تعيش الطبقة العاملة في العراق اوضاعاً صعبة بسبب السياسة الاقتصادية الساعية لتطبيق منهج الليبرالية الجديدة من عمليات خصخصة للقطاعات والشركات والمصانع وتسريح للعمال، كما ان نسب البطالة تنتشر في اوساط وشرائح واسعة داخل المجتمع، يضاف لذلك عدم التطبيق والالتزام بقانون العمل الذي اقر في العام 2015، ولا تنتهي القضية عند هذه الامور بل ان التضخم الحاصل في اسعار السلع والبضائع والخدمات، جعل من رواتب الموظفين والعمال غير كافية لسد ابسط احتياجاتهم، وعلى خلفية هذا الامر انبثقت حركة تعديل سلم الرواتب في محافظات الوسط والجنوب، لكن السلطة وكعادتها لم تستجب لمطالبات ملايين العمال والموظفين. الى ذلك فان شرائح الخرجين غير المعينين والمحاضرين بالمجان والاوائل يواصلون احتجاجاتهم بشكل دائم امام المقار الحكومية في بغداد والمحافظات، لكن دون جدوى. كما ان اصحاب العمالة الهشة من سائقي الدلفري والتكتك وغيرهم والعاملين بالأجر اليومي، يعانون هم أيضا من غياب القوانين والتشريعات التي تضمن حقوقهم وتوفر معيشة لائقة لهم ولأسرهم، في غضون ذلك تقود الطبقة العاملة في اقليم كوردستان من جانبها نضالاً بالضد من السلطات في الاقليم بسبب عدم دفع رواتب ومستحقات الموظفين طوال أشهر عديدة، كما ان النساء العاملات هن الاخريات يعانين من اجحاف وتمييز مضاعف في اماكن العمل بفعل العديد من العوامل. كل هذه المعطيات وغيرها ايضا جعلت من العاملات والعمال ونقاباتهم واتحاداتهم المستقلة عن قوى واحزاب السلطة امام مسؤوليات من اجل تطوير هذا النضال وجعله اداة لتحقيق مطالبهم. وللحديث عن اوضاع العمال في العراق بمناسبة الاول من ايار اجرت صحيفة الغد الاشتراكي هذا اللقاء مع عدد من الناشطات والناشطين العماليين.
الغد الاشتراكي تأتي ذكرى عيد العمال العالمي هذا العام مع استمرار مطالب شريحة الموظفين والعمال بإقرار سلم رواتب جديد يوفر الامكانية لهذه الشريحة الكبيرة من العيش اللائق والمرفه، فكيف يمكن تحويل هذه المناسبة الى وسيلة للضغط على السلطة من اجل تحقيق هذا المطلب؟
تحدثت عضو المكتب التنفيذي لاتحاد المجالس والنقابات العمالية في العراق قائلة: تمر علينا هذه الذكرى ونحن كعمال وموظفين ومعطلين نمر بأقسى حقبة في تاريخ البشر، كون ان العالم يتقدم مع التطور في ابتكار وسائل إنتاج سهلة ولا تتطلب جهداً عضلياً، ونحن نتوسد الارصفة لنطالب بتوفير فرص عمل من اجل ان نأكل ونسكن لنعيش. واكملت حديثها قائلة “على الطبقة العاملة تنظيم صفوفها من اجل الوقوف بوجه هذه القوى الفاشية المتمثلة بحكومة المليشيات والاحزاب المتسلطة بالسلاح على رقاب الجماهير، وتشهد على ذلك انتفاضة اكتوبر 2019 كيف قمعت الاجنحة المسلحة للسلطة المحتجين بالسلاح الناري، لذا على شريحة العمال والعاملات والموظفين ان يقفوا بوجه هذا النظام الذي ينهب بثروات البلد ويتربص لكل صوت يطالب بحقه.
ومن جانبه عبر الناشط المدني احمد الركيباوي، مبيناً بانه : يجب أن يكون الضغط على السلطة من محورين الأول الوقفات الاحتجاجية المطالبة بإقرار تعديل سلم الرواتب والثاني ان يكون هناك موقف من قِبل المنظمات العمالية للضغط على السلطة وممثليها من اجل اقرار السلم العادل لرواتب الموظفين والعمال.
وردّ العامل غانم حميد على السؤال قائلاً: ج: كما تعرفون فأن المظاهرات لا زالت مستمرة ويشترك فيها الالاف من العمال والموظفين ومن جميع الوزارات ذات الرواتب المنخفضة للضغط على السلطة في سبيل إقرار سلم رواتب عادل ومنصف، الا ان المماطلة من قبل السلطة هي العلامة الأبرز، فكل يوم تقول “نحن بصدد دراسة هذا المطلب” او ” ان اللجنة المالية النيابية ترفع توصياتها للحكومة بشأن سلم الرواتب” او ” ان السلم يحتاج لقرارات جريئة” الى غيرها من هذه المماطلات التي ينحفوننا بها في كل مرة ننزل بها للشارع ونشكل ضغطا، لهذا فأن علينا جميعا ان ندرك لا سبيل لإرضاخ السلطة لمطالبنا سوى بزيادة الضغط الاحتجاجي، ومناسبة الأول من أيار عيد العمال العالمي هي فرصة لإظهار قوتنا وتوحدنا واصرارنا على تنفيذ سلم رواتب جديد.
وفي سياق متصل تحدث الناشط العمالي عبد العزيز الشمري لجريدة الغد قائلا : نداء الى كل اخواني الممثلين والمنسقين السابقين بدون استثناء العودة والمشاركة بقوه وعزم بمظاهرة (في عيد العمال) اخواني السلم للجميع من أجل حياة كريمة لنا ولعوائلنا وللعمال بالدرجة الاساس الذي بنيت الاوطان على اكتافهم.
الغد الاشتراكي: الى أي مدى تعتقدون ان التضخم في الاسعار وعدم اقرار سلم الرواتب والسير بالخصخصة في مختلف القطاعات ومن خصخصة شركات ومعامل وزارة الصناعة، هي سياسة اقتصادية مدروسة تمثل نهج الحكومات المتعاقبة بعد 2003 ما عمق ويعمق من الفوارق الطبقية والتفاوت بين الناس؟
يقول غانم حميد : منذ 2003 بدأنا نرى ملامح جديدة تظهر على بعض الوزارات خصوصا وزارة الصناعة، فهذه الوزارة هي كانت البداية لما يسمى الخصخصة، فقد تم هيكلة وخصخصة اغلب شركاتها الى ان تحولت هذه الوزارة الى هيكل بناء فقط، تم ترحيل عمالها وبيع وهيكلة شركاتها، بل ان السياسة الاقتصادية الجديدة جعلت رواتب هذه الوزارة وبعض الوزارات الخدمية الأخرى هي الأدنى، وهو ما يؤكد وجود سياسة اقتصادية مدروسة بشكل دقيق، وخلاصة هذه السياسة هي تخلي الدولة عن كل التزاماتها.
من جانبه وضح احمد الركيباوي : ان السياسة بعد عام 2003 تُعتبر نهج قائم على التحاصص الاقتصادي بين المكونات السياسية الطائفية والقومية. والتفاوتات بين السوق وقيمة رواتب موظفي الدولة لا تسد حاجة الموظف أو المتقاعد لان سلم الرواتب ضعيف جداً اسوة بأسعار الأسواق العراقية بتزايد اسعار السلع. ويضيف للغد الاشتراكي :ان ارتفاع قيمة الدولار وابقاء القيمة النقدية أمام الدينار اثقل كاهل المواطن، مع اصرار الحكومة على عدم تعديل سلم الرواتب الذي أصبح لا يتناسب مع اسعار السلع.
وفي المقابل اكدت الناشطة اقبال صلال: لا اظن ان النظام يهتم للتفاوت الطبقي بين اطياف المجتمع، فأقطاب السلطة تعتبر ان هذه الثروات ملك لها دون الاخرين، والدليل انها عطلت المصانع والمعامل ودمرت الزراعة واعتمدت بالأساس على المردود الريعي (النفط) وخلصت اقبال الى القول :اعتقد ان تفاقم ارتفاع الاسعار سوف يؤدي الى انفجار شعبي وجماهيري قريبا.
وفي الوقت ذاته عبر عبد العزيز الشمري بان :التفاوت الحالي هو ضرب للديموقراطية والحقوق بشكل علني وخرق للدستور متعمد، وإهمال غير مبرر.
الغد الاشتراكي/ دائما ما تعاني الطبقة العالمة من التشتت وعدم التنظيم وهذا الامر لا يتعلق بالعراق فقط انما في مختلف البلدان، ما يجعل من قدرة هذه الطبقة على التأثير ضعيفا وغير مؤثر، فكيف يمكن توحيد نضال العمال والموظفين والمفقرين من اجل تحقيق تطلعاتهم وتوفير احتياجاتهم؟
فيما يتعلق بهذا الجانب يعزو عبد العزيز الشمري سبب عدم التنظيم الى : قلق الطبقة العاملة والشرائح المعترضة من قوى الشر والاحزاب المسلحة، على سبيل المثال تعرضنا للمضايقات الامنية بمجرد مطالبتنا بالحقوق لكن هيهات منا الذلة ولن نستسلم.
هذا وشدد احمد الركيباوي على : جميع النقابات العمالية في العراق أن توحد جهودها وتنظم نفسها وخصوصا النقابات أصبح من الضرورة الان ان تعقد اجتماعاتها الدورية بشكل أسبوعي أو شهري، لأجل ادامة النقاشات وتلقيح الأفكار بين الشباب وأصحاب الخبرة الكبيرة من النقابيين الذين سبق لهم العمل الميداني لاكتساب الخبرة العملية وتحفيز ودفع الشباب وكذلك الاستفادة من افكارهم العصرية.
كما أكد غانم حميد : توحيد العمال وتنظيمهم، انها من اصعب المهام التي من الممكن العمل عليها بسبب السياسات التي تمارسها مختلف الحكومات، انهم يفرقون العمال بكل السبل، يمنعون تنظيمهم ويخلقون لهم نقابات شكلية ويلعبون على وتر الأوهام القومية والطائفية والعرقية وغيرها، لهذا فأن تأثير العمال لا زال محدودا وقاصرا عن توجيه ضغط حقيقي وفعال تجاه السلطة. يحتاج العمال الى اليات جديدة للتنظيم والى خلق منظمات عمالية مهمتها توحيد نضالاتهم والعمل على تشكيل جبهة عمالية موحدة.
و ردت اقبال صلال قائلة :نعم اتفق على ان تشتت الطبقة العاملة وغياب التنظيم هو اللبنة الاساسية في ضياع حقوق العمال وإهدار قوة عملهم.
الغد الاشتراكي: المعطلون عن العمل شريحة كبيرة جدا تتجاوز في بعض الاحصاءات الـستة ملايين معطلة ومعطل بضمنهم خريجو الجامعات والمعاهد، والوصول الى هؤلاء وتنظيم احتجاجاتهم واعتصاماتهم والانخراط في صفوفهم يفترض ان تكون من اولويات النقابات والاتحادات العمالية والناشطين العماليين، أنتم كيف تنظرون الى اليات هذه الشريحة ووسائلها في الاحتجاج وكيف يمكن مساعدتهم والعمل من داخلهم من اجل انصافهم وتحقيق مطالبهم؟
أوضح احمد الركيباوي على: ان الخريجين والعمال وجميع العاطلين عن العمل يعتبرون شرائح مهمة ومظلومة في المجتمع العراقي، ويتابع حديثه قائلا : كما انها شرائح مشتتة تفتقر للتنظيم النقابي، تحت رابطة أو منظمة أو نقابة تجمع كل العاطلين عن العمل وتنظم لهم وقفات استنكارية احتجاجية للمطالبة بفرص عمل تليق بالإنسان، واعادة فتح المعامل المتوقفة منذ 2003 وتقدر اعدادها ما يقارب 4000 معمل والتي كانت تعمل على تغطية الأسواق العراقية بالمنتجات وتوفير فرص العمل للخريجين وغير الخريجين”.
وعن السؤال ذاته عبرت اقبال صلال عن رأيها مبينةَ “بخصوص تنظيم الطبقة العاملة: ان الوضع الحالي يحتاج الى تواصل واقعي مع العمال من خلال توعيتهم بحقوقهم كون اغلب العاملين الان لا يعلمون بأنه يوجد هناك قانون عمل يضمن لهم حقوقهم ويوفر لهم الحماية القانونية.
وأضاف غانم حميد : نعم هي شريحة كبيرة جدا ولا يمكن لهذه السلطة استيعابهم او إيجاد حلول لهم، فهي عاجزة تماما امام مطالب التشغيل وإيجاد فرص عمل، خصوصا وانها تتبنى سياسة ان تتخلى الدولة عن كل شيء، فهي لم تستطيع تشغيل المعامل والمصانع بل هي من أقفلتها جميعا، وهي لا تعمل على إيجاد صناعات جديدة، بالتالي فأن واقع هذه الشريحة يزداد بؤسا، ويقع عليها-شريحة المعطلين- تحدي مواجهة السلطة والضغط عليها لإيجاد فرص عمل، لكنها وللأسف تفتقد للوسائل والاليات التي يستطيعون بها تحقيق تجمعهم واتحادهم، اما قضية العمل من داخلهم فهي أيضا معقدة بسبب كون هذه الشريحة غير منضوية باتحادات او نقابات او تجمعات محددة، المشكلة انهم مجموعات مشتتة لا تستطيع إيجاد قيادات بارزة لهم، الشيء الأكيد انهم لن يبقوا على هذه الشاكلة فضغط الحياة المعيشية يزداد وبالتالي فحتما سيجدون اشكالا للتنظيم.
هذا وقد أجاب عبد العزيز الشمري بان : تنسيقيات التربية تبنت الاجتماعات في بغداد وخرجت في بيان رسمي جمع بين الامرين (سلم الرواتب وزيادة المخصصات)، بسبب التفاوت وارتفاع الاسعار وغلاء المعيشة والضرائب الحكومية الباهظة وهذا تم طرحه لبقية ممثلي الوزارات اما بخصوص الخريجين فمطلبهم منحة مجزية لحين توفير فرصة العمل المناسبة.
الغد الاشتراكي: كيف تنظرون الى تطبيق قانون العمل والضمان الاجتماعي خصوصا في القطاع الخاص وهل يلتزم اصحاب المشاريع والشركات بتسجيل العاملين لديهم، ما يضمن حقوقهم ويجعل من بيئة عملهم امنة ومستوفية للشروط الصحية؟
يقول غانم حميد: قانون العمل ورغم الإيجابيات الكثيرة التي يتضمنها الا انه يبقى حبر على ورق دون نقابات واتحادات عمالية فاعلة تطالب بتطبيقه وتنفيذه وتبقى تراقب وضع الشركات في القطاع الخاص واحوال العاملين فيها ومدى تطبيق هذا القانون، دون ذلك فلن نرى فاعلية لهذا القانون.
تؤكد اقبال صلال : ان شريحة المعطلين كبيرة جدا وتحتاج ان تؤخذ على محمل الجد من قبل التنظيمات العمالية والنقابات. وانا بصراحة لا ارى ان هناك توجد نقابة تمثل الطبقة العاملة تمثيل فعلي، فنقابة السلطة الى الان تنتشر في التقاطعات والساحات لجمع الجباية من سائقي المركبات والذي يعتبر المصدر المعيشي الوحيد لهم. واكملت حديثها قائلة : بخصوص تطبيق قانون العمل هو لا يمثل العمال من قريب ولا من بعيد خاصة العمال في القطاع الخاص والنساء العاملات، وذلك لأن اغلب العمال غير مسجلين لدى دائرة الضمان الاجتماعي او بالأحرى من شروط رب العمل بان لا يطالبون بالتسجيل في الضمان وان خالف العامل ذلك سوف يُطرد من قبل رب العمل وبما انه لا تتوفر فرص عمل اخرى فيضطر العامل الى السكوت والرضا بالعمل دون ضمان .ومن جانب اخر فإن ارباب العمل مطمئنون لعدم وصول مفتشي العمل مواقعهم.
هذا ومن جانبه بين احمد الركيباوي بان : قانون الضمان الاجتماعي المطور الجديد في تعديلاتهُ الأخيرة جيد نوعاً ما، لكن على أصحاب الشركات والمعامل ان ينجزوا معاملات الضمان الاجتماعي للعمال الذي يعملون ضمن القطاع الخاص.
اما عبد العزيز الشمري فقد أجاب بالآتي : ان قانون العمل لم يرى النور بسبب حكم الاحزاب المسلحة للبلاد.
الغد الاشتراكي: ما هي كلمتكم للعمال والموظفين والمعطلين عن العمل بمناسبة الاول من ايار، وما هي دعواتكم من اجل تحقيق استقلال الطبقة العاملة؟
اجابت اقبال صلال : كلمتي هي تهنئة الى العمال في جميع انحاء العالم، ادعوهم الى توحيد الصفوف للمطالبة بنيل حقوقهم الحياتية الطبيعية.
وفي السياق ذاته عبر عبد العزيز الشمري عن رأيه لجريدة الغد الاشتراكي قائلا “يا عمال العراق اتحدوا، يا بناة الاوطان انطلقوا لحقوقكم في الأول من ايار وسنكون معكم ومنكم وخلفكم.
وحول نفس الموضوع يقول غانم حميد: العمال هم العمود الفقري لكل المجتمعات، هذه حقيقة يجب على العمال انفسهم ادراكها حتى يعرفوا انهم القوة الأكبر والأكثر فاعلية داخل المجتمعات، لهذا فأن اتحادهم ورص صفوفهم من شأنه ان يؤدي الى جعلهم قوة لا تضاهى لها اكبر الفاعلية، فالف تحية للطبقة العاملة في يومها الاغر، ولنجعله يوما للاحتجاج العمالي واكمالا لمسيرة الحركة الاحتجاجية ضد سلطة رأس المال.
في الختام تحدث احمد الركيباوي قائلا : نتمنى لهم عاما جديدا بروح العمالية النضالية الكبيرة بتضحياتهم التي سبق وشهد لها التاريخ بنضالهم ووقفوا بوجه كل الأنظمة ومنها الأنظمة الدكتاتورية، نتمنى أن يكونوا أكثر تنظيماً ومتلاحمين فيما بينهم من أجل حقوقهم المشروعة وتكثيف الوقفات الاحتجاجية المطالبة بإقرار تعديل سلم الرواتب وقانون الضمان الاجتماعي.
منظمة البديل الشيوعي في العراق تنظيم شيوعي عمالي منهجه الفكري والسياسي ماركسي مستنبط من “البيان الشيوعي”
