مأزق الجماهير

جلال الصباغ

استطاعت الجماهير في العراق استعادة المبادرة بعد عقود من سيطرة القوى والأحزاب القومية ومن ثم الإسلامية ومعهم القوميين المدعومين من أمريكا الذين هيمنوا على السلطة بفعل الدعم الخارجي وأساليب القمع والإرهاب التي مارستها الأنظمة المتعاقبة منذ 1958 ولغاية أكتوبر من العام الماضي، إذ ان الجماهير، ولأول مرة ،استعادت زمام المبادرة وأصبحت قوة تهدد النظام البرجوازي الطائفي القومي الذي نصبته الولايات المتحدة الأمريكية.

قبل أكتوبر كان الحديث عن قدرة الجماهير على الفعل الثوري الذي يؤدي لإسقاط النظام ضرب من الخيال، لكن شباب وشابات أكتوبر اثبتوا أن منطق الصراع هو حتمية المواجهة بين الطبقتين، طبقة الملاكين وأصحاب رؤوس الأموال الذين نهبوا الدولة، المتمثلين بسلطة الإسلام السياسي وشركاؤهم من القوميين المدعومين من قوى عالمية وإقليمية – رغم صراع هذه القوى فيما بينها – وبين طبقة العمال والمعدمين والمفقرين والباحثين عن الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية.

وصل الصراع بين الجماهير والسلطة إلى أوجه في الانتفاضة، ففي عهد الإسلاميين والقوميين مورست أبشع الجرائم، وانجرت البلاد إلى أتون الحروب الداخلية، ونهبت خزائن الدولة أمام أنظار الجميع، وحاول النظام طوال الفترة الماضية تصوير الصراع على انه صراع طائفي قومي داخل المجتمع، لكن الجماهير ونتيجة التجربة الثورية المتراكمة، والخبرة بأساليب السلطة ،أدركت أن لا خلاص من وضعها إلا بالتخلص من هذا النظام.

انتفضت الجماهير لكنها، لم تستطع إسقاط النظام. صحيح إنها هزت أركان السلطة وعمقت من أزمتها، لكنها لم تنجز المهمة إلى النهاية، بل بقيت واقفة في منتصف الطريق، وهذا الوقوف في المنتصف مأزق آخر تعيشه الجماهير كما تعيش السلطة أزمتها، وهو الذي أوقف تطور الانتفاضة وعدم قدرتها على التقدم إلى الأمام.

ما البديل بالنسبة للجماهير؟ ما هي الخطة (B) ؟ وكيف يمكن أن نتجاوز المأزق؟ وسط هذه التساؤلات، لا بد من تحديد الوسائل والإمكانات التي يمتلكها طرفي الصراع.

بالنسبة للسلطة فأنها تمتلك المال والسلاح والجيش والمليشيات وهي تستغل الصراع الإقليمي الدولي وتلعب على توازنات قلقة في مقابل “ضمانها” أن القوى الرأسمالية العالمية بكل أقطابها، لا تفضل أي حكم نابع من الإرادة الجماهيرية، لأنه سيتعارض بالتأكيد مع مصالح هذه القوى، والذي يعني إلغاء كل مشاريع هذه القوى وسياساتها المعتمدة على الليبرالية الجديدة وشروط المؤسسات المالية الدولية التي تنفذها سلطة الإسلام السياسي بحذافيرها.

في مقابل ذلك فأن القوة البشرية الهائلة التي تمتلكها الجماهير والتي بانت في بداية الانتفاضة بشكل واضح، بالإضافة إلى الشرعية الشعبية التي تمتلكها الانتفاضة، تجعلها ذات قوة كبيرة لا يمكن الاستهانة بها وهو ما تحقق بالفعل، أيضا قوة الجماهير الحقيقية تكمن في قدرتها على عبور كل أشكال التصنيفات والتسميات  الطائفية والدينية والمناطقية والقومية التي عمل عليها النظام ومن خلفه القوى العالمية والإقليمية الداعمة له، ما يجعل أدوات بقاء النظام مشلولة وغير قادرة على الاستمرار، لأنها وببساطة تعتاش وتستمد بقائها من هذه المسميات.

أن حركة الجماهير قد شلت قدرة النظام على استعادة توازنه، خصوصا مع الصراع المتعمق بين أطرافه وبين داعميه المتمثلين بأمريكا وإيران، ووصولهما إلى حافة الحرب، كل هذه القضايا المتزامنة مع أزمة عميقة تواجه النظام الرأسمالي العالمي وتعصف به، تعطي الجماهير قوة كبيرة وهائلة في وجه النظام المتهالك.

كما أن للسلطة أزمتها فأن للجماهير أزمتها كذلك، بل أن أزمة الجماهير أكثر تعقيدا، رغم كل ما حققته خلال الانتفاضة، فأولى مظاهر هذه الأزمة تتجسد في غياب أو رفض الوعي السياسي الحزبي، الذي يعني بالمحصلة النهائية بقاء العفوية والفوضوية والتخبط المتحكم بمسارات الحركة الجماهيرية، وهذه القضية مركبة يتعلق جزء منها بأساليب السلطة في التأثير على الجماهير، والجزء الآخر يتعلق بالجماهير نفسها التي انساقت وتأثرت برؤى القوى الإصلاحية والمثقفين العبثيين والوجوديين الذين يحرضون على البقاء في العفوية باعتبارها مكسب، بالإضافة إلى ذلك فأن بعض القوى السياسية المحسوبة على اليسار والشيوعية لعبت دورا خبيثا في تمييع حركة الجماهير وإلباسها ثوبا إصلاحيا يدعو إلى إجراء تعديلات وترقيعات دون المس ببنية النظام.

إن رفض العمل السياسي الحزبي المنظم وضعف القوى الحزبية الثورية وعدم امتلاكها الأدوات التي تمكنها من الوصول إلى الجماهير سواء على المستوى المادي أو الإعلامي أو الحضور الفعلي داخل فئات العمال والمعطلين والنساء والطلبة وغيرهم من الفئات الاجتماعية المهمة وفي مختلف المدن، شكل فراغا كبيرا غالبا ما يتم استغلاله وملئه من قبل قوى الثورة المضادة والقوى الإصلاحية، التي ساهمت ولا تزال بتحويل مطالب المنتفضين وعملهم على إسقاط النظام إلى مطالب جزئية وسطحية.

وسط هذا الوضع الذي يقف فيه الطرفان بمنتصف الطريق، تكون الصورة النهائية عرضة للكثير من المفاجآت، ففقدان البوصلة وغياب التنظيم بالنسبة للمنتفضين يجعلهم يراهنون فقط على الصراع بين أقطاب النظام المدعومة من الغرماء التقليدين، وفي حال انتصار أي من الغريمين (إيران وأمريكا) في العراق، فأن الجماهير هي الخاسرة، وفي حال بقاء التوازن على ما هو عليه فأن الحال باق على ما هو عليه أيضا.

ليس أمام الجماهير إلا التهيئة الحقيقية والتنظيم الصارم في مواجهة آلة السلطة وسلاحها ومليشياتها، وهذا يتطلب من القوى الثورية التي يجب عليها دراسة أسباب الإخفاق في الفترة الماضية، والعمل مع المنظمات والنقابات والاتحادات ،وعدم انتظار ما تؤول إليه الصراعات بين السلطة والجماهير بشكلها العفوي الحالي إنما التدخل الفاعل المبني على حاجات وطموحات الجماهير التي أدركت ولو بشكل متأخر أن أزمتها تتمثل بعدم التنظيم وتنسيق الجهود والانسياق خلف العفوية، ما أبعدها عن اقتناص فرصة إسقاط السلطة وهي في اضعف حالاتها إبان توهج الانتفاضة في مراحلها الأولى.

10/ 7/ 2020

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محنة المحاضرين المجانيين

  كما تشير بعض الاحصائيات، فأن هناك ما يقارب ال 260 ألف محاضر في عموم ...

بلاغ

تم اطلاق سراح الرفيق نوزاد بابان وعدد من المعتقلين في سجن ( الآسايش – الامن ...

النصر لنضال طلاب الجامعات والمعاهد

تعرضت المظاهرات والاعتراضات، لطلاب الجامعات والمعاهد في اقليم كوردستان، وفي يومها الثالث ( الثلاثاء،  ٢٣ ...

مأساة اللاجئين والسياسة اللاانسانية للدول الأوروبية

الحرب والاقتتال في العراق وأفغانستان ، سوريا واليمن وليبيا ، الأنظمة الدكتاتورية في منطقة الشرق ...

ستبقى شعلة  الخامس والعشرين من أكتوبر وهاجة

نستقبل هذه الأيام  الذكرى السنوية الثانية لانتفاضة 25 أكتوبر 2019 والعراق يشهد نتائج وتبعات الانتخابات ...

%d مدونون معجبون بهذه: