طارق فتحي
الإضراب هو التوقف عن العمل بصورة مقصودة وجماعية وهدفه الضغط على رب العمل من قبل العمال .يرتبط الإضراب العام بمشهد التوقف والتعطّل عن العمل، وهو تعطّل إراديّ يكون مقترناً بمطالبات وشعارات محددة.
بدأ استخدام كلمة “إضراب” في اللغة الإنجليزية عام 1768، عندما عمل بحارة في لندن على شل حركة السفن في احدى الموانيء تعبيرا عن تأييدهم لمظاهرات انطلقت في نفس المدينة. الدستور المكسيكي، كان أول دستور في العالم يضمن الحق القانوني في الإضراب وذلك عام 1917
أخذت الإضرابات العمالية زخمها وتزايدت أعدادها، وأصبحت سمة أساسية من المشهد السياسي مع بداية الثورة الصناعية في الثلاثينات من القرن التاسع عشر (1830)، ولم يمض الكثير من الوقت ليبدأ الإضراب الأكبر على مستوى بريطانيا، والذي بدأ في مناجم الفحم بستافوردشاير، امتد بعدها ليشمل بريطانيا بأكملها. قام بالإضراب وقتها أكثر من 500 ألف عامل.
وقد تحدث لينين في وصفه لإضراب في مدينة بتروجراد عام ١٩٠٥عن “الغريزة الثورية” للعمال قائلا: ـ
((يدهش المرء من سرعة التحول المذهلة من الأرضية الاقتصادية البحتة إلى الأرضية السياسية، ومن التضامن والطاقة الهائلة التي يظهرها مئات الآلاف من العمال وكل هذا بالرغم من أن التأثير الاشتراكي الديمقراطي (أي الثوري) غير موجود أو ضعيف)).

هي في الغالب الجهة الرئيسية المسؤولة عن الدعوة للإضراب، والدعوة إلى إنهائه. وهي من يوكلها العمال للتفاهم مع الشركات والمصانع، حتى يستطيعون الوصول إلى اتفاق مرضٍ للجميع. إلا أنه وفي بعض الأحيان، يمكن للعمال القيام بإضراب جماعي عفوي دون اللجوء للنقابات العمالية.
تعدّ النقابة أحد أشكال تنظيم النضال العمالي ضد أرباب العمل وسلطتهم السياسية (الدولة)، وقد ظهرت بعد أن خَبِرَ العمال ـ، بحكم تجربتهم الخاصة، استحالةَ مواجهةِ الاستغلال الرأسمالي منفردين.
تعود بدايات النقابات العمالية إلى القرن الثامن عشر، مع التوسع الصناعي السريع، والذي لم يعد قاصرا على الرجال، حيث بدأت النساء والأطفال بالانضمام إليه بأعداد كبيرة، مشكلين منظمات تجمعهم بشكل عفوي، لتكون تلك المنظمات هي نواة هامة لتطور العمل النقابي.
وقد طرح ماركس أيضا فكرة أن النقابات ستتحول من تنظيم المقاومة ضد رأس المال إلى الهجوم النهائي على السلطة الرأسمالية وقد كتب في بؤس الفلسفة: ـ
((تتخذ محاولات العمال الأولى للاتحاد فيما بينهم دائما شكل الروابط، فالصناعة الكبيرة تركز في مكان واحد حشدا من الناس لا يعرفون بعضهم البعض، والمنافسة تفرق بين مصالحهم، لكن المحافظة على الأجور-هذه المصلحة المشتركة التي تجمعهم ضد صاحب عملهم- توحدهم في فكرة واحدة للمقاومة ومن هنا فإن للرابطة دائما هدفا مزدوجا، وقف المنافسة بين العمال حتى يستطيعوا أن يواصلوا المنافسة العامة مع الرأسمالي وإذا كان الهدف الأول من المقاومة هو المحافظة على الأجور فبقدر ما يتحد الرأسماليون بدورهم في فكرة واحدة للقمع، فإن الروابط التي كانت معزولة في البداية تشكل نفسها في مجموعات وفى وجه رأس المال المتحد على الدوام، تصبح المحافظة على الاتحاد أكثر ضرورة لهم من المحافظة على الأجور، وهذا صحيح إلى حد أن الاقتصاديين الإنجليز يذهلون إذ يرون العمال يضحون بجزء كبير من أجورهم لصالح الاتحادات التي لا تقوم -في نظر هؤلاء الاقتصاديين- إلا من أجل الأجور. وفى هذا الصراع -وهي حرب أهلية حقيقية- تتحد وتتطور كل العناصر اللازمة لمعركة قادمة، وما أن يبلغ الاتحاد هذه النقطة حتى يتخذ طابعا سياسيا)).
دعونا نقرأ لـ لينين عن الأول من آيار
الأول من مايو – آيار –
أبريل 1904
أيها الرفاق العمال!
ها هو أول مايو/ايار، يوم احتفال عمال كافة البلدان باستيقاظهم إلى حياة واعية، وباتحادهم في النضال ضد كل عنف وكل اضطهاد للإنسان من قبل الإنسان، النضال الذي سيحرر ملايين الشغالين من الجوع والبؤس والإذلال.
يتجابه عالمان في هذا النضال الكبير، عالم الرأسمال وعالم العمل، عالم الاستغلال والاستعباد وعالم الاخوة والحرية. من جهة، ثمة حفنة من الأغنياء الطفيليين، احتكروا المعامل والمصانع والأدوات والآلات. وجعلوا ملايين الهكتارات من الأراضي وجبال الذهب ملكيتهم الخاصة. واجبروا الحكومة والجيش على خدمتهم وعلى حراسة وفية لما كدسوا من ثروات.
ومن جهة أخرى، ثمة ملايين المحرومين، يلزمهم أن يتوسلوا الأغنياء، كما ُتطلب المنة، ليسمحوا بالعمل لفائدتهم. هؤلاء المحرومون يخلقون بعملهم كل الثروات، ومع ذلك يتخبطون طوال حياتهم سعيا إلى كسرة خبز، طالبين عملا كما ُتطلب صدقة، مدمرين قواهم وصحتهم في كد مفرط، ويعيشون حياة تضور بالجوع في أكواخ القرى وفي الأقبية والانبار بالمدن الكبرى.
ها هم هؤلاء المحرومون، هؤلاء العمال، قد أعلنوا الحرب على الأغنياء، على المستغلين. يناضل عمال كافة البلدان من اجل تحرير العمل من عبودية العمل المأجور، ومن الفاقة والبؤس. انهم يناضلون من أجل تنظيم المجتمع على نحو يجعل الثروات، الناتجة عن كدهم المشترك، تنفع كل الذين يعملون وليس حفنة أغنياء. يريدون جعل الأراضي والمعامل والمصانع والآلات ملكية جماعية لكل الذين يعملون. يريدون ألا يبقى ثمة فقراء ولا أغنياء، وأن تؤول ثمار العمل إلى الذي يجهدون، وان تؤدي كل فتوحات العقل البشري، وكل ما لحق العمل من إتقان، إلى تحسين حياة من يعمل، بدل أن تكون أداة لاضطهاده.
كلف نضال العمل الكبير ضد الرأسمال عمال كافة البلدان تضحيات جسيمة. فقد سالت دماؤهم بغزارة من اجل الدفاع عن حقهم في حياة أفضل وفي حرية حقيقية. وبات لا ُيعد ولا ُيحصى ما يتعرض له المناضلون من اجل القضية العمالية من اضطهاد من قبل الحكومات. لكن تحالف عمال كافة البلدان يكبر ويتعزز رغم أشكال الاضطهاد. ويتحد العمال على نحو أوثق فاوثق داخل الأحزاب الاشتراكية، وُيعد أنصار الأحزاب الاشتراكية بالملايين ويتقدمون خطوة خطوة، بلا ريب، نحو انتصار شامل على طبقة الرأسماليين المستغلين.
استيقظت البروليتاريا الروسية، هي أيضا، إلى حياة جديدة. انضمت هي أيضا إلى هذا النضال الكبير. مضت أيام كان عامل بلدنا يخضع، ولا يرى خلاصا من وضعه المستعبد، لا يرى بصيصا في حياة السجين التي يعيش. فقد دلت الاشتراكية على ذلك الخلاص وتوافد نحو الراية الحمراء، نجمتهم القطبية، آلاف وآلاف المحاربين. أبرزت الإضرابات للعمال قوة الاتحاد، وعلمتهم أن يقاوموا. وأبرزت ما يمثله العامل المنظم من خطر على الرأسمال. وعاين العمال بأم أعينهم كيف يعيش ويغتني الرأسماليون والحكومة من عملهم. وانتصب العمال لخوض النضال المشترك نحو الحرية والاشتراكية. وأدرك العمال ما تمثله الاوتوقراطية من قوة سيئة ومظلمة. العمال بحاجة إلى الحرية كي يناضلوا لكنهم مكبلو الأيدي والأرجل. العمال بحاجة إلى حرية الاجتماعات والى الكتب والجرائد الحرة، لكن الحكومة القيصرية تقمع بالسجن والسياط والبنادق كل توق إلى الحرية. وقد دوت صيحة “تسقط الاوتوقراطية!” في روسيا برمتها. وغالبا ما تتكرر، على نحو متزايد، في الشوارع وفي اجتماعات ألوف العمال. في الصيف الماضي انتصب عشرات ألوف العمال في جنوب روسيا برمته للنضال من اجل حياة أفضل، ومن اجل الانعتاق من النير البوليسي. وارتدعت فرائص البرجوازية والحكومة لرؤية الجيش العمالي المهيب، الذي شل دفعة واحدة كل صناعة المدن الكبرى. وسقط عشرات المحاربين من اجل القضية العمالية برصاص جنود القيصر المرسلين إلى العدو الداخلي.
لكن ما من قوة قادرة على هزم هذا العدو الداخلي، لأن عمله هو الوسيلة الوحيدة لعيش الطبقات الحاكمة والحكومة. لا توجد بالعالم قوة قادرة على هزم ملايين العمال متزايدي الوعي والاتحاد والتنظيم. تستثير كل هزيمة عمالية كتائب جديدة من المحاربين، وتجبر جماهير أوسع فأوسع دوما على الاستيقاظ إلى حياة جديدة والاستعداد لنضال جديد.
والحال أن روسيا اليوم مسرح لأحداث تحتم تسارع هذا الاستيقاظ وتوسعه، وتفرض علينا شد كل قوانا لتجميع صفوف البروليتاريا لأعدادها لنضال أشد حسما. تثير الحرب اهتمام أشد شرائح البروليتاريا تأخرا بشؤون السياسة ومسائلها. وتكشف الحرب بمزيد من الالق، وتظهر بمزيد من الجلاء، كل فساد النظام الأوتوقراطي وكل السفالة الإجرامية لهذه العصابة من الشرطة والممالقين التي تحكم روسيا. يعاني شعبنا من البؤس ويموت جوعا في بلده، فيجرى القاؤه في حرب مدمرة ومجنونة من اجل الظفر بأراضي جديدة، أراضي الآخرين، حيث يعيش سكان أجانب وعلى بعد آلاف الكلومترات. يطالب شعبنا بإعادة بناء النظام السياسي الداخلي فيجري صرف انتباهه بدوي المدافع في أقاصي العالم.
لكن الحكومة القيصرية مضت بعيدا في لعبتها المجازفة، في هدرها الإجرامي للثروة الوطنية والقوى الفتية التي تهلك في ضفاف المحيط الهادئ. تقتضي كل حرب شد قوى الشعب، لكن الحرب الشاقة ضد اليابان المتحضر والحر تتطلب من روسيا توترا خارقا. ويجري فرض هذا التوتر في لحظة بدأ هيكل الاستبداد البوليسي يترنح تحت ضربات البروليتاريا المستيقظة. تكشف الحرب كل مكامن ضعف الحكومة، وتفضح الحرب الشعارات الكاذبة، وتعري الحرب الفساد الداخلي ، وتدفع الحرب غباوة الأوتوقراطية القيصرية إلى درجة بادية للعيان، وتبرز الحرب للجميع احتضار روسيا القديمة، روسيا المحرومة من الحقوق، المظلمة والمهانة، روسيا المستعبدة من حكومة بوليسية.
تشرف روسيا القديمة على الموت. وتنهض مكانها روسيا حرة. وتهلك قوى الظلام التي كانت تحمي الأوتوقراطية القيصرية. لكن وحدها البروليتاريا الواعية، البروليتاريا المنظمة، قادرة على توجيه الضربة القاضية إليها. البروليتاريا الواعية والمنظمة قادرة دون غيرها على الظفر للشعب بحرية حقيقية وليس بحرية زائفة! إن البروليتاريا الواعية والمنظمة هي القادرة، دون غيرها، على صد كل محاولة لخداع الشعب، وبتر حقوقه، وجعله مجرد أداة بيد البرجوازية.
أيها الرفاق العمال!
استعدوا إذن بقوة مضاعفة للنضال الحاسم الوشيك! فليوثق البرولتاريون الاشتراكيون -الديمقراطيون صفوفهم! ولتتسع دعاوتهم أكثر! ولتتضاعف جرأة التحريض من اجل المطالب العمالية! وليكسبنا عيد أول أيار ألوف المحاربين الجدد ويضاعف قوانا في النضال الكبير من اجل حرية الشعب برمته، من اجل تحرير كل العمال من نير الرأسمال!
عاش يوم العمل من ثماني ساعات!
عاشت الاشتراكية-الديمقراطية الثورية الأممية!
تسقط الأوتوقراطية القيصرية المجرمة والجشعة.
( منقول من صفحة الحوار المتمدن – العدد ٢٢٦٨ في ١ / ٥ / ٢٠٠٨ – الصفحة الخاصة بـ لينين )
المقال منشور في العدد 8 من جريدة الغد الاشتراكي بتاريخ 15.4.2020
منظمة البديل الشيوعي في العراق تنظيم شيوعي عمالي منهجه الفكري والسياسي ماركسي مستنبط من “البيان الشيوعي”
