اليوم العالمي للمرأة يوم احتفال ونضال من اجل مستقبل المساواة

ينار محمد

يصل الى مسامعنا من قبل بعض الشباب ان العالم قد تغير وتغيرت معه، كذلك، مسارات السياسة واوضاع المجتمعات التي اعتمدت معادلات جديدة، خرجت عن كونها يساراً او يميناً، بل اصبحت هذه المعادلات تكمن بمدى الاقتراب من الهيمنة الغربية العسكرية في مقابل القبول والاقتراب من الهيمنة الايرانية الاسلامية. ويرى بعض الشباب المنتفض نفسه بين خيارين، لا ثالث لهما، وبالنتيجة يقف مع ممثل احد المعسكرين بالضد من المعسكر الآخر. كما وقد يستسلم تحت الضغط للمقولة المُغرِضة بان الانتفاضة كان هدفها الانتخابات المبكّرة، وهي مقولة لم ينطق بها ايّ من الضحايا الثوار الثمانمائة في الانتفاضة. وقد يسترسل هذا الشباب المنتفض في الدفاع عن اختياره “الثوري” ودفاعة المستميت عن حزب او كتلة “تحارب الاستعمار”، او تجمّع يقف بالضد من دولة مجاورة لا يستسيغ لغتها. وفي النهاية يجد الشاب المنتفض نفسه أداةً بيد حزب ديني طائفي او قومي وعشائري، وكلا التوجهين يقومان على تعصّبات انتمائية وهويات تُغرِق المجتمع بمزيد من وحل الخلافات والتقسيم.

لا يدرك هذا الشاب مصدر البطالة التي يعاني منها وتتسبب بالجوع لعائلته، ويغفل من حقيقة ان التيار او الميليشيا التي يدعمها بشكل غير واعٍ تبث الرعب في منطقته ولعائلته. كما ويصعب عليه ان يدرك بان فقره متأتي من سرقة موارد المجتمع من قبل الفئة الحاكمة التي تلتقط الفتات من موارد النفط بعد ان تقرر المؤسسات العالمية، وعلى رأسها البنك الفيدرالي الأمريكي الذي يتقاضى موارد النفط العراقي، كم يخصص للدولة العراقية وعلى ماذا. كل هذه السرقات لموارد المجتمع تتم من دون ان يكون لأي منا حق السؤال عن مصير اموالنا. وكل تلك السرقات لا يمكن إتمامها من دون تخدير الشعب ارهابه بنفس الوقت، وكذلك إلهائه بمسائل الدنيا والآخرة، وكل ذلك من خلال تسليط مؤسسة دينية تعِد بالجنة وتسلّط سياطها على من يتحدى حكمها.

وقد يعتقد الشاب المنتفض بان المؤسسة الدينية هي القادرة على طرد الاحتلال واستعماره لمواردنا؛ بينما الحقيقة تكمن في ان التحكم بموارد المجتمع وسرقتها من قبل قوات الاحتلال والمؤسسات المالية الدولية تتطلب سيطرة وتحكّم الميليشيات الاسلامية عسكريا، وعقائديا على المجتمع واحكام القبضة عليه بالتخدير الديني من جهة، والارهاب الميليشياتي من جهة اخرى. اي ان الطرفين مرتبطان بتحالف اقتصادي وسياسي الطابع، ولا تتجاوز اختلافاتهما المؤقتة الا ان تكون اعتراضا على مساحة نفوذ احدهما.

خلال ثمانية عشر عام عاما من احتلال العراق وفرض الحكم الاسلامي الطائفي والميليشياتي، وخلق ظروف تنشئة تنظيم داعش الارهابي، تحولت اجساد النساء الى ساحات معارك في المنطقة الغربية كما في العاصمة والمدن الجنوبية. وفقدت معظم نساء العراق اعتبارها الاجتماعي وحقها في تقرير مصيرها كأفراد بسبب سطوة المؤسسة العشائرية الذكورية وبدعم من المؤسسة الدينية الحاكمة. واستمرت الاحزاب الاسلامية بالاجتهاد في تشريعات اضطهاد المرأة من خلال مقترحات قانونية تسعى لاعادة انتاج استعباد تأريخي للمرأة في هذه المنطقة وبالاستناد الى ممارسات اسلامية قديمة. وظلت المؤسسة التشريعية الحاكمة تضمن السيطرة الذكورية على اجساد النساء وتسمح بعقوبة القتل العشائرية للمرأة من دون اي قصاص للقتلة. كما وجعلت مصير المرأة في الزواج والطلاق والحضانة كليا في يد الذكور، وكل ذلك من اجل خلق التناقضات والصراعات في مجتمع غير مستقر.

ان الجرائم الجماعية الواقعة بالضد من اناث العراق هي نتائج لمرض الذكورية الوحشية التي تقتص من المرأة في حالات السلم كما في حالات الحرب والنزاع المسلّح. ولا تزال الآلاف من النساء والفتيات الناجيات من بطش داعش تعاني من القهر ومن السحق الاجتماعي لكون اسم الواحدة منهن ارتبط بالاغتصاب، وكثيرات منهن لا تزال هاربات مشرّدات لا تضمن حياتها، وكأن ما حصل لهن من سحق وتعذيب جنسي ونفسي وجسدي كان بارادتهن. هؤلاء هن ضحايا الحكم الاسلامي الطائفي المتطرف واللواتي لا تعير الدولة لعذاباتهن او مصيرهن اي اهتمام، اذ لا تهمهم المرأة الا اذا كانت ملكية خاصة للعائلة او العشيرة ويتم الحفاظ عليها كبضاعة وليس كانسان له تطلبات وتطلعات وحقوق.

وقد اضطرب الضمير الانساني للمجتمع العراقي عندما انتشرت وتأكدت اخبار الخطف والاتجار باجساد ومصائر النساء في ظل داعش، الا ان ردة فعل هذا المجتمع لم تكتمل ولم تتوصل الى تشخيص كون العقلية الاسلامية المتطرفة بكراهيتها للمرأة، وخاصة اذا كانت من طائفة اخرى او من دين آخر، وكون هذه العقلية تتعامل مع المرأة كأداة للمتعة والخدمة ولانتاج الأطفال، هي خلف الايغال بالبطش بجنس النساء في هذه المعارك. وقد يقول البعض ان هذه المأساة كانت قد حدثت في حروب البلقان، او في رواندا حيث لم تتواجد المؤسسة الاسلامية المتطرفة بهذه القوة. ذلك صحيح، ولكن من الجدير بالذكر بان الاطراف التي قامت بالاغتصابات الجماعية في الحربين كانت تستند على كراهية قومية او قبلية عرقية بالاضافة الى كراهية الانثى التابعة لتلك الهويات، وهذه التيارات لا تقل تخلّفا وبدائية ووحشية عن المؤسسة الدينية الطائفية وازلامها الميليشاتيين الذكوريين.

عندما يجلس المنتفض بين اصدقائه المنتفضين ويحتدّ النقاش بينهم حول خياراتهم السياسية والمستقبل الذي يريدونه للانتفاضة، يجب ان لا يتناسوا ان المرأة وقفت معهم صفاً بصفٍ في الانتفاضة، وانه كان نصيبها القمع والقتل كما كان نصيبهم هم. ولذا، فلا يليق بهم ان يرسلوا النساء الى المطابخ لكي تطبخ للثوار، ولا يليق بهم ان يحلموا بثورة تظل فيها المرأة الخادمة والخنوعة والتابعة للابطال الرجال السادة. ولا يليق بالمنتفضين ان يحلموا بثورة تعيد انتاج العلاقات الاجتماعية غير المتساوية كما وتقوم بتمكين تيارات سياسية رجعية تمعن في القمع والفساد والفروقات الطبقية والجندرية، وتفتخر بقوانين اذلال المرأة.

ان اليوم العالمي للمرأة هو رمز لنضالات الثوريّين التقدميّين من اجل بناء عالم المساواة، عالم يحقق حرية المرأة كما يحققها للرجل، وعالم يحقق المساواة الاقتصادية في ظل دولة تحترم واجباتها الاقتصادية تجاه المواطنين وتقوم بتأمين مستوى حياة ورغد يتناسب مع موارد النفط الموجودة تحت ارض هذا المجتمع.

ان اليوم العالمي للمرأة هو مناسبة لدعوة الانتفاضة والمنتفضين بان يحترموا تضحيات المنتفضات الشابات وتوقعاتهم من ثورة تحرّرية تخطط لمساواتهم مع رفاقهم المنتفضين، واللواتي لم يقل دورهم اهمية عن دور الرجال في الانتفاضة. ان احترام هذه التضحيات يعني التخطيط لمستقبل مساواة المرأة مع الرجل، وعدم التنازل عن المطالب الحقيقية للانتفاضة، الا وهي انهاء الفقر في العراق وتوفير فرص عمل للجميع وكذلك احترام حقوق الجميع في الأمان والحريات، وتوفير كل هذه الحقوق على قدم المساواة للجميع، وكل ذلك مما هو محتوى نظام اشتراكي يحترم مبدأ المساواة الاجتماعية والاقتصادية.

على الشاب المنتفض الذي يتناقش مع المنتفضين الآخرين حول الخيارات المتاحة لهم ان يعلم بان المعادلات السياسية المحيطة بنا هي نفسها كما في العقود السابقة. وان البدائل التي يعتقدها متحاربة ان هي الا متعاونة ومتفقة على ارضاخ وتقسيم وافقار جماهير الطبقة العاملة والامعان في قمع المرأة وممارسة التمييزضد الاقشاروالشرائح الأخرى على أساس الانتماء الاثني والطائفي ولون البشرة والجندر، وليكن الخيار الذي يحارب من اجله المنتفضون هو خيار تقدّمي مساواتي وتحرّري من اجل عالم جديد. وليكن اليوم العالمي للمرأة مناسبةً لفتح الحوار حول رؤية مستقبلية لهذا البديل.

22 شباط 2021

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نناضل من اجل مجتمع حر خالٍ من كافة اشكال التمييز والاضطهاد

تعاني البشرية كافة على مر العصور من القمع والقتل والانتهاكات بصورة مباشرة وغير مباشرة، من ...

احتجاجات وإضرابات عمال العقود  

شهدت محافظة الديوانية بالتزامن مع مجموعة من المحافظات مثل بابل والناصرية والنجف حركة احتجاجية عمالية ...

حضيضٌ لا قاع له !

عبدالله صالح تتناول، هذه الأيام، وسائل الاعلام العراقية، الاقليمية والدولية، بالإضافة الى شبكات التواصل الاجتماعي، ...

حول تنظيم العمال

مؤيد احمد تنظيم نضال العمال هو تحد كبير وقضية رئيسية وملحةتواجهها هذه الطبقة في العراق ...

الحرية لبشير عباس

طارق فتحي لم يمر العراق بنظام اجرامي كهذا ابدا، فأي مقارنة او مقاربة ولو بسيطة ...

%d مدونون معجبون بهذه: