عبدالله صالح
بداية لابد من القول بأن الغرض من كتابة هذا المقال ليس تقييم ” جائزة نوبل ” ومدى أهميتها من عدمها، إلا أن هوس دونالد ترامب رئيس أمريكا بالحصول عليها جعلنا نقف ولو للحظة على مدى أحقية أمنيته بالحصول عليها قبل أن يترك العالم الى الأبد والذي سيكون، دون أدنى شك، عالم أفضل بغيابه.
ان هوس ترامب يزداد يوما بعد يوم للحصول على ” جائزة نوبل للسلام ” وآخر حلقة من سلسلة ” مساعيه السلمية ” لتحقيق السلام كان ظهوره مع مجرم الحرب (نتنياهو) مساء يوم الاثنين ٢٩ / ٩ / ٢٠٢٥ ليعلنا معا ” خطة ترامب” لإنهاء حرب الإبادة في غزة، خطة وصفت بانها لاستسلام حركة حماس وبقية المنظمات الإرهابية الإسلامية قبل أن تكون وثيقة سلام. لا شك بان انهاء هذه الحرب التي يتعرض لها سكان غزة على يد نتنياهو وحكومته اليمينية الفاشية وانتهاء مأساة الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس والجهاد الإسلامي منذ حوالي عامين، مطلب جماهيري ملح وعاجل يتمناه كل انسان محب للحرية والحياة الآمنة.
من الطبيعي، وكأي انسان، حين يراوده الخيال للحصول على أمنيته التي يحلم بها، ألا تغيب تلك الأمنية عن مخيلته، دعونا نتصور ترامب وهو يستيقظ صباحا ويفكر في تحقيقها، وفي هذا السياق، ربما، يطرح على نفسه السؤال التالي : “كيف يمكن للجنة نوبل أن تتجاهل أعظم صانع سلام عرفه التاريخ، الذي لا يكاد يفتح فمه إلا ويفيض بالهدوء والدبلوماسية فكيف يُعقل أن تغفل عن أعظم رجل سلام عرفته البشرية حتى الآن!؟ هل يعقل أن يمر عام آخر دون أن يُكرَم صانع الهدوء، فارس الدبلوماسية، ومؤسس مدرسة التغريدات الفلسفية العميقة هذه!؟ أم ان العالم كله يقف ضده ويتآمر عليه بغية حرمانه من هذه الجائزة؟”.
هنا، وهو غارق في تفكيره وخيالاته، فجأةً يأتيه صوتُ منادٍ من المجهول قائلا:
لنقف لوهلة عند إنجازاتك السلمية يا “سيد ترامب” والتي لا تُقدَّر بثمن!! فبدايات حروبك الملحمية كانت مع تويترعبر ملايين التغريدات وآلاف المعارك ومن ثم انسحبت منها انسحابا “بطوليا” كانسحاب جيش جرار من ساحة المعركة، أوليس هذا سلام؟! ثم يأتي الدور على السلام مع الجدران، قليل من الناس يفهمون ” الجدار الحدودي” انه ليس جدار فصل بنيته بين أمريكا والمكسيك، بل هو دعوة للسلام على طريقتك القائلة ” ابق بعيدا تعيش بسلام”! وماذا عن السلام في المؤتمرات الدولية، لم يمض مؤتمر من مؤتمراتك الا وتحدثت عن السلام عبر تحويل تلك المؤتمرات الى برنامج كوميدي ساخر وإعادة تعريف الدبلوماسية كفن لإضحاك الخصوم!!
ويستمر صوت المنادي ويقول: ثم لنذكر شعارك ” أمريكا أولا ” والذي بدأته بمعركتك في فرض الرسوم الجمركية على معظم دول العالم ومن ضمنهم حتى حلفائك الأوربيين، وطالبت باحتلال جزيرة غرينلاند الدانماركية ثم دعوتك لضم كندا كولاية أمريكية رقم ٥١ ، ثم عرضك تهجير سكان غزة وإقامة ريفيرا هناك، والادعاء بإمكانيتك وقف الحرب بين أوكرانيا وروسيا خلال ٢٤ ساعة ، ثم استطاعتك في فرض السلام بالقوة على ايران عبر قصفها بأحدث وأفتك أنواع الأسلحة، أوليس كل هذه الأعمال تحقيق للسلام!؟ أوليس من حقك التكريم بـ” جائزة نوبل للسلام ” كما منحت من قبل لأقرانك من رؤساء أمريكا وآخرهم كان ( باراك أوباما) عام ٢٠٠٩؟
ويضيف المنادي: لنعد لإنجازاتك على صعيد الداخل الأمريكي فمعاداتك العلنية والشرسة للطبقة العاملة الأمريكية وللجماعات المضطهدة عبر العالم والتي تندرج ضمن إطار برنامجك الأوسع نطاقاً، ذلك البرنامج الذي يهاجم بعنف بالغ الأقليات العرقية وحقوق النساء عامة والإنجابية منها على وجه الخصوص ويعادي المهاجرين، وينكر تغير المناخ، ويعادي أبسط الحقوق الانسانية، ولا يتردد أبدا في اللجوء إلى العنف، ويحتقر العمليات “الديمقراطية” وقوى المعارضة، ويسعى إلى السلطة المطلقة. كما وتشكل مهاجماتك لمجتمع الميم، ولا سيما للمتحولين جنسياً، أحد جبهاتك الرئيسة، وهو أمر تتفق فيه إلى حد بعيد مع اليمين المتطرف العالمي، ولا سيما مع بوتين.
نعم أيها الرئيس، هذه بعض من حقائق أعمالك، وهنا دعني أضع هذه الحقائق أمام المشرفين على منح هذه الجائزة وأسألهم: اليس من المخجل أن تضع لجنة نوبل اسم ترامب ضمن قائمة المرشحين لنيلها، او حتى أن تفكر في منحه اياها!؟ أوليس قمة الاجحاف أن يُوضع اسمه في مصاف اسم (نيلسون مانديلا) الذي نال الجائزة عام ١٩٩٣، ذلك المناضل الذي قضى ٢٧ عاما في السجن دفاعا عن المساواة بين البشر وضد الفصل العنصري بينما قضى هذا ” السيد” ٢٧ دقيقة غاضبا على منصة تويتر من أجل راحته النفسية! فلو فعلت اللجنة ذلك لجلبت على نفسها المزيد من الخزي والعار، وافرغت محتوى هذه الجائزة حتى من قيمها المحدودة.
ويستطرد الشخص المجهول قائلا: لنتصور ، وبعد كل ما قيل عنك، بأنك حصلت على الجائزة، تُرى ما الذي ستقوله أثناء استلامك لها ؟ أنا واثق بانك تقول التالي:
“أولًا، أود أن أشكر نفسي… أنا أعظم رئيس في تاريخ السلام. أشكر لجنة نوبل لأنها تأخرت قليلًا فقط، ربما ٣ أو ٤ سنوات، لكن لا بأس، المهم أنكم وصلتم إلى الحقيقة. وأرجو أن تُصنع الجائزة من الذهب الخالص، على شكل تمثال صغير لي، لأن لا أحد يجسد السلام أكثر مني”.
لنترك الخيال ونعود الى عالم الواقع ونترك ترامب والشخص الذي يناديه ونقول : بان انتخاب ترامب في ١٩ يناير/ كانون الثاني / ٢٠٢٥ يعني وصول قيادة نيوفاشية إلى السلطة في البلد الإمبريالي الرئيسي في العالم ويمثل انعطافا عميقاً لميزان القوى الدولي نحو اليمين الفاشي، ما يقوي (نايجل فاراج ومودي وميلوني وبولسونارو)[1] وأمثالهم من اليمينين. انه يريد أن يفعل ما يراه مناسبا من أجل ديمومة النظام الرأسمالي المتوحش على حساب افقار وقتل وتشريد الملايين من البشر على وجه الأرض، وما المشاركة في الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني سوى نموذج واحد من هذه الحقيقة. انها حقا بلطجة صارخة ومفضوحة، ولكن هذه المرة بلطجة من النوع الرئاسي وستكون جائزة نوبل للسلام شريكا في نفس هذه الصفات في حالة منحها لترامب.
*********************************************************
[1] – نايجل فاراج زعيم يميني في بريطانيا ، مودي رئيس وزراء الهند، ميلوني رئيسة حكومة إيطاليا، بولسونارو الرئيس البرازيلي السابق .
منظمة البديل الشيوعي في العراق تنظيم شيوعي عمالي منهجه الفكري والسياسي ماركسي مستنبط من “البيان الشيوعي”
