من غير الممكن للمبدع ان يكون مبدعا. فما توفره البيئة الطبيعية والاجتماعية في مرحلة تاريخية معينة وما رافق ذلك من صراعات وتحولات، وما يتعلق بتطور وسائل الانتاج، هو الاساس للإبداع في أي مجال من المجالات. كما ان الابداع في الرسم او الرواية او الموسيقى على سبيل المثال يتطلب من الشخص عملا مضنيا قد يستمر لسنوات عديدة، فالإبداع لا يحدث بشكل مفاجئ، كما يرى البعض، وكأنه قضية الهام او وحي او عبقرية معزولة عن الواقع الحي. كما انه يأتي بعد دراسة معمقة وطويلة ويحتاج الى محاولات عديدة، لان أي عمل ابداعي عظيم ومؤثر واي عمل ادبي خالد، يتطلب من مبدعه استيعاب التجارب السابقة له وهضمها وتمثيلها في دماغه، ما يجعل من دماغ المبدع يعيش صراعا داخليا يؤدي به الى الانشغال الكلي بمنتجه.
ان الاساس المادي للإبداع والذي يعد الدماغ البشري وهو اكثر الادمغة تعقيدا على وجه الكرة الارضية جوهره، هو ما يمكن الانسان من الابداع والانتاج الفني والادبي في حال توفر البيئة الاجتماعية الملائمة. ان توفر الفرص لشخص معين، وكذلك الظروف والتعليم المناسب في طفولته والتي تشجع على الادب والفن على سبيل المثال، فأن المناطق في القشرة الدماغية وما تحتها والمسؤولة عن هكذا نوع من النشاطات ستكون ناشطة بشكل اكبر لدى هؤلاء، وستكون الخلايا العصبية في هذه المنطقة اكثر مما هي لدى الاشخاص غير المنشغلين والمشتغلين في الابداع على المستوى الادبي والفني. وهذا ما اكدته الدراسات التي تقول ان هذه المناطق تتعامل مع العواطف والمشاعر بالدرجة الاولى وهي من اهم ميزات الاعمال الفنية والادبية. اما بالنسبة للعلماء في الفيزياء والرياضيات وغيرهم فأن مناطق القشرة الدماغية المسؤولة عن التفكير المنطقي، تكون فيها التشابكات العصبية اكثر مما لدى الاخرين. وبذلك يمكننا القول ان الابداع في الادب والفن، لا يأتي من خلال مرض عقلي او نفسي وليس نوعا من الالهام والفرادة، التي تأتي للإنسان بشكل مفاجئ بعيدا عن الظروف الموضوعية التي تحيط بالمبدع، ولا هو نتيجة لتسامي الغريزة الجنسية المكبوتة، انما الابداع في جوهره هو نتيجة لتفاعل عدد كبير من العوامل داخل البيئة التي يعيش فيها الانسان وداخل دماغ هذا الانسان لإنتاج عمل ما.
منظمة البديل الشيوعي في العراق تنظيم شيوعي عمالي منهجه الفكري والسياسي ماركسي مستنبط من “البيان الشيوعي”
