الحركة النقابية في بريطانيا، تاريخ موجز

تأليف: المؤرخ الماركسي (الین هوت – Allen Hutt). ١٩٤١-١٩٤٢/ لندن

ترجمة من الانكليزية: ثريا طاهر

الحقبة الثالثة. الفصل الثالث: النقابوية الجديدة (١٨٨٠-١٩٠٠)

إن أزمة الحركة النقابية للعقد الثامن من القرن التاسع عشر كانت مظهراً من مظاهر الأزمة الاجتماعيةً العميقة الناتجة عن وصول الاحتكار الصناعي البريطاني الى النهاية، أي خلع طاغية السوق العالمية من العرش. كان الركود في القطاعات الكبيرة للصناعة غير قابل للإصلاح من حيث اتساع رقعة الفقر وشدّته الى درجة اجبر الاقتصادي المدافع عن الرأسمالية روبرت گيفن ان يهتف بقوة “لا أحد يستطيع ان يراقب الوضع الحالي للجماهير دون ان تتملكه الرغبة في احداث شيء يشبه الثورة نحو الإصلاح”. تسبب هذا التصريح في قطع الرابط الذي كان يوصل الطبقة العاملة مع اصحاب أعمالهم، فوُلِدَت الاشتراكية من جديد في بريطانيا وتجسّدت حركة الطبقة العاملة كما نعرفها.

كانت حركة النقابات المندمجة تحتضر كلّياً، اذ قاطعت ادعاءاتها في الدفاع عن مبادئ أعضاءها واصبحت كما يقول ويبس “فرعاً راكداً من حركة جمعية الصداقة”. رفعت الاشتراكات والتبرعات وقامت بتخفيض مستوى المساعدات بل وقطعتها تماماً عن الكثيرين من أعضائها. إذاً من اين كان المَخرَج؟ شخّص إنجلز المعضلة معلناً في (ذي ليبر ستاندرد – جريدة مجلس نقابات لندن) عام ١٨٨١، وقال بانه “مع تراجع الاحتكار البريطاني للصناعة لم يبقى بإمكان النقابات الحفاظ على قوتها في التنظيم الا إذا سارت في عربة الطبقة العاملة”. كان هذا يعنى كسر الحلقة المفرغة لحركة مقتصرة على الأجور وساعات العمل، كذلك وقف النقابة عن ان تكون “ذيلاً” لـ “الحزب الليبرالي العظيم”. كان يجب ان يُبنى من النقابات حزب كُل الطبقة العاملة، أي “بناء تنظيم سياسي للطبقة العاملة ثم بناء نظام اجتماعي جديد”.

اما بالنسبة للقادة اصحاب السلطة او العصابة القديمة كما أصبحوا يُسمّون، وقعت هذه المناشدة في آذان طرشاء، اذ كانوا مكبّلين من أطرافهم الأربعة بالليبرالية الگلادستونية (وليم گلادستون كان رئيساً للوزراء وقائداً للحزب الليبرالي لأربع دورات متفرقة في الفترة ما بين عامي ١٨٦٨و ١٨٩٤) وبأرثوذوكسية الطبقة الوسطى. ما كان يقدمه الرجال الذين انتصروا فيما مضى على الزمرة المتسلطة على الحركة، لم تبقى القيادة بل التنازل والخضوع. لقد سيطروا على مؤتمر النقابات الذي كان هنري برودهيرست (من نقابة الحَجّارين) سكرتيراً له، وكان كل من جون بيرنيت (اتحاد المهندسين)، ج.د پريور (نقابة النجارين)، جورج شيپتون من (مجلس النقابات اللندنية) في مقدمة المؤتمر. لقد تلخّصت كل سياسة ال (تي.يو.سي) في تلك الايام على ” الخمول الحقير ” (ويبس ص-٣٩٩). أضاف الرائد الاشتراكي وليم موريس في محاضرة عن الاشتراكية القاها عام ١٨٨٥: لم تعد النقابات تمثل الطبقة العاملة كعمال، بل اصبحت إدارة للحفاظ على القسم العضوي (العمال) من الماكنة الرأسمالية كي يعمل بشكل جيد ويتحرر من اي أثر للسخط على النظام.

كان الاشتراكيون، من القادة المفكّرين خارج النقابات والنقابيون الشباب، هم الذين رسموا خارطة الطريق وقادوا الحرب ضد العصابة القديمة وأحدثوا ثورة في الحركة النقابية. مع ذلك كان هناك فرقاً شاسعاً بين محدودية وسلبية طبيعة النقابات القديمة وبين الطبيعة الرجعية وفساد قادتها. كان كل من إنجلز والنقابي الاشتراكي توم مان و جون بيرنس من اتحاد المهندسين بالاضافة الى اول تنظيم اشتراكي موجود في حينه، اتحاد الاشتراكيين الديمقراطيين، هم الذين ينتقدون الوضع. كان بعض من النقد إيجابياً ويرى ضرورة اخذ القدرة الثورية الكامنة للحركة النقابية بنظر الاعتبار؛ وبعض آخر كان سلبياً، عقائدياً وضيق الافق يعكس آفاق الطبقة الوسطى (الماركسية الزائفة) لأتحاد الاشتراكيين الديمقراطيين ال (اِس.دي.اِف) وقائده المستبد هايندمان “الذي يحمل عداءً سافراً للنقابات دون اخذ مكانة الاشتراكية في الحسبان” (من مذكرات توم مان ص٥٧). فيما بعد سنرى الآثار الجدّية التي تركتها النظرة العقائدية على مستقبل الحركة.

كان الاتحاد العام للنقابات الـ (تي.يو.سي) ساحة قتال بين “العصابة القديمة” ومن يتحدّاهم والذي كان يمثلهم عامل المنجم الشاب المندوب من آيرشير، كيير هاردي. بات الجدل في المؤتمرات وفي الصحافة يجري بشكل مرير وشخصي، وقد وصل الامر الى ذروته في مؤتمر دونديي عام ١٨٨٩. فالهجوم الذي شنّه السكرتير برودهيرست كان يُذكر دوماً من قبل الجيل الذي اعتاد على هجمات السادة بيڤن و والتر سيترين على اليسار، كما تم التعامل اثناء المؤتمر مع كيير هاردي بسخرية متجاهلاً ما قدم هاردي من تضحيات في هذه الحركة العمالية العظيمة. انتقد هاردي بشدة اتفاقات برودهيرست مع برونير (برونير، موند وشركائهم كانوا من رواد الصناعات الكيمياوية الإمبريالية الحديثة) الذي كان رأسمالياً ليبرالياً كبيراً سيّء السمعة بسبب فضيحة الانفجار الذي حصل في مصنعه للكيمياويات.

أعلن هاردي: الذين ينشرون الخلافات داخل النقابات ويعملون على تحطيم الحركة النقابية عن طريق القيام بهجمات عنيفة على ممثليها البارزين … يُدخلون مبعوثيهم الى معسكراتنا على شكل أصدقاء ليتمكنوا من زرع بذرة التشويش والاضطراب بسهولة …ليكن العمال حذرين منهم. وأنهى حديثه بصراخ: اطردوا هذه الكائنات من أوساطنا! رغم ان احراز النجاح الساحق نتيجة التصويت في الكونگرس كان مكافأة للعصابة القديمة، لكنهم عملياً كانوا على ابواب الهزيمة.

كانت هناك إشارات سابقة بوجود قوى جديدة في طريقها الى التحرك. ففي تموز عام ١٨٨٨ نُظِّم إضراب عاملات معمل ” بريانت & مه ي ” لصناعة الشخاط في ايست ايند بقيادة اشتراكية وكسب الاضراب شعبية واسعة. نُظِّم هذا الإضراب الناجح ضد المخاطر التي كانت تولدها هذه الصناعة وتتعرض لها العاملات، كذلك لفضح عدد من السياسيين الليبراليين من اصحاب الأسهم فيها. كان “هذا الضوء ضرورياً ليصيب الجبل الثلجي بالانهيار كاملةً” -إنجلز. ثم تَبعه إضراب عمال الغاز في بيكتون، حيث عدد ساعات عمل الوقادون (الشخص الذي يقوم بملء الفرن وايقاده) للوجبة الواحدة (شيفت) اثناعشرة ساعة في اليوم وثلاثة عشرة يوماً في أسبوعين. طالب العمال المضربون بيوم العمل من ثمان ساعات، اثنى عشر يوماً في أسبوعين و زيادة شيلينگ واحد لأجورهم لكل شيفت عمل. بحث ويل ثرون الذي عمل كوَقّاد في بيكتون، عبثاً عن مساعدة من الليبراليين لرفع قضيتهم الى البرلمان، ثم لجأ الى الاشتراكيين الذين نصحوه بدورهم بتشكيل نقابة وساعدوه بقوة في تنفيذ هذه المهام، لا سيما من قِبَل اليانور ماركس (ابنة ماركس الأكثر موهبةً) وزوجها ادوارد اڤيلينگ. سرعة قبول العضوية في النقابة الجديدة لعمال الغاز ونقابة العمال العموميين مكّنت العمال بسرعة من تسليم أنذار يهدد بالإضراب، اذ كانوا في موقع قوي لدرجة خضعت شركات الغاز لكافة مطالبهم باستثناء مطلب رفع الأجور، حيث حققوا زيادة ستة پنسات للشيفت الواحد بدلاً عن شيلينگ (اي النصف).

بعد نجاح اضراب عمال الغاز بأيام قلائل، تحركت ” بَرَكة البؤس الراكدة ” في لندن التي كانت بمثابة الجبهة الأمامية واصبحت في حالة هيجان قوية. اذ حدث إضراب تلقائي لعمال شحن السفن في الجنوب الغربي لاينديا دوك بسبب الاعتراض على عدم دفع اجر إضافي متفق عليه مسبقا مقابل شحن حمولة معينة، وتحول خلال اقل من أسبوع الى اضراب عمومي لعمال الشحن. هكذا تكهرب العالم بحركة اصابت أكبر موانئه بالشلل. تحت قيادة الاشتراكي جون بيرنس، توم مان، بين تيلليت و اليانور ماركس كسكرتيرة لجنة الإضراب، استيقظت الجوعى من نومهم (وهبّوا ضحايا الاضطهاد – مقتبس من نشيد الاممية). كان ضمن المطالَب المبدئية تحديد الحد الأدنى للأجر بستة پنسات للساعة الواحدة، اجر إضافي للعمل الاضافي، الحد الأدنى للتشغيل لا يقل عن أربع ساعات (في حالة العمل بالساعات). استمر الإضراب اربعة أسابيع، غذّته موجة من التضامن الاممي لم يسبق لها مثيل، من مجموع ٤٨ ألف پاوند تبرعات لصندوق الإضراب كان ٣٠ ألف پاوند منه مرسلاً من استراليا. رغم ان محاولات التدخل عن طريق وسطاء معينين من قِبل الكاردينال مانينگ و اللورد بوكستون (السياسي الليبرالي الذي رفض ان يساعد عمال الغاز)، أعاقت عمال الموانئ من تحقيق جميع مطالبهم، لكنهم ربحوا الست پنسات كحد أدنى للأجر و جذب هذا النجاح جمهرة غير الماهرين الى التنظيم بطريقة فقط تشبه الايام الرائعة لعام ١٨٣٤.

في العام التالي التحق أكثر من مائتا ألف عامل (كان يُقال عنهم في حينه بأنهم ليسوا قادرين على التنظيم) بصفوف الحركة النقابية التي تحولت تدريجياً فيما بعد.

كتب إنجلز: تختلف هذه الفئة غير الماهرة من الرجال كثيرا عن الإخوة المتحجرين للنقابات القديمة. لا يملكون ذرة من روح الشكلية التي يمتاز بها المهندسون على سبيل المثال، لخصوصية حرفتهم، بل بالعكس هناك دعوة عامة من قبلهم لتنظيم كافة النقابات في أخوّة واحدة وللصراع المباشر ضد الرأسمال. (رسالة الى هيرمان شلوتير، ١ كانون الثاني/١٨٨٠)، لقد امتدت نقابة عمال الموانئ، التي تشكلت نتيجة الإضراب، من لندن لتضم الموانئ الرئيسية الاخرى. قام عمال الغاز بتنظيم العمال غير الماهرين من مختلف المهن ومن مختلف المقاطعات وبسرعة أعلنوا وصول عدد الأعضاء الى سبعين الفاً. كانت سكك الحديد حينئذ احدى النقاط الأكثر سواداً من حيث شدّة الاستغلال وغياب التنظيم، منها ظهرت (النقابة العامة لعمال سكك الحديد) لتتحدّى وتُعزّز (الجمعية المتحدة لمستخدَمي سكك الحديد – ئَي.اِس.آر.اِس) التي كانت ضعيفة وغير فاعلة. لقد انعكست الروح السائدة للحركة النقابية الجديدة في مقولة “ان النقابة يجب ان تبقى محارِبة ولا يجب ان تُثقَل كاهلها بمِنَح المرض والحوادث..”. تشكّلت نقابة البحارين وعمال الإطفاء في عام ١٨٨٧، بعد مرور سنتين سجّلت ٦٥ ألف عضو. انتشر التنظيم في مناجم الفحم بقوة حيث ارتفع عدد أعضاء اتحاد عمال المناجم (الذي تشكل عام ١٨٨٨ وضمّ فقط ٣٦ ألف عضو) بسرعة الى مائتا ألف عضو وأصبح التنظيم العام الدائمي لعمال المناجم في بريطانيا. تأثراً بقوة وإرادة هذه الحركة الجديدة في المدن، انتعشت الحركة النقابية في الارياف ايضاً، ونهضت بقايا نقابة جوزيف آرچ من جديد وتشكّلت نقابات جديدة بشكل ملحوظ في المقاطعات الشرقية. كانت حرفة الطباعة في لندن تتصف بالتعالي والتميز، لذلك قام العمال المهمّشون في غرفة المكائن بتشكيل (نقابة عمال الطباعة) التي نمت وتحولت الى الهيكل الكبير العام الذي نعرفه اليوم بإسم (ناتسوپا). لم تكن هذه التطورات دون أثر على النقابة الحرفية القديمة، بل اتخذت عملية انخفاض عدد الأعضاء اتجاها عكسياً وسُجِّلت أعداداً تضاهي اثنين وحتى ثلاثة أضعاف في بعض الحالات من ما كان لديهم من اعضاء قبل ١٨٨٩. ثم بدأت الأُطر الضيقة السابقة بالتلاشي وحل محلها الانفتاح، ففي عام ١٨٩٢ قام اتحاد المهندسين بإعادة النظر في قواعده وفتح صفوفه ليضم كافة فئات الميكانيكيين. وبهذا التضامن الجديد تم تأسيس أكثر من ستين مجلساً للنقابات بين ١٨٨٩-١٨٩١.

شنَّت الحركة النقابية الجديدة أولى حروبها من خلال تنظيم حركة عمومية من اجل يوم عمل من ثمان ساعات. علماً بان هذه النقطة كانت لفترة موضع خلاف بين الاشتراكيين و “العصابة القديمة” في الاتحاد العام للنقابات الـ (تي.يو.سي)، والآن تحولت نظرة النقابات بشكل مُطرَد نحو تحقيقها. لقد أصبح النداء الأولي الذي أُطلق من قِبل مؤتمر باريس لعام ١٨٨٩ من اجل اعادة الأممية (أُسّست الاممية الثانية في تموز ١٨٨٩في مؤتمر باريس وانتهت مع بدء حرب العالمية الاولى ١٩١٤) صرخة انتعشت على أثرها الحركة النقابية وتجسد هذا الانتعاش في الاول من آيار عام ١٨٩٠ عندما تظاهر مائتا ألف شخص في هايد پارك واصبحت التظاهرة استعراضاً رائعاً لقوة الحركة النقابية الجديدة. كان هذا نصراً متميزاً للقيادة الماركسية لنقابة عمال الغاز (التى كانت اليانور ماركس كما وصفها إنجلز صراحةً – رئيستها- وأعدّ زوجها ادوارد ايڤلين النظام الداخلي للنقابة). لقد استقرت هذه النقابة في مركز حركة تشريع يوم العمل من ثمان ساعات وعصبة الاممية العمالية، التي تأسست تبعاً لنجاح الاول من آيار والهدف النهائي منها كان تنظيم حزب عمالي مستقل على نطاق واسع. من الملاحَظ ان ظهور اممية جديدة ومتحمسة كانت من الملامح الحيّة لهذه الفترة. هنا ظهرت نقابة عمال الغاز في المقدمة مرة اخرى وملف نشاطاتها السابقة كان شاهداً على هذا. قُدِّم التقرير الذي أعدته النقابة عن بريطانيا مع عصبة الثمان ساعات لمؤتمر الاممية في بروكسل عام ١٨٩١ (تمت الصياغة الأولية من قبل اليانور و اڤيلينگ)، وكما قال ويل ثورن، “تم قبوله بشكل عام، اذ كان من احسن و اثمن ما قُدِّم للمؤتمر”.

عندما أنعقد المؤتمر الثالث للنقابات في أيلول عام ١٨٩٠ في ليڤرپوول، كانت “العصابة القديمة “تستند ظهرها على الجدار. و تم تقديم جون بيرنس و توم مان كمرشحين عن اتحاد المهندسين الـ (ئَي.إس.اي) المتغطرسة، و من ثم تم تكليفهما بالعمل على التصويت لصالح يوم العمل من ثمان ساعات. بعد اجراء نقاشات حادة تم تبنّي القرار حول هذه النقطة ب ١٩٣ صوت مقابل ١٥٥صوت، واستقال برودهيرست امتعاضاً من سكرتارية المؤتمر. المؤتمران القادمان أثبتا فعلياً انتصار الاشتراكيين بشأن هذه المسألة، مؤتمر نورويچ عام ١٨٩٤ تبنّى القرار ب ٢١٩ صوت مقابل ٦١. كما تبنى المؤتمر قراراً شاملاً لمساندة حركة كيير هاردي (السابقة الذكر) – الوقوف ضد “العصابة القديمة”.

بطبيعة الحال كان التحدي الأكبر امام النقابات الجديدة هو عدم قبول فرض التراجع من قِبَل ارباب العمل، فكانت تجمع قِواها وتبحث عن طرق لهجوم مقابل. انتهى اضراب آخر لعمال الموانئ في عام ١٨٩٣ ضد اصحاب العمل من اجل (التسجيل الحر للعمال) بالهزيمة. اتحد المهندسون في عام ١٨٩٧ و بعد صراع مرير و طويل فرضوا قضيتهم على الـ (ئَي.إس.اي) وعملوا تماماً كأسياد في أماكن عملهم . بناءً على طلب اصحاب المناجم تدخل الجيش عند حدوث اضرابي المناطق المتحدة عام ١٨٩٣، اذ قام بفتح النيران على العمال المضربين في فيذرستون في يوركشير وقُتِل عددُ منهم، واضراب ويلز الجنوبية في عام ١٨٩٨، الذي كان ضد النظام المتَّبَع لتحديد الاجور حسب قيمة الفحم ويسمى (المقياس الانزلاقي). لقد انتهى الإضراب بالهزيمة وقتل عدد من المضربين، لكنه أنتج تأسيس اتحاد عمال المناجم في ويلز الجنوبية. علماً ان هذين الإضرابين كانا من أكبر اضرابات المناجم في هذه الفترة. ومن جانب آخر انتهى اضراب المغازل لعام ١٨٩٣ في لانكشير بعد اتفاق بروكلند المشهور.

في هذه الأثناء، قام عدد من ارباب العمل من ذوي النفوذ بتشكيل (مجلس ارباب العمل في البرلمان) والذي كان عدواً شرساً للاتحادات العمالية. قدم المجلس الدعم المالي للمرتد المغامر ويليم كوليسون من اجل تشكيل اتحاد لكسر الإضرابات سمّي (اتحاد العمال الأحرار – فري لييبر اسوسييشن)، كما شَن حملةً للترويج لإقرار قانون جديد ضد النقابات ونالت الحملة تأييد المحاكم، حيث قامت بدورها بتصويب قرارات تضمن حقوق الاعتصام والمقاطعة فقط للشركات غير المنتمية للنقابات، بطريقة جعلت الوضع القانوني للنقابات قلقاً وخطيراً في نهايات التسعينات.

كانت الكارثة الكبرى، اثناء هذه التطورات في الأوضاع، الانفصال بين النقابوية الجديدة والاشتراكية (الاشتراكية الثورية). تقع المسؤولية الكبرى لحدوث هذه الكارثة على عاتق اتحاد الاشتراكيين الديموقراطيين الـ (اِس.دي.اِف) وتعصّبها والتي اساءت فهم النقابوية الجديدة و هاجمتها منذ البدء… “الإصرار على رفع الراية الحمراء لجون بورن اثناء اضراب عمال الموانئ، بإمكان هكذا عمل ان يحطِّم الحركة بأكملها وبدلاً من ان يجلب النصر للعمال سيعيدهم الى احضان الرأسماليين”. (إنجلز – مقابلة مع جريدة ديلي كرونيكل – الاول من تموز ١٨٩٣). ورفض الـ (اِس. دي.اِف) بدوره بان يدخل في (حزب العمال المستقل – آي.ايل.پي)، الحزب الذي احتضن جميع العمال و شكّله القادة النقابيون المتقدمون في ١٨٩٣ . لاحقاً وقع الـ (آي.ايل.پي) في الانحراف بالاتجاه المعاكس، اتجاه الانتهازية المهتزّة، ما مكّنت من استقبال أمثال الليبرالي جيمس رامسي ماكدونالد الذي صرّح علناً بان تحوّله من الليبرالية الى الـ (آي.ايل.پي) لا يعني التغير في مبادئه السياسية!

كان العام ١٨٩٥ ذو أهمية بالغة فيما يتعلق بالمستقبل، اذ فيه وصلت موجة الاعتراضات ضد الـ (اللانقابوية – non-unionism) التي اصبحت سائدة، حتى ذروتها. كما شهد العام وفاة فريدريك أنجلز ونَذر بتراجيديا عائلة اڤيلينگ (زوج اليانور ماركس) وانتحار اليانور بعد ثلاث سنوات. هذه الاحداث حطّمت المجموعة الماركسية الصغيرة التي كانت تقود الحركة. كما شهد محاولة المرشحين الاشتراكيين للمشاركة في الانتخابات العمومية على نطاق واسع، حيث رشّح ال (آي.ايل.پي) ٢٨ شخصاً و الـ (اِس.دي.اِف) ٥ أشخاص ولم يفُز أحدُ منهم بمقعد، بما فيهم كيير هاردي من ويستهام و الذي كان قد فاز قبل ثلاث سنوات. استمر هذا التراجع السياسي للقوى الاشتراكية من النقابويين الجدد، واستجمعت عناصر رجعية داخل ال (تي.يو.سي) شجاعتها في مؤتمر كارديف لوضع نُظُم تهديدية و أُقصيت مجالس النقابات التي أنجبت بنفسها الـ (تي.يو.سي) في الستينات. في هذه الانتخابات وُضِعَ التصويت بالكارت موضع الاستعمال للمرة الاولى. الذين لم يكونوا موظفين في النقابات او يعملون داخل نقاباتهم اُعتبروا غير مؤهلين للترشيح (كانت هذه ضربة لهاردي و بيرنس و آخرون). كان تأثير هذا جلياً في عدم فوز بين تيللي لإعادة انتخابه للجنة البرلمانية وكذلك في رفض لقرار تأميم ب ٦٠٧ ألف مقابل ١٨٦ ألف صوت، استمرت النزعة الرجعية وفي مؤتمر برمنكهام في ١٨٩٧ رُفِضت الدعوة للمشاركة في مؤتمر اممي بنسبة ٣١٧ ألف صوت مقابل ٢٨٢ ألف صوت، ليس هذا فحسب، بل احدثت عدداً من النقابات الجديدة تغييرات هائلة بداخلها. كتب المراقب الفرنسي لعمال الموانئ يقول: لقد تغيرت الصفة القتالية الأصلية للاتحادات … لا زال ما يُدفع للعمال اثناء الاضراب يلعب دوراً ولو صغيراً ولكن حتى هذا لم يُحدد مقداره … في نفس الوقت تتعرّض مساعدات الدفن لتعديلات قانونية دقيقة. (پي.دي.روسيرز، الحركة النقابية في انكلترا -١٨٩٤. ص. ١٨٤).

لقد شهدت هذه السنوات ارتفاعاً في الإيرادات القادمة من الاستثمار الخارجي، كانت الإمبريالية تنمو بخطوات عملاقة؛ جاء الاحتكار الاستعماري الجديد ليحل محل الاحتكار الصناعي المتلاشي وبشكل مختلف مكّن الطبقة الحاكمة من الاستمرار في تفريق الطبقة العاملة ومنح امتيازات لقطاعات محددة منها، واستمر الارتفاع في الاجور حتى بداية القرن. رغم كل هذه كانت النقابات تفتح طريقها نحو ايجاد حركة سياسية مستقلة مما جعل هجوم اصحاب العمل الجدد عليها محتوماً.

نهاية الحقبة الثالثة

(المقال منشور في العدد 8 من جريدة الغد الاشتراكي بتاريخ 15.4.2020)

الحركة النقابية في بريطانيا، تاريخ موجز تأليف : المؤرخ الماركسي الین هوت  ١٩٤١-١٩٤٢/ لندن

 

الحركة النقابية في بريطانيا، تاريخ موجز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الأوضاع السياسية الحالية في العراق وسياستنا

 مقرر الاجتماع الموسع الثالث للجنة المركزية لمنظمة البديل الشيوعي في العراق   الانتخابات والبرلمان سلب ...

التيار الماركسي وخط منظمة البديل الشيوعي

الأساسيات ان ظهور الحركة الشيوعية تاريخيا يرجع الى ظهور نقد العمال للرأسمالية، ولنظام العمل المأجور؛ والشيوعية ...

الأزمة الرأسمالية، الصراعات الامبريالية  و الرأسمالية في العراق

أزمة الرأسمالية المعاصرة ان سيادة علاقات الإنتاج الرأسمالية، الإنتاج السلعي الموسع والتشكيلة الاقتصادية والاجتماعية الرأسمالية، ...

إنهاء نظام الثورة المضادة وبرلمانه، مرهون بتطور النضال الجماهيري الثوري

في مسرحية مفضوحة للقوى والأحزاب البرجوازية الإسلامية والقومية الحاكمة في العراق، عقد برلمان هذه القوى ...

نساء الانتفاضة العدد 100

   

%d مدونون معجبون بهذه: