ذكرى الانقلاب “الأسود” في 8 شباط 1963 وموقف الحزب الشيوعي العراقي

رشيد اسماعيل

 يشكل الثامن من شباط “الأسود” عام ١٩٦٣ يوما للقتل والتدمير في مختلف أنحاء العراق، على يد الفاشيست من البعثيين المجرمين وشركاؤهم القوميين، بالتحالف مع رجال الكهنوت من الشيعة والسنة وفلول من اتباع نوري السعيد والنظام الملكي، الذين ساندوهم بجرائمهم المروعة التي طالت كل الجماهير، ولم تنتهي اثار ذلك اليوم لفترة قصيرة انما امتدت لعشرات السنين ولا تزال نتائجها لغاية اليوم. ان الحركة الانقلابية  في واقع الأمر لم تكن تستهدف الشيوعين فقط، بل  المستهدف الأساسي هي الجماهير التواقة للحرية والمساواة وتحقيق الرفاه والعدالة، والتي أنجزت جزءً منها حركة ١٤ تموز.

 ان الجماهير المتطلعة نحو المستقبل لم تتوقف في مطالبها، بل كانت تسعى لتحقيق المزيد في مختلف مناحي الحياة، ففي مرحلة ما بعد ١٩٥٨ هيئت ظروف البلاد، رغم كل الإشكالات، لإنتاج جيل من المفكرين علماء ومثقفين وفنانين وأساتذة جامعات والعمال الماهرين على مستوى عالي، كما شهدت معيشة المواطنين تحسنا ملحوظا اذا ما قورنت بالفترة السابقة، إضافة للتطوير في قطاعات الصناعة والكهرباء وتوفير فرص العمل وعلى نطاق واسع، وخاصة في مجال النفط ومشتقاته، والبدء بمعالجة أزمة السكن وإنشاء مدن جديدة للفقراء والمعدمين مثل مدن الثورة والشعلة في بغداد وغيرها من المدن في المحافظات.

 كل هذه التطورات أرعبت الدوائر الغربية وادواتهم من البعث والقوميين ومن لف لفهم، فكانت المؤامرات مستمرة على الجماهير ومحاولة لجمها بأي طريقة، والعمل على إعادة الحصان إلى اسطبل الغرب بأي ثمن. فمنذ اليوم “الأسود” في ٨ شباط ١٩٦٣ والبلد يتراجع بشكل مخيف، وهذا هو الدور المنوط بقوى مثل البعث والقومين فهدفهم تكبيل الجماهير بقيودهم، وأخيرا انتهى الامر بتسليم مصير الجماهير للتيارات الدينية المجرمة اليوم، وجميع التيارات والقوى التي حكمت العراق هي قوى برجوازية كانت ولا تزال ممثلة لمصالح رعاتها.

 لذلك فان ما حدث لم يحصل في يوم أو سنة إنما جاء كنتيجة لعقود متتالية من عمليات تدمير المجتمع، وبالأخص بعد عام ١٩٧٩ عندما انقلب صدام على المجرم البكر ليكمل صدام وعصابته الفاشية البقية الباقية. ان كل هذه الاحداث والتحولات جاءت تحت تأثيرات التقدم في وعي للجماهير التي استمرت بالسير للأمام كنتيجة للهزة التي حصلت في لـ ١٤ تموز.

 أن نظام عبد الكريم قاسم لم يكن يمثل تطلعات جماهير العمال والكادحين والتحررين وهذا النظام هو الاخر عليه انتقادات شديدة كونه هو الاخر يمثل حالة التوازن التي تفرضها القوى العالمية في وقتها، ولهذا أقول أن الجماهير هي التي كانت مستهدفة بالدرجة الاولى، وليس قاسم ولا مشروع  الحزب الشيوعي العراقي الفاقد للبوصلة.

 يمثل ٨ شباط  مشاهد مرعبة من القتل والاعتقال والارهاب وهذه المشاهد مخيفة بشكل لا يصدقه العقل، فمفارز الحرس القومي منصوبة  كل ٢٠٠ متر في شوارع بغداد والمحافظات وهي تقوم بالتصفيات وابشع الجرائم بوجه المعترضين على الانقلاب.

ولنأتي لدور الحزب الشيوعي العراقي في حينها، كيف كان يفكر؟ وما هي أولوياته؟ لم يفكر هذا الحزب بالجماهير والحريات والديمقراطية وهي من أهم الأولويات لتنسيق البناء المتين للدولة المستقبلية، فهدف الحزب في هذه الفترة هو حماية نظام قاسم، رغم عدائه لهم ورغم كل نواقصه وانفراديته بالسلطة وتمثيله لمصالح الاتحاد السوفيتي. قاسم الذي لم يستوزر أحدا من الشيوعين، بل حتى بعد فشل محاولة الشواف الانقلابية، والتي كان للشيوعين دورا كبيرا فيها، وجه قاسم باعتقال الكثير منهم وتم القاء اللوم على الشيوعين.

كما ان دور الحزب الشيوعي من احداث عصيان البرزاني واغواته الذين رفضوا عملية توزيع الأراضي للفلاحين كان هو السكوت. بالرغم  من الدعم الكبير من شاه إيران وإسرائيل لهذا العصيان ورفع راية السلم في كردستان، أين هو دورهم الطليعي اذا؟

 حسب ما يذكر إسماعيل عارف في مذكراته، حيث يؤكد اثناء لقائه بعلي صالح السعدي بعد ١٩٦٣ في بيروت، يذكر له أنهم، أي البعثيين، أتوا بقطار أمريكي، كما ويبين في مذكراته أن أكثر من ٤٠٠ كادر شيوعي تم تصفيتهم في الفترة الممتدة من ١٩٥٩ إلى ٨ شباط عام ١٩٦٣. ونحن نتساءل هنا أين كان الحزب الشيوعي وكوادره اللذين كانوا يقتلون يوميا؟. 

لقد كان هم الحزب الشيوعي الاول هو اطاعة ما يمليه عليه السوفييت بالدفاع عن نظام قاسم . حتى ان الصراعات كانت محتدمة داخل المكتب السياسي، والتي افرزت بالنهاية مجموعة منهم والتي كانت مهمتها تقديم الدعم الكامل ووضع طاقة وإمكانيات الحزب في خدمة نظام عبد الكريم قاسم. 

لقد جاءت اللحظة الكابوسية في ٨ شباط ١٩٦٣ وليس بيد الحزب الشيوعي أي وسيلة للدفاع عن كوادره ورفاقه. فكان بيان الحزب الشيوعي يركز بالدرجة الاولى على الدفاع عن نظام قاسم، بدون الاكتراث برفاقه وقياداته والمصير المجهول الذي ينتظرهم. أي بمعنى آخر لم تكن لديهم أية مبادرة لتغيير الواقع، فهم ينتظرون المؤامرة المتوقع حصولها ويحاولون أسقاطها من قبلهم ومن ثم إملاء شروطهم على قاسم أو السيطرة على السلطة.

عند تمحيص هذا الموقف يبدو لي أنه كان موقفا انتهازيا مصلحيا بامتياز. لان الحزب الطليعي، دائما ما يكون هو المبادر ولا ينتظر ما ستؤول اليه الامور ومن ثم يعمل على قلب الأوضاع لصالح العمال والمفقرين. وكأنهم ينتظرون ظروف وأوضاع عملية اغتيال قاسم وعدم السيطرة على الأوضاع في حينها ليتسنى لهم التدخل. لكن الفرصة لا تأتي مرتين والقطار تركهم ورحل. نعم إنها أحلام العصافير.

لقد سطر آلاف الشيوعين والديمقراطيين صورا من الصمود والإقدام والتضحية في مواجهة الانقلاب الفاشي  ضاربين أروع ملاحم النضال والتحدي المشرف، وبعد كل هذه الأحداث ألا يحق لنا أن ننتقد ونمحص بدقة، ما آلت اليه تضحيات المدافعين عن احلامهم بمستقبل مزدهر، والثمن الغالي الذي دفعه هؤلاء المقدامين.

أين كان الحزب الشيوعي؟ هل كان في سبات ولا يعلم بما  يجري من مؤامرات ضد الجماهير؟ أم انه كان يعلم ما يخطط له اتباع السفارات الأجنبية؟ بالتأكيد كان الحزب على علم بما يجري من إعداد للانقلاب .وفي ليلة الانقلاب أرسل سلام عادل جورج تلو لينبه جلال الأوقاتي ويحذره من حدوث الانقلاب. ولكن تشاء الصدف، وبحسب بعض المعلومات والمصادر، ان سيارة جورج كانت معطلة فأجل تحذيره إلى اليوم الثاني! أي بكلام أخر كان الحزب وقياداته على علم تام بوقوع الانقلاب، لكن لا احد يعلم ماذا كان يدور بعقولهم في تلك اللحظة؟

يبدو ان خطتهم كانت أن يحدث الانقلاب ومن ثم يعملون على إفشاله بقوة الجماهير ليسيطروا بعد ذلك على الدولة، هذا كان الموقف، والدليل البيان الأول الذي اصدره الحزب ضد الانقلاب .أي بكلام آخر لم تكن قيادة الحزب لها أي مبادرة فقط  الانتظار، أي بمعنى آخر انتهازية بامتياز، وهذه الانتهازية لم تفارق الحزب لغاية الان. كما انهم ساقوا اعضاء الحزب الى المحرقة في العديد من المناسبات، فحتى بعد نهاية الجبهة مع البعث روجوا لبناء التنظيم في بغداد والمدن الأخرى مع معرفتهم بوجود المندسين، ما ادى الى الآلاف من الاعدامات بالمجان. بل حتى في كوردستان كان الكثيرون عندما يأتون إلى بغداد والمحافظات يتم اعتقالهم بأقرب سيطرة ليعدموا من خلال المندسين المتمركزين في كوردستان في قيادة الحزب. إن سياسة هذا الحزب ما هي الا هراء وفخاخ للشباب بدون أي تفكير وإحساس بالمسؤولية.

وهنا لا بد من المرور السريع على بيان آب عام ١٩٦٤ التصفوي، وكذلك جبهة البعث في عام ١٩٧٣ ، ففي أول يوم وعند الدخول إلى ملعب الشعب وتصدى البعث للجماهير وبعد ذلك حدثت اشتباكات معهم، وأعلن في حينها  أن المراد من الجبهة هو كشف التنظيمات الشيوعية للأجهزة الأمنية من اجل تصفية الحزب. وحتى أثناء الحوار على تأسيس الجبهة تم تصفية العديد من القادة المعارضين للجبهة مثل ستار خضير و عبد الأمير سعيد  ومحمد أحمد الخضري وشاكر محمود. وفي معتقل قصر النهاية تم تصفية العديد من الكوادر وهذا دليل على وجود المندسين في قيادتهم. كما وانه في أثناء اندلاع القتال في كوردستان عام ١٩٧٤ اصطف الحزب مع البعث الفاشي لقمع جماهير كوردستان . وبعد ذلك وعند انهاء الجبهة من طرف البعث تم استجواب الآلاف من الكوادر.

 بعد ذلك تمكنت القيادات من الهروب إلى الخارج وأخيراً اللجوء إلى كوردستان تحت سيطرة الأحزاب القومية الكوردية ومن ثم حصول مجزرة بشتاشان. ليستكمل هذا الحزب مسيرته بالدخول إلى مجلس الحكم الامريكي البريمري ويتحالف مع البعثي السابق أياد علاوي الذي يتفاخر اليوم بكونه بعثيا قد قاتل الشيوعيين وبحضور سكرتير الحزب! وليس اخرها بالطبع التحالف المشين مع احدى قوى الاسلام السياسي الاكثر رجعية  والدخول معهم في تحالف سائرون.

خلاصة القول ان كل ما ذكرته هي وقائع واحداث قد جرت على مدار اكثر من ستين عاما من محاربة الشيوعية بتحالف بين القوى الامبريالية الغربية والمجرمين من القوميين والبعثيين والاسلاميين، تحالف فيها كل طرف بحسب كل فترة تاريخية وبما يضمن عدم السماح للشيوعية من قيادة المجتمع. وتم ارتكاب كل هذه الجرائم المروعة ضد الجماهير واذلالها. وحقيقة الامر ان الحزب الشيوعي العراقي لم يكن يمثل الخط الشيوعي، ولو كان حزبا ليبراليا ويدافع عن العلمانية والحريات والمواقف التحررية لكان أفضل للمجتمع. فهو حزب شيوعي لكنه بدون برنامج ومنهج وسياسة شيوعية وعلى مر تاريخه. وفي الواقع  هو أقل حتى من الليبرالية، انه عنوان بلا أي صلة بالماركسية في مواقفه المختلفة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ثلاثة أشهر مضت على اغتيال ينار محمد والحكومة الجديدة مستمرة في التكتم على نتائج التحقيق! تغيير الكابينة الوزارية لا يبرر غض النظر عن واحدة من أخطر الجرائم في المنطقة!

بعد مرور نحو ثلاثة أشهر على اغتيال القائدة الشيوعية ورمز النضال النسوي التحرري ينار محمد ...

ماذا لو وجدت كوثر من يدافع عنها!

القتل الهمجي للطفلة كوثر ذات 15 سنة مؤخرا على يد ذويها "غسلاً للعار" كان تذكيرا ...

حكومة علي الزيدي ومنهاجه الوزاري ترسيخ مصالح راس المال وإدامة الوضع السياسي القائم

بيان منظمة البديل الشيوعي في العراق بعد مرور أكثر من 6 أشهر على انتهاء مهزلة ...

بمناسبة الأول من أيار، يوم التضامن الأممي للطبقة العاملة

بيان منظمة البديل الشيوعي في العراق هذه ليست المرة الأولى التي يحل فيها الأول من ...

كلمة منظمة البديل الشيوعي في العراق-فرع بريطانيا في الوقفة الاحتجاجية امام السفارة العراقية في لندن يلقيها الرفيق نزار عقراوي

  https://youtu.be/1w5m7MkpSj4?si=23ir0LJvQApPT0Yf مساء الخير، نرحب بكم جميعاً في هذه الوقفة الاحتجاجية الهامة أمام السفارة العراقية ...