لايمكن التغلب على كورونا والاوبئة المستقبلية الا بالغاء الخصخصة في ميدان الصحة

شيرين عبدالله

تعهدت بلدان العالم بتوفير الرعاية الصحية الاساسية لمواطنيها في مؤتمر استانا لمنظمة الصحة العالمية في اكتوبر2018 وهي المرة الاولى التي يلتزم فبها قادة الدول بتوفير الرعاية الصحية الاساسية وياتي هذا التعهد بعد مرور 40 سنة على اعلان ألما -أتا التاريخي الذي وضع اساسا للرعاية الصحية الاولية والتي تم فيها التعبير عن القلق ازاء اللامساواة الفاضحة في المستوى الصحي بين البلدان والاشارة الى ان ذلك امر غير مقبول اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.

وقال الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في مؤتمر استانا: “انه يفتقر نصف سكان العالم ال 7.3 مليارعلى الأقل إلى إمكانية الحصول على الخدمات الصحية الأساسية – بما في ذلك الرعاية المتعلقة بالأمراض غير السارية والسارية، ورعاية صحة الأمهات والأطفال، والصحة النفسية والجنسية والإنجابية”.

حسب منظمة الصحة العالمية فانه من بين 30 بلداً تتوفّر عنها بيانات، لا ينفق سوى 8 بلدان 40 دولاراً أمريكياً كحد أدنى لكل شخص على الرعاية الصحية الأولية في السنة.

وها نحن اليوم في مواجهة ضارية مع وباء كورونا العالمي وبالرغم من مرور 42 عاما على الاعلان الاول لألما – أتا، مازال هناك تفاوت كبير ليس فقط بين الانظمة الصحية لدول العالم بل تفاوت شاسع بين فئات البلد الواحد وذلك جزئيا بسبب انعدام خدمات الرعاية الصحية الاولية وكون الطب والعلاج خاضعين لقوانين السوق والتجارة التي تعتمد الربح اساسا لها وليس صحة الانسان.

ومما يزيد من سخط الجماهير على حكوماتها في العديد من بلدان العالم هي مماطلتها وتلكؤها في التنسيق عالميا واتخاذ الاجراءات اللازمة لحماية مواطنيها وتوفير وسائل الوقاية والعلاج الملائمة للمصابين بالمرض والحماية للكوادر الطبية وكل ذلك بسبب وضع الاعتبارات الاقتصادية للسوق فوق الاعتبارات الصحية لمواطنيها.

ان العديد من بلدان العالم تعتمد نظام الرعاية الصحية الخاصة التي تتسنى فقط لفئات صغيرة من المجتمع، بينما تحرم الملايين من التمتع بادنى مستويات الرعاية الصحية. لاشك ان الخصخصة في مجال الصحة هي مصدر رئيسي لللامساواة حيث ان اطيافا كبيرة من المجتمع تعاني من انعدام الخدمات الصحية ويصبح المريض عبئا ثقيلا على العائلة حيث يضطر العديد من الناس الى اتخاذ قرارات صعبة اما باهمال المرض وعواقبه الوخيمة اوالتضحية بكل ماتملكه العائلة من اجل توفير العلاج لمريضها. في كلا الحالتين غالبا ماتكون العواقب كارثية على العائلة وتترك اثارا على الاجيال اللاحقة. فغالبا ما نسمع عن اناس اضطروا لبيع بيت العائلة او الدكان الصغيراو الحصول على قرض من البنك بفوائد خيالية من اجل دفع نفقات العلاج مما يؤدي الى افقار العائلة واجيالها اللاحقة.

تشير تقارير منظمة الصحة العالمية الى انه سنويا يتسبب الانفاق على العلاج الصحي الى دفع 100 مليون شخص الى الفقر.

عندما نواجه وباء مثل كورونا نرى ان وجود النظام الصحي الخاص يشكل تناقضا كبيرا بل وبالاحرى عقبة في محاربتنا للفايروس، إضافة ان الخصخصة تتناقض مع القيم المهنية للطب نفسه والمبنية على اساس تقديم العلاج لكل حسب حاجته بغض النظر عن الامكانات المادية.

تعلمنا من خلال فايروس كورونا باننا نعتمد على بعضنا البعض من اجل التغلب على هذا الوباء. فلا يمكن لاي فرد ان يحارب الوباء بمفرده وان التصرف بفردية والاعتماد على الرعاية الصحية الخاصة لاتساعد في الخلاص من هذا الوباء حيث ان السيطرة على الفايروس يتم بجهود وتضامن كل المجتمع والتنسيق بين كل الدول على صعيد العالم. فاما ان ننتصر على كورونا كلنا سوية بجهود موحدة او نتركه يتفشى في كل ارجاء المعمورة حتى الاماكن التي لم تصلها لحد الان.

الخصخصة في مجال الطب والعناية الصحية اجحاف فاضح بحق البشرية حيث تضمن الصحة والوقاية لفئات صغيرة على حساب الملايين منها ولكن اتضح لنا بفضل كورونا ان الخصخصة في مجال الصحة قد تؤدي الى تفاقم الوباء وانه اذا اردنا انقاذ البشرية لابد من توفير الرعاية الصحية المجانية للجميع بعيدا عن جشع السوق الراسمالي والقطاع الخاص.

في العراق، تكاد ان تكون الخدمة الصحية العامة في نطاق العدم ونرى كيف ان النظام يعمل باستمرار وبصورة منظمة وبالاخص منذ 2003على فتح الابواب على مصراعيها امام القطاع الخاص حيث تتكاثر المستشفيات والعيادات الخصوصية مثل الفطر بالاضافة الى ان تجارة الادوية والمعدات الطبية واحتكارها من قبل حيتان الفساد جعلت من صحة الناس المحرومين رهينة لبشاعتهم حيث اصبح سببا اضافيا في افقار المزيد من الجماهيريوميا والمضاعفة من بؤسها وعنائها.

المقال منشور في العدد 8 من جريدة الغد الاشتراكي بتاريخ 15.4.2020

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نناضل من اجل مجتمع حر خالٍ من كافة اشكال التمييز والاضطهاد

تعاني البشرية كافة على مر العصور من القمع والقتل والانتهاكات بصورة مباشرة وغير مباشرة، من ...

احتجاجات وإضرابات عمال العقود  

شهدت محافظة الديوانية بالتزامن مع مجموعة من المحافظات مثل بابل والناصرية والنجف حركة احتجاجية عمالية ...

حضيضٌ لا قاع له !

عبدالله صالح تتناول، هذه الأيام، وسائل الاعلام العراقية، الاقليمية والدولية، بالإضافة الى شبكات التواصل الاجتماعي، ...

حول تنظيم العمال

مؤيد احمد تنظيم نضال العمال هو تحد كبير وقضية رئيسية وملحةتواجهها هذه الطبقة في العراق ...

الحرية لبشير عباس

طارق فتحي لم يمر العراق بنظام اجرامي كهذا ابدا، فأي مقارنة او مقاربة ولو بسيطة ...

%d مدونون معجبون بهذه: