السلطة بين بناء الوعي وبث الخرافة (كومبه ميلا أنموذجًا)

يسار عايش

منذ أن وُلدت السلطة كأداة لتنظيم المجتمع وحمايته، حملت معها وعود الاستقرار والبناء. لكن التاريخ أثبت أن هذه الأداة نفسها سرعان ما تتحوّل، في أيدي المتنفذين، إلى آلة لجرّ الشعوب نحو ما تريده السلطة، لا ما يريده الناس. رأس الهرم السياسي لا يكتفي بالتحكم بالمؤسسات، بل يعيد تشكيل وعي الجماهير وفق أيديولوجيات انتقائية، تخدم بقاءه واستمراره.

(كومبه ميلا)

يُعدّ الحج الأكبر، أو ما يُعرف بـ كومبه ميلا، أضخم تجمع بشري على وجه الأرض، يصل إلى أربعة مئة مليون شخص يتقاطرون إلى النهر المقدس، استنادًا إلى أسطورة تقول إن آلهة الخير والشر تقاتلت على إبريق يحوي رحيق الخلود، فسقطت قطرات منه في أربعة مواضع، أحدها نهر الغانج. كل اثني عشر عامًا يتجدد الطقس، ويشهد هذا التجمع الهائل احتشادًا لا مثيل له.

المفارقة أن هذا الطقس، المبني على معتقد أسطوري، تحوّل إلى جزء من “الهوية الوطنية” للهند، تدعمه الدولة بكل ما تملك: بنى تحتية، طرق، مخيمات، وخدمات لوجستية هائلة. كبار الساسة، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء ناريندرا مودي، يتصدرون المشهد ليضفوا عليه شرعية سياسية.

إن ما تفعله السلطة هنا ليس بريئًا. فهي تدرك تمامًا أن تغذية الخرافة وتقديس الطقوس الغيبية، خصوصًا في المجتمعات الفقيرة، يضمن بقاء الجماهير منشغلة عاطفيًا و”روحيًا”، بعيدة عن التفكير في قضاياها الحقيقية. بهذه الطريقة، يُسلب الوعي قبل أن تُسلب الثروات.

ولذلك، لا تتردد الحكومات — سواء في الهند أو العراق أو السعودية أو ايران  — في إنفاق المليارات على مواكب دينية وبنى تحتية تخدم هذه الطقوس، بينما تُترك ملفات الصحة والتعليم والبطالة بلا حلول جذرية. الأموال التي يمكن أن تبني مستقبلًا كريمًا للجماهير، تُهدر في تثبيت الماضي والاوهام. في النهاية، تبقى السلطة، سواء في الهند أو غيرها من المجتمعات، لاعبًا بارعًا في استخدام الدين والخرافة كأدوات لإدامة نفوذها، وأن تُحرم الشعوب من وعيها وحقوقها الحقيقية، فتظل أسيرة دوامة من الأوهام والطقوس التي تُلهيها عن مطالبها الأساسية. لا وعي بلا نقد، ولا تحرر بلا معرفة فهل ستُكسر هذه الحلقة، أم تستمر الشعوب في غفلتها التي تُغذّيها سلطات لا هم لها سوى البقاء؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.