عندما تصبح المستشفيات ساحات للقتال.
بات الهجوم على المؤسسات المدنية وفي مقدمتها المراكز الصحية والتعليمية احدى مميزات الحروب والنزاعات المعاصرة كسلاح فعال لتحقيق الهيمنة وإخضاع الآخر على حساب صحة وسلامة ورفاهية الملايين من الجماهير المعتمدة على تلك المؤسسات في حياتها اليومية.
فبينما اتسم النصف الثاني من القرن الماضي في اعقاب بشاعات الحرب العالمية الثانية وكاستجابة لنضالات التحرريين في العالم بتزايد الوعي بالحقوق والحريات التي فرضت على البرجوازية رسم المعايير الأساسية العالمية لحقوق الانسان من خلال نصوص واتفاقيات دولية وقعت عليها اغلبية بلدان العالم، نشهد اليوم نزعة عالمية رجعية مضادة بنقض تلك المعايير وإلغاء الاتفاقيات الدولية السابقة، وبتطبيع الخرق الفاضح والعلني لهذه النصوص خاصة من قبل اليمين المتطرف والدول المهيمنة الكبرى.
احدى تجليات هذا المد الرجعي يبرز بالتحديد في خرق بنود قوانين الحرب، او ما يسمى بالقانون الدولي الإنساني، الذي يؤمن الحماية للأفراد والذي حظرت بموجبه الهجمات على المنشئاَت الصحية واصابة العاملين فيها، فكثافة الهجمات على المنشآت الصحية في مناطق النزاعات الحديثة كالسودان واليمن وسوريا وأوكرانيا وغزة لا يمكن تفسيرها بأخطاء تقنية او عدم دقة الاحداثيات او من باب الصدفة، بل هي ضمن خطط مبرمجة ومدروسة لإخضاع هذه البلدان.
أحدثت تلفزة مشاهد ضحايا هذه الهجمات والدمار الناتج عنها الاستياء والغضب لدى الملايين من الناس حول العالم وتضامنا مع السكان المتضررين من جهة، ومن جهة أخرى وهو الاهم، شعورا جماعيا بخطر سحق كل مكتسباتهم والاستهانة بالمبادئ المتعارف عليها لحماية الانسان، وان استمرار وتكرار هذه الهجمات على الرغم من العديد من حملات الاستنكار والمظاهرات العارمة في اغلبية بلدان العالم ضدها تأكيد على كون هذه الهجمات ضمن الخطط الحربية المدروسة وفي سياق تصاعد النزعة الرجعية واليمينية وتكاتف ممثليها بالضد من الناس المفقرة والمتضررة في كل مكان.
وربما ليس ثمة مثال على الانتهاك الفاضح للقانون الدولي والتدمير المبرمج للخدمات الصحية أوضح من ما يجري في غزة من عمليات الإبادة الجماعية والتجويع والتشريد. وثَّقت منظمة الصحة العالمية 427 هجومًا على مرافق الرعاية الصحية في غزة والضفة الغربية بحلول 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، ما أسفر عن وقوع 566 حالة وفاة و758 إصابة.
كما أفادت المنظمة بأن بحلول فبراير – شباط 2024 أصبحت جميع مستشفيات غزة منكوبة او مهدمة وغير صالحة للعمل بسبب نقص الوقود وتعرضها للهجمات.
ضرب المستشفيات و المؤسسات الصحية كاستراتيجية حربية:
اذ ان هذه المؤسسات هي اهم ركائز المجتمع للإدامة بالحياة وتتخذ أهمية قصوى في حالات الحروب، اذ غالبا تستخدم المستشفيات كملاجئ وأماكن امينة بالإضافة الى دورها الحيوي في معالجة الجرحى والمرضى، وان استهداف هذه المنشئات عادة ما تكون بصورة مبرمجة ومحسوبة بغرض تفكيك النسيج الاجتماعي وتشريد السكان والحاق اكبر ما يمكن من الأذى بالسكان العزل كوسيلة لفرض الهيمنة وتحقيق المكاسب السياسية والعسكرية.
من المعلوم ان الأنظمة الصحية في معظم انحاء العالم وبالأخص في مناطق النزاعات هي في الأصل منكوبة ومتهرئة بسبب سنين من سوء الإدارة واستشراء الفساد و ضعف في أنظمة التأهيل المهني ونقص الكوادر والأجهزة والمواد الطبية وغلاء أسعار الادوية والمعدات الطبية والوقود والمواصلات. وان ابسط ضربة قد تؤدي الى نتائج كارثية بالمجتمع.
لا تقتصر اثار الدمار الذي يتركه قصف المستشفيات على الآثار الآنية، بل قد تستمر لعدة سنين وربما عقود من الزمن، تحاول الناس تجنب مراجعة المستشفيات او حتى العيش بالقرب منها تحسبا من وقوع الاستهداف.
القصف يؤدي الى حرمان المجتمع وخاصة الطبقات المحرومة اساساً من خدمات هذه المؤسسات (مهما كانت بدائية) وتعطيل برامج الرعاية الصحية العامة الروتينية كعلاج امراض السكري وارتفاع ضغط الدم والسرطان بالإضافة الى خدمات رعاية الحوامل ومنع الحمل والعناية بالطفولة وبرامج تلقيح الأطفال من الامراض المعدية وغيرها وما ينجم عن كل ذلك من مضاعفة تدهور الصحة المجتمعية وانتشار الامراض المعدية والاوبئة والامراض المزمنة. وهذا بدوره يتسبب في ارتفاع البطالة ونسب الإعاقة والعجز المرضي. وكل هذا بدوره يساهم في تردي الأوضاع المعيشية وخاصة بالنسبة للطبقات المفقرة والكادحة. بالإضافة الى تقليص فرص التعليم امامها وجعلها فريسة للأفكار الخرافية والاوهام والمزيد من تسلط التيارات الرجعية للتحكم في مصيرها.
بالإضافة الى ذلك تزداد في ظروف الحرب نسب الهجرة والنزوح وبما ان الكوادر الصحية تستهدف كالصفوف الامامية في المواجهة فلا يستغرب هجرة العديد منهم الى خارج البلاد او تركهم المهنة حفاضا على ارواحهم وعوائلهم مما يزيد من تفاقم النقص المزمن الموجود في العاملين وذوي الخبرة والاختصاص وبالتالي حرمان اكثر للمجتمع من هذه الخدمات.
وفقًا لتقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر نشر على صفحة المكتبة الوطنية للطب، على سبيل المثال، أدى هجوم واحد على أطباء في الصومال عام 2009 إلى إلغاء 150 ألف استشارة طبية سنوية، وفقًا لتقديرات الدراسة. وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية التي مزقتها الحرب، يؤدي الحرمان من الرعاية الصحية بسبب العنف إلى مقتل 40 ألف شخص شهريًا. وفي العراق، حيث قُتل 628 من العاملين في مجال الرعاية الصحية منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، وفرّ 18 ألف طبيب.*
يتكرر هذا النمط من الانتهاكات في كل من السودان واليمن والكونغو وسوريا… مما أدى الى انهيار شبه تام لأنظمتها الصحية المتهالكة بالأساس.
وأدى أحد عشر يوماً من الصراع العسكري المباشر بين إسرائيل وإيران إلى إلحاق أضرار جسيمة بالمستشفيات وإصابة الطواقم الطبية على كلا الجانبين.
في اليمن، أدت الغارات الجوية السعودية على محطات معالجة المياه وخدمات الصرف الصحي والعيادات الصحية العامة بشكل مباشر إلى أسوأ تفشي للكوليرا في العالم على الإطلاق. بحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2021، سُجِّلت أكثر من 2.5 مليون حالة إصابة، وتوفي أكثر من 4000 شخص.
وفي 2011 ادارت وكالة المخابرات الامريكية عيادة وهمية للتلقيح ضد التهاب الكبد الفيروسي في باكستان، في محاولة لتحديد مكان أسامة بن لادن، كانت نتيجتها تقويض الثقة ببرامج التطعيم ومهاجمة العاملين في هذه المراكز مما اسفر عن مقتل 66 منهم خلال السنتين المتتاليتين. وكان هذا الحدث احد العوامل التي اعاقت جهود القضاء على شلل الأطفال إقليميا، اذ تضل باكستان وافغانستان من البؤر القليلة المتبقية لمرض شلل الأطفال في العالم.
يعلق البعض الآمال على الآليات القانونية، مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، ربما لاعتقادهم بإن تطبيع الهجمات على الرعاية الصحية تأتي كنتيجة مباشرة للتملص من العقاب، وان مجرد وجود اتفاقيات ومعايير دولية موقعة تضمن الالتزام بهذه الاتفاقيات، إلا إن هذا النمط السائد من تحدي ونقض معايير حقوق الانسان ومعاهدات القرن الماضي وعدم التواري عن استخدام ابشع واكثر الأسلحة فتكا على المدنيين دليل على ان هذه الآليات تعجز عن تحقيق الأهداف التي تدعو اليها، فهي بالأساس أدوات النظام البرجوازي العالمي نفسه وتحت تحكم القوى الكبرى، لذا فيسهل الإفلات من عقوباتها.
ان الترجمة الواقعية لهذه المجازر هي ان شراسة الرأسمالية في سعيها لاكتساح الأسواق وفرض هيمنتها لا تعرف أي حدود، وانه مهما كانت نتيجة أي حرب فالمستقبل مفصل لصالح أصحاب المليارات والشركات متعددة الجنسيات وحلفائهم أينما كانوا، وبالتأكيد ليس لصالح العمال والفئات المفقرة. ضرب المستشفيات والبنى التحتية في الحروب تتعدى تعريفها كجرائم حرب، ولا يمكن الحد منها باتفاقيات ونصوص دولية هشة وإصدار عقوبات من مؤسسات تمولها وتشرف عليها البرجوازية نفسها بل بالتضامن الاممي وإيجاد اليات ثورية جديدة وعصرية لنضالنا من اجل انهاء الحروب الرأسمالية وكوارثها.
شيرين عبدالله
4.9.2025
* The deadly effects of violence against medical workers in war zones – PMC
منظمة البديل الشيوعي في العراق تنظيم شيوعي عمالي منهجه الفكري والسياسي ماركسي مستنبط من “البيان الشيوعي”
