جعلوني مجرمة 

اسيل رماح

لقيت حادثة رمي امرأة لطفليها من على احد جسور نهر دجلة في العاصمة بغداد، صدى على عدة مستويات. ورغم مرور اكثر من اربعة اشهر على هذه الحادثة واعتقال المرأة وايداعها في السجن، الا ان الحكم الصادر بحقها وهو الاعدام شنقا، يدفعنا لتسليط المزيد من الضوء على هذه الحادثة الأليمة، ويجعلنا نتساءل هل فعلا هذه الفتاة الصغيرة التي أقدمت على رمي طفليها هي المسؤولة عما حدث؟ وما هي الظروف التي دفعتها لهكذا فعل؟ واذا لم تكن هي المسؤولة عن هذه الحادثة فمن هو المسؤول يا ترى؟ 

للإجابة عن هذه التساؤلات علينا أن نأخذ بعين الاعتبار ظروف نشأة هذه المرأة، فكل التقارير تشير الى انها قد أجبرت على الزواج ولم تختار الزواج، خصوصا وأنها قد تم تزويجها في سن صغيرة حسب عادات وتقاليد مجتمع ذكوري رجعي وقوانين تضمن دونية المرأة واستعبادها كما تشير إلى ذلك الاخبار المتناقلة على وسائل الإعلام. ان لم تكن معاناتها هي هائلة فكيف يمكن لإم ان تتخلص من اطفالها بهذه الطريقة البشعة؟ هل وفرت لهذه المرأة الرعاية الطبية للتأكد من وضعها الصحي جسديا وعقليا خلال الاشهر الاربعة الماضية منذ ان حصلت تلك الحادثة؟ التقارير الخبرية كلها تفيد بان ذلك لم يحصل. كما وتدل الاخبار ايضا على انه حتى لم يوفر لها مساعدة قضائية للدفاع عنها وضمان التعامل معها كإنسانة. توفير العناية الصحية والدفاع القانوني من ابسط حقوق الانسان التي يجب أن توفر للمعتقلين في السجون . المرأة في العراق لا تشملها حتى هذه الحقوق البدائية.

ليست حادثة هذه المرأة هي الوحيدة من نوعها، بل إنها تدخل ضمن الآلاف من حالات الانتحار وجرائم ما يسمى بالشرف وغيرها من عمليات التعنيف التي تتعرض لها النساء في مختلف مناطق ومحافظات العراق يوميا وباستمرار.

ان السلطة الإسلامية القومية التي حكمت بالإعدام على هذه المرأة، لم نسمع او نرى عنها أية محاكمة لأي جهة قتلت وخطفت وعوقت الاف من الشباب والشابات المنتفضين في انتفاضة أكتوبر، بل على العكس تماما، فهي تكرم القتلة وتكافئهم وتستمر في عمليات القتل والخطف والإرهاب ضد الناشطين.

على مدى أكثر من سبعة عشرا عاما، أنهك النظام هذه البلاد جوعا وبؤسا وقهرا من خلال ممارسة أبشع الأساليب، واستعان بالمليشيات والعشائر ورجال الدين والعسكر وغيرهم من القوى الاستبدادية والرجعية والتي فرضت على المجتمع أنماطا متخلفة وذكورية، وهي السبب الرئيسي في أغلب ما تتعرض له النساء من عنف واساءة وتهميش. 

لا أحد ينكر الفعل الشنيع الذي أقدمت عليه المرأة، لكننا وقبل كل شيء يجب أن نتخلص من الاسباب المؤدية اليها، وهذه الأسباب تنحصر اولا واخيرا بالنظام السياسي البرجوازي، الذي يجعل من النساء مجرد سلع وأدوات للمتاجرة والإنجاب وحياة لا تطاق.

الإعدام بحد ذاته جريمة بشعة يتوجب الوقوف ضدها مهما كانت الأسباب، والسؤال المطروح هنا هو اين تلك التقارير الطبية التي كشفت عن الصحة العقلية والجسدية لهذ المرأة و نظرت في الدوافع والأسباب التي دفعت بها الى الاقدام على قتل طفليها بهذه الطريقة البشعة، لاسيما وأنها تعاني من مشاكل نفسية واجتماعية واقتصادية واسرية، فهي ضحية زواج الصغيرات، الذي يباركه النظام الذكوري الطائفي ويجعل من النساء سلعة من خلال تكريسه للقوانين الرجعية وغير المنصفة للمرأة. حيث يتسامح هذا النظام مع مرتكبي جرائم “الشرف” ويخفف عقوباتهم ويطلق سراحهم بكفالات مادية، على حساب حياة النساء.

ان الاعدام سوف لن يضع نهاية لحوادث كهذه وربما ابشع، وهو ليس حل لقضايا جذرية تتعلق بطبيعة النظام السياسي الذي ينتج سلوكيات الافراد واعاقاتهم العقلية والنفسية والاجتماعية.

18.2.2021

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نناضل من اجل مجتمع حر خالٍ من كافة اشكال التمييز والاضطهاد

تعاني البشرية كافة على مر العصور من القمع والقتل والانتهاكات بصورة مباشرة وغير مباشرة، من ...

احتجاجات وإضرابات عمال العقود  

شهدت محافظة الديوانية بالتزامن مع مجموعة من المحافظات مثل بابل والناصرية والنجف حركة احتجاجية عمالية ...

حضيضٌ لا قاع له !

عبدالله صالح تتناول، هذه الأيام، وسائل الاعلام العراقية، الاقليمية والدولية، بالإضافة الى شبكات التواصل الاجتماعي، ...

حول تنظيم العمال

مؤيد احمد تنظيم نضال العمال هو تحد كبير وقضية رئيسية وملحةتواجهها هذه الطبقة في العراق ...

الحرية لبشير عباس

طارق فتحي لم يمر العراق بنظام اجرامي كهذا ابدا، فأي مقارنة او مقاربة ولو بسيطة ...

%d مدونون معجبون بهذه: