القوة قد تُسكت الأصوات، لكنها لا تُلغي الحقيقة

حول معارك ( فندق لالزار) الأخيرة داخل مدينة السليمانية

عبدالله صالح

لم يتفاجأ أحد لِما حصل داخل مدينة السليمانية صبيحة يوم الجمعة المصادف ( ٢٢ / ٨ / ٢٠٢٥ ) حين تحولت احدى أحياء المدينة – منطقة سرجنار السياحية – الى ساحة معركة دموية بين اثنين من الأحزاب الميليشية الكوردية الموجودة في المدينة. نعم فما حدث في السليمانية لم يكن مفاجئًا، كونها أتت كنتيجة طبيعية لمسار طويل من احتكار القرار وإقصاء الأصوات المخالفة، بالإضافة الى ان تأريخا طويلا من الاقتتال بين الأحزاب الميليشية الكوردية يغطي على الحياة السياسية لهذه الأحزاب، تاريخ” أسود “قاتم مليء بمعارك دموية من هذا النوع الهدف منها اقصاء المنافس عن طريق توظيف الميليشيا الحزبية ، ولتحقيق ذلك لاشيء يقف بوجههم حيث يضربون كل ” القيم المتعارفة” عرض الحائط .

ذروة هذا الاقتتال حصل بين الحزبين الرئيسين ( الحزب الدمقراطي الكوردستاني – البارتي  و الاتحاد الوطني الكوردستاني – اليكيتي ) بين أعوام ( ١٩٩٤-١٩٩٨) سقط خلالها آلاف الضحايا من الطرفين، وقتها استعان (البارتي )بقوات النظام البعثي يوم ٣١/آب/ ١٩٩٦ فدخلت دباباته مدينة أربيل واحتلته وطردت قوات اليكيتي ثم سلمته للبارتي بعد تصفية دموية لقوى المعارضة العراقية المتواجدة مقراتها آنذاك في أربيل . الذكرى السنوية لهذه العملية مرت قبل أيام.

أما اليكيتي فقد استعان وتحالف مع ايران ما جعل الصراع يتخذ أبعادا إقليمية، هذه السياسة لا زالت قائمة حتى يومنا هذا وأحداث معركة ( لالزار) ليست خارج نطاق هذا البعد الاقليمي.

تلك الليلة، لم تنم مدينة السليمانية التي يسكنها قرابة المليون انسان، هؤلاء السكان قضوا ليلتهم بين الخوف والرعب والانتظار لما تنجم عنه هذه المعركة من قتل ودمار وذلك على وقع استخدام أحدث أنواع الأسلحة من دبابات وطائرات مسيرة واسلحة مختلفة أخرى. فاليكيتي الذي يرأسه ( بافل طالباني ) لديه قوة تتألف من خمسة آلاف مقاتل باسم ( قوة الكوماندوز ) مدربون تدريبا عسكريا عاليا ويمتلكون أحدث أنواع الأسلحة، هذه القوة تقف تحت أمرة بافل طالباني لا غيره، بالإضافة الى قوة اخرى تتالف من آلاف المقاتلين مدججين بالسلاح تحت اسم ( قوة مكافحة الإرهاب )، ناهيك عن القوى النظامية الأخرى من ” بيشمركة”  وشرطة تُمول من قبل حكومة إقليم كوردستان، يُقال بأن معظم هذه القوات شاركت في العملية المذكورة تلك الليلة!!.

وكذلك فان ( لاهور شيخ جنكي ) الذي كان في السابق الرئيس المشترك للاتحاد الوطني الكوردستاني وأُبعد عن منصبه في عام ٢٠٢١ إثر خلافات حادة مع (بافل طالباني)و منذ ذلك الحين، تصاعد التوتر بين الطرفين، وصولًا إلى المواجهات المسلحة الأخيرة في السليمانية، هو الآخر كان مسؤولا عن أجهزة الاستخبارات التابعة للاتحاد قبل تنحيته من رئاسة الاتحاد والآن لديه قوة عسكرية تتالف من بضع مئات من المسلحين وتسمى ( قوات العقرب ).

مع انتهاء المعركة التي استمرت لحوالي ثلاث ساعات، تأكد وقوع عدد من القتلى من الطرفين بعد القاء القبض على ( لاهور شيخ جنكي ) وهو الآن رئيس حزب ( جبهة الشعب ) الحاصل على مقعدين في الانتخابات الأخيرة لبرمان كوردستان وأخيه (بولاد) بعد اقتحام ( فندق لالزار ) من قبل ميليشيات ابن عمه ( بافل طالباني ) واستسلام مسليحي الجبهة المذكورة الذين تجاوز عددهم المئة وهدم  او الحاق الأضرار بعدد لاباس به من الدور السكنية المحيطة بمنطقة العمليات عدى عن الحاق الاضرار بالممتلكات العامة.

 جدير بالذكر بأن عملية أمنية مماثلة ومثيرة للجدل حدثت في نفس المدينة قبل عدة أيام من وقوع أحداث ( لالزار) حين حاصرت واقتحمت مليشيا الاتحاد الوطني ليلا بيت ( شاسوار عبدالواحد ) رئيس حزب الجيل الجديد الحاصل على (١٥) مقعدا في الانتخابات الأخيرة لبرلمان كوردستان ويعتبر الكتلة الثالثة في البرلمان بعد ( البارتي واليكيتي ) واعتقلته بداعي ” تنفيذ أمر قضائي ” أي بنفس ذريعة اعتقال لاهور جنكي بداعي تنفيذ مذكرة اعتقال بتهمة ” زعزعة الأمن ” .

إن ما جرى ليس مجرد خلاف سياسي داخلي، بل هو تجسيد صارخ لنهج الغطرسة السياسية والتي هي ليست مجرد توصيف لغوي وسلوك فردي بل سياسة تأتي ضمن منهج متكامل بات يطبع سلوك قيادة اليكيتي، وذلك لخنق أي صوت معارض بقوة الحديد والنار كحال شريكه في الحكم الحزب الدمقراطي الكوردستاني الذي تسيطر مليشياته على محافظتي أربيل ودهوك ومن يجرؤ هناك على انتقاد سياساته تُلبّس وتُلفّق له تهمة على غرار ” زعزعة الأمن ” ويزج به في السجن ضمن عملية “قانونية “تُشرعَن من قبل المحاكم التي هي ليست سوى أداة تنفيذ لما تُؤمر به من قبل قيادة الحزب المذكور كما حصل للناشط ( شيروان شيرواني ) قبل مدة حين انتهت محكوميته لكن المحكمة في أربيل أصدرت حكما جديدا آخر بحقه يقضي ببقاءه في السجن لمدة أربعة أعوام إضافية أخرى .

 إن هذه الاحداث التي تجري في عموم الإقليم، لم تعد مجرد أحداث عابرة أو خلافات تنظيمية أو تنافس سياسي، بل هو فرض الإرادة بالقوة وتكميم الأصوات الناقدة عبر الترهيب أو الإبعاد وارسال رسالة واضحة لكل من يفكر في تحدي سلطات الحزبين الحاكمين، وبالإضافة الى ذلك فان مسألة السلطة تحولت الى غاية بحد ذاتها وأنها انعكاس لنهج متجذر من الغطرسة السياسية والقمع وصولا الى الاستبداد المطلق وهو ما تكشفه طبيعة إدارة السلطة داخل هذا الاقليم.

حكام أقليم كوردستان العراق اليوم هم جزء من منظومة رأسمالية اقليمية ودولية تنفذ السياسة النيوليبرالية، فقر أشد للغالبية من جماهير العمال والكادحين والمفقرين مقابل تراكم اكبر للرأسمال، وهو ما يتطلب سلطة استبدادية مطلقة، هذا هو باختصارشديد، المشهد الاقتصادي السياسي الحالي في إقليم كوردستان.

 لقد آن الأوان لهذه السلطة أن ترحل وتخرج الجماهير الى الميدان للتعبير عن ارادتها بأية طريقة أو وسيلة نضالية ثورية تراها مناسبة لتحقيق هذا الهدف وذلك لوضع حد لهذا القمع والاستبداد من أجل ايجاد حياة حرة كريمة لهذه الجماهير.

٢/ ٩ / ٢٠٢٥

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بمناسبة رحيل الرفيق العزيز شاكر الناصري

ببالغ الحزن والأسى تلقينا نبأ رحيل الرفيق العزيز شاكر الناصري، الذي توفى يوم الأربعاء (٢٢-٤-٢٠٢٦) ...

انضموا إلى وقفتنا الاحتجاجية الجمعة ٢٤.٤.٢٠٢٦

مرت أكثر من ستة أسابيع، ولا يزال قتلة ينار محمد مجهولين طلقاء! اغتيلت الناشطة النسوية ...

ندين بشدة محاولة اغتيال الرفيق علي جوادي

بلاغ منظمة البديل الشيوعي في العراق وفقاً لبيان صادر عن الحزب الشيوعي العمالي الإيراني/ الحكمتي، ...

حول الهدنة الحالية في حرب أمريكا وإسرائيل على إيران

بيان منظمة البديل الشيوعي في العراق وافق الرئيس الأمريكي ترامب يوم السابع من نيسان 2026 ...

David Jones on behalf of PCS trade union (MHCLG) for Yanar Mohammed’s memorial event in London 29.3.2026

Condolence Letter for Yanar Mohammed To the comrades of Yanar Mohammed, We send our deepest ...