شيرين عبدالله

تتصدر ظاهرة العنف ضد النساء وقتلهن واجهة الأزمات المجتمعية المتشابكة في العراق وأقليم كوردستان، بوصفها واحدة من الظواهر الرجعية وامتداد للذكورية المتجذرة في مجتمعنا. تكشف المؤشرات عن واقع مقلق وفي تفاقم سنوياً.
تشير البيانات الى انه فقط في اقليم كوردستان كانت هناك 39 حالة قتل للنساء خلال الأشهر السبعة الأولى من هذا العام؛ حيث قُتلت 16 منهن، بينما توفيت 23 أخريات في ظروف وصفت بال “غامضة”. هذا بالرغم من وجود قانون في إقليم كوردستان -عُدّل عام 2000- يحظر قتل النساء لأي سبب كان.
اما في عموم العراق فالوضع ليس بأحسن من الأقليم، فقد كشف المرصد العراقي لحقوق الإنسان، في فبراير- شباط هذا العام عن تسجيل اكثر من 19500 حالة عنف أسري من اعتداء الزوج على الزوجة رسمياً لدى الجهات المختصة خلال عام 2025، مؤكداً ان الأرقام المعلنة لا تعكس الحجم الحقيقي للانتهاكات، بل فقط الحالات التي تجرأ أصحابها على كسر حاجز الصمت والوصول الى مراكز الشرطة.
ومع مرور عام على تطبيق التعديل التعسفي لقانون الأحوال الشخصية 188 لعام 1959 في اطار المدونة الجعفرية، باتت آثاره المقلقة على حياة النساء والأطفال تتجلى يوما بعد آخر، من تعزيز الهيمنة الذكورية، الى تقليص حقوق النساء في الطلاق وحضانة الأطفال والميراث والى تزويج القاصرات..
من المعلوم ان هذه الأرقام المتداولة، رغم فداحتها، والآتية في الغالب من الإعلام ومصادر أخرى غير رسمية، لا تمثل سوى جزءاً صغيراً من الواقع. الأعداد الحقيقية عادة اكثر بكثير، فبالإضافة الى ان بعض الوفيات حتى لا تسجل رسميا، قسم من الوفيات المعلنة عنها ك “الغامضة” هي في حقيقتها قتل او انتحار، واحياناً يتم تغيير وإخفاء السبب الحقيقي للوفاة او تغلق الملفات مجاملةً للمكانة الاجتماعية لرجال العائلة ولتجنبهم المسائلة القانونية وإجراءات الطب العدلي. الصلح العشائري او الصلح بدفع الأموال في جرائم قتل النساء لا يزال معمولا به في بعض الأماكن.
هناك حقيقة قاسية يجب علينا ان ندركها أيضا، وهي انه مقابل كل حالة قتل أو انتحار، وخلف عناوين الأخبار، هناك جبل جليدي مغمور، إذ تعيش آلاف النساء يوميا في صراع البقاء وحالة من القلق وانعدام الأمان خلف الأبواب المغلقة، في ظل العنف الأسري والهيمنة الذكورية، حيث تُوأد آمالهن وطموحاتهن باسم العادات والتقاليد.
هذا بالإضافة الى الوباء المستشري للتحرش والإساءة اللفظية والنفسية والجسدية، سواء في الفضاء الواقعي او الرقمي، التي تتعرض له كل أمرأه تقريبا كأشكال من التعامل الدوني وجزء من “روتين الحياة”.
وبما انه يتم تدريب النساء منذ الطفولة على الانصياع والتزام الصمت والتحمل والقبول بلأامر الواقع، تصبح الحالة الدونية والعنف الممنهج ضدهن ظواهر مألوفة و”طبيعية” لا تثير الأنتباه، وموضع الإهمال الجماعي او بالأحرى التجاهل من قبل المجتمع باسره.
ورغم ان تطور التكنولوجيا فتح افاقا جديدة امام النساء للتعبير عن اوضاعهن والتوعية والحصول على التضامن وإيجاد طرق المقاومة، نرى ان العنف تسلل بسهولة الى الفضاء الرقمي. ففي السنوات الأخيرة رأينا كيف انه لم تساهم خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي في تطبيع كراهية النساء والعنف ضدهن فقط، بل في تحويل التحريض ضدهن ونشر سموم الذكورية الى محتوى ترفيهي وربحي، ووفرت للذكوريين فرصاً لا متناهية للتأثير على الشباب وإعادة انتاج الأنماط التقليدية الرجعية، أذ تحول الفضاء الرقمي الى مرآة الواقع اضعافاً مضاعفة.
ربما من أحد أخطر ما انتجه الفضاء الرقمي ضد النساء في سياق تطبيع كراهية النساء هو التيار المسمى بالمانوسفير (الفضاء الذكوري)، الذي يدرب الشباب على أساليب اذلال النساء والترويج لكلمات عابرة للتلاعب النفسي الى شتائم واهانات الى أفعال تؤدي الى الاعتداء الجنسي والضرب وقد تكون خاتمته القتل.
لا تحظى حياة النساء المعنفات باهتمام إعلامي او مجتمعي يذكر، اذ ان قصصهن اليومية تبدو مملة ومتكررة وغير جديرة بعناوين الاخبار؛ ففي خضم مأساة البقاء، تتقلص مساحة حياتهن ووجودهن يوماً بعد يوم. وتبقى الحقيقة القاسية الاخرى وهي ان كل واحدة من اولئك النساء معرضة ان يكون مصيرها القتل او الانتحار في يوم من الأيام لتصبح رقما يضاف الى قائمة الارقام السنوية لضحايا العنف الأسري والمجتمعي.
مالذي يميز قتل النساء عن جرائم القتل الاخرى؟
تعاني واحدة من كل خمس نساء من العنف المنزلي، وهي ظاهرة منتشرة على مستوى العالم، ينتهي بعضها بالقتل وان قتل النساء لها خصائص تميزها عن جرائم القتل الاخرى:
- القاتل ليس شخصا غريبا: فمعظمها ترتكب من قبل شخص او اشخاص مقربين او من داخل العائلة في الغالب رجال، واحيانا بمساعدة من افراد العائلة والسبب الرئيسي لقتل النساء هو بسبب كونهن نساء. لاشك ان الرجال يقتلون ايضاً ولكن لأسباب مختلفة تماما خارج نطاق هذه المقالة.
- قتل المراة ليس حدثا عفويا او وليد اللحظة بل يحدث على خلفية تراكم سنوات طويلة من التهميش والعنف والاهانات والسيطرة القسرية. فالقتل ليس السلوك العنيف الأول او الوحيد الذي يمارسه الرجل القاتل ضد النساء؛ بل غالباً ما يكون لهؤلاء الرجال تاريخ طويل في ممارسة السلوكيات التسلطية والعنيفة ضد امرأة معينة أو ضد النساء عموماً. بالمقابل تكون المراة قد عانت الاظطهاد وحاولت التكيف وبذلت جهوداً جبارة في مقاومة العنف لسنوات عديدة والتجات الى كل اساليب الدفاع أملا منها بوقف او تخفيف حدة العنف من جهة، ومحاولة لحماية نفسها وأطفالها والحفاظ على تماسك هيكل العائلة التي يحمّلها المجتمع مسؤوليته بالكامل، من جهة اخرى.
- المنظومة المجتمعية تبرر للقاتل: الملفت للنظر في ظاهرة تعنيف وقتل النساء، وهو من العوامل الاساسية لاستمرارها، هو انه ليس ممارسة فردية لشخص معين، بل يشترك فيها المجتمع بكافة هياكله ومؤسساته، ويرتكبها القاتل واثقا من الدعم المجتمعي والتستر على الجريمة أو عقوبة مخففة (ان وجدت). اذ ربما يحدث العنف داخل خصوصية العلاقات العائلية وخلف الجدران وفي خفاء تام، ولكن ثقافة الهيمنة الذكورية ضمن المنظومة المجتمعية، تمهد وتبرر لهذا العنف باعطاء الرجل وظيفة تاديب المراة وضمان انصياعها للنمط السائد الذي يمحو وجودها ويحجب تحقيق ذاتها كانسانة، وبهذا تعطي الأحقية للقاتل على حساب “شيطنة” المرأة.
من يتعرض للعنف أكثر ومن يُعاقَب أقل؟
- اللامساواة في التعرض للعنف والاستغلال وإمكانية الحماية منه: بينما تتعرض النساء من كل الفئات الى التحرش والاستغلال في العمل، تتعرض النساء الأقل تعليماً اوالعاملات والنساء من الطبقات المفقرة و الفئات المظلومة الأخرى الى أشكال أكثر حدة أو عدائية من الاستغلال والتمييز كالأجور المتدنية والاعمال المرهقة وسهولة طردهن من العمل، في حين قد تواجه النساء اللواتي يشغلن وظائف ذات أجور أفضل انعدام المساواة، يتمثل -على سبيل المثال- في تفاوت الأجور مقارنة بالرجال او تفويت فرص الترقية أو الحصول على زيادات في الرواتب والابتزاز.
- اللامساواة في القدرة على الحماية: المرأة العاملة ذات الدخل المحدود لا تستطيع تقديم شكاوى أو تغيير بيئة العمل بسبب هشاشة وضعها، بينما تستطيع النساء المتمكنات مادياً تجنب بعض المخاطر أو طلب الدعم القانوني.
- اللامساواة في العقوبة: الامتيازات الذكورية لا تشمل كل الرجال بالتساوي؛ فالرجال ذوو النفوذ والسلطة يتمتعون بحصانة أكبر، بينما يُطبّق القانون بصرامة على الرجال من الطبقات المهمشة، في نظام تتداخل فيه الطبقية والطائفية والعنصرية لصالح الأقوى.
ان إنهاء قتل النساء والعنف الأسري ومواجهة الفكر الذكوري مهمة معقدة وشائكة، تتطلب تشخيصاً دقيقاً لكل أشكال العنف والاستغلال، وبناء حركة اجتماعية نسوية تحررية واسعة. تعتمد هذه الحركة على إعادة الصوت المقموع لهذا الجيش الهائل من النساء المهمشات، للوقوف في وجه هذه المنظومة المتجذرة وتفكك أركانها.
لقد كان المسار الذي خطته المناضلة النسوية والشيوعية ينار محمد، كرائدة للتغيير بكل حزم وثبات منذ عام 2003، نموذجاً راقياً يُحتذى به؛ إذ ربطت بصورة عملية بين نضال المرأة التحرري ومساواتها وبين النضال ضد استعباد النظام الرأسمالي. وعلى الرغم من التحديات الجسام، فإن هذه المسيرة مستمرة، شاقة طريقها نحو المستقبل ومكتسبة المزيد من الخبرات.
٣١ / ٨ / ٢٠٢٦
منظمة البديل الشيوعي في العراق تنظيم شيوعي عمالي منهجه الفكري والسياسي ماركسي مستنبط من “البيان الشيوعي”
