(اذا كانت هناك معركة بين اليمين واليمين، سأختار معركتي – لينين ) حول مجزرة إسرائيل الأخيرة في قطاع غزة

عبدالله صالح

مع كل حملة عسكرية للدولة العنصرية الفاشية في إسرائيل على الجماهير في فلسطين، تعود الى الواجهة القضية الفلسطينية ، كقضية شعب اغتصبتْ أرضه وأرغم قسرا على ترك دياره والتشرد والهجرة لينتشر في دول مجاورة يُفترض أن تكون ” شقيقة “، أما ما تبقى منهم على ارض فلسطين سواء من كان يعيش داخل حدود إسرائيل ( الخط الأخضر أي خط الهدنة ١٩٤٨) كمواطن إسرائيلي أو في الضفة الغربية تحت سلطة حركة فتح القومية أو في قطاع غزة حيث سلطة حركة حماس الإسلامية مع حركة الجهاد الإسلامي، هؤلاء، جميعهم، يعيشون المعاناة نفسها وان اختلفت شكلا الا انها تتساوى مضمونا، مواطن من الدرجة الثانية أو مواطن بلا “هوية”.

آخر هذه الحملات على قطاع غزة، جاءت يوم الرابع من هذا الشهر واستمرت لثلاثة أيام، أسفرت عن مقتل ٤٩ شخصا بينهم ١٩ طفلا و٤ نساء واصابة حوالي ٣٦٠ شخصاً. هذه الأرقام تؤكد دون أدنى شك زيف وبطلان الادعاءات الإسرائيلية بانها تهاجم ” أهدافا عسكرية ” فقط . انه هجوم وحشي لأكبر قوة عسكرية في الشرق الأوسط على واحدة من أكثر مناطق العالم كثافة سكانية وأشدها فقرا. لا يمكن وصف هذه العملية سوى بكونها موجة إرهاب عنصرية جديدة لحكومة غارقة في الرجعية تطلق العنان لجيشها كي يعيث في الأرض فسادا وقتلا ودمارا ممنهجاً.

أمام هذا التوحش الإسرائيلي، ليس لسكان القطاع من ملاذ يذهبون اليه ويحتمون به سوى بيوتهم وأماكن سكناهم بانتظار الموت أو النجاة، فهم محاصرون من الجهات الأربعة، ثلاثة منها نحو إسرائيل وواحدة باتجاه مصر، وجميعها تغلق اثناء تلك العمليات، اضف الى ذلك افتقارهم الى كل مستلزمات الحياة الضرورية من طاقةٍ ومياه نظيفة وحتى الطعام .

هذه العملية الأخيرة تأتي ضمن دائرة مغلقة عقيمة، معروفة البداية والنهاية، حيث تبدأ بتجاوزات واعتداءات سلطة الاحتلال المستمرة وتحرشات الطرف الآخر- تعقبها صواريخ تطلق من غزة – ثم يأتي الرد الإسرائيلي المدمر- فتأتي مفاوضات بوساطة مصرية ـ وأخيرا اتفاق هدنة ! وهكذا دواليك. هذه الحلقة المفرغة، تثبت دون أدنى شك عقم الأساليب المسلحة وبالأخص عندما تكون بقيادة تنظيمات إسلامية غارقة في الرجعية تتبنى و تتبع أجندات دول اقليمة رجعية وبالأخص ايران ثم قطر وسوريا وغيرها حيث تَستَخدمْ هذه التنظيمات كأوراق لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية .

هذه القضية، وبعد مرور سبعين عاما، لازالت عالقة في مأزق لايمكن الخروج منه باتباع الأساليب المسلحة البعيدة كل البعد عن النضال الجماهيري المنظم وحتى وان كتبت لهذه الأساليب بعض النجاحات إلا انها، وفي المحصلة الأخيرة ستحول مقاتلي الأمس الى دكتاتوريي اليوم والتأريخ مليء بنماذج كهذه.  

ففي الوقت الذي تتغذى هذه القوى الأسلامية على هذا الصراع المسلح وتستمد شرعيتها منه وتصور النجاة من خلال بطولات فئوية أو فردية،  تقوي في الطرف الآخر اليمين المتطرف في إسرائيل، حيث يُصورهذا الصراع من قبل كلا الطرفين، بأنه صراع ديني وقومي بحت والذي بدوره يساهم في تعزيز هيمنة أفكار الطبقة السائدة، أي الطبقة البرجوازية، في جانبي الصراع.

هنا لابد من الأشارة الى التوجه غير الواقعي وغير المادي لبعض قوى اليسار واليساريين والمبني على أساس ضرورة دعم كل أشكال النضال للشعب الفلسطيني وتبرير كل عمل لهم واعتباره نضالا ضد الاحتلال، فالانتماء الى فئة أو اثنية أو قومية مضطهدة لايجعل كل اشكال النضال لهؤلاء تقدميا بالضرورة، وان كل افعالهم مبررة يجب اسنادها، فالحركات الفاشية دائما ما تتبنى الأفكار القومية أوالدينية وتوهم الناس بشرعية نضالها.

هناك حقيقة ثابتة لايمكن نكرانها وهي ان المجتمع في إسرائيل ليس بمجتمع جامد، بل هو مجتمع طبقي، رغم نجاح اليمين في إسرائيل من خلق حالة من الاصطفاف الهش على أسس قومية ودينية،  وليست هناك مصالح موحدة للشعب اليهودي عابرة للمصالح الطبقية كما يصوره اليمين في إسرائيل، وهذا ما يجب على الماركسيين واليساريين التركيز والتعويل عليه ، فالمصالح الطبقية للطبقة العاملة في إسرائيل تتنافى كليا مع مصالح الطبقة البرجوازية هناك، في الوقت الذي لايمكنها ابدا ان تتنافى مع المصالح الطبقية لعمال فلسطين، تلك هي خصوصيات المجتمعات الطبقية التي تولد بدورها التناقضات الطبقية التي تتراكم الى أن تصل الى نقطة الحسم وهذه هي السيرورة التأريخية التي يجب أخذها بنظر الاعتبار حين اتخاذ موقف معين، وبالأخص في قضية كقضية فلسطين.

ان انهاء مأساة هذا الشعب لا يأتي عن طريق سياسات الحركات القومية كمنظمة فتح الغارقة في الفساد والمسايرة مع القوى الامبريالية، ولا عن طريق سياسات الحركات الإسلامية كحماس والجهاد الغارقة في الرجعية والتبعية، تأريخ سياسات وممارسات هذه الحركات خير شاهد على ذلك، هذه السياسات عمقت من هذه المآسي والويلات وجعلت من المواطن في فلسطين واقعا بين سندان هذه السياسات الرجعية الفاشلة ومطرقة الحكومة العنصرية في اسرائيل .

ان الأصحاب الحقيقيين لهذه المعضلة التأريخية، في طرفي النزاع،والذين يمكنهم انهاء هذه المأساة، هم العمال والكادحون في فلسطين والطبقة العاملة والتحررين في إسرائيل الذين سئموا من سياسات الحكومات اليمينية العنصرية المتعاقبة، وما التظاهرات المستمرة لدعاة السلام داخل إسرائيل سوى دليل على ذلك.

رغم ان عقودا من الأحقاد والضغائن القومية والدينية لايمكن تجاوزها بسهولة، الا ان التعامل الأنسب مع هذه القضية، في الوقت الراهن، ورغم كونه حلاً مرحلياً لا يعالج القضية من جذورها، هو حل الدولتين فلسطينية وإسرائيلية، وعودة اللاجئين والذي بدوره سيؤدي الى سحب البساط من تحت أقدام سلطة الطبقة البرجوازية في إسرائيل وفلسطين على السواء .

ان اسقاط سلطة الطبقة البرجوازية في كلا الطرفين وتبني النضال الجماهيري الموحد وفي مقدمته نضال عمال وكادحي الطرفين، لابد أن يفضي في النهاية الى انشاء كيان سياسي موحد عابر لكل الانتماءات القومية والدينية يكون شعاره تأمين الحرية والمساواة والعيش المرفه للجميع على السواء ويضمن المستقبل المشرق للأجيال القادمة.

٢٨ / ٨ / ٢٠٢٢

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مقتل مهسا اميني محطة اساسية في نهاية نظام الملالي في إيران

لليوم الخامس على التوالي تنتفض الاف النساء والرجال في ايران اثر قتل الشابة مهسا اميني ...

آثار الانتفاض الثوري في ايران عابرة لحدود البلدان والقوميات

مؤيد احمد ان الانتفاض الثوري الجماهيري الحالي ضد قمع المرأة، و الحجاب الاجباري، ونظام الاسلام ...

صدى العمال العدد 11

العدد 11 من نشرة صدى العمال يتضمن تقارير ولقائات حول ظروف العمال في العراق والعالم ...

صراع جناحي الإسلام السياسي والمد الثوري في العراق

مؤيد احمد بالرغم من ان تيارات الإسلام السياسي، كتيارات عقائدية وسياسية إسلامية، تتغذى على  الأرضية ...

نشرة صدى العمال العدد 10

%d مدونون معجبون بهذه: