دلشاد محمد عارف
مقدمة
مبادرة الشباب والشابات في تنظيم وقيادة الاحتجاجات والمظاهرات ضد السلطات المحلية والحكومات البرجوازية، تشكل ظاهرة من أبرز الظواهر السياسية والاجتماعية في العقود الأخيرة. إذ تشكل هذه الفئة العمرية من الطبقة العاملة والكادحين القوة الأكثر حيوية وجرأة في مواجهة الأنظمة القائمة، مما يمنحها مكانة مركزية في صناعة التغيير.
وقد ارتبط هذا الدور بجملة من التحولات البنيوية في المجتمعات الرأسمالية؛ أبرزها إنتشار البطالة بين الشباب إثر تطور الرأسمالية وأزماتها الاقتصادية المتكررة، وتراجع شرعية النظم السياسية البرجوازية، وتنامي أدوات التواصل الرقمي التي أتاحت للشباب فضاءات جديدة للتنظيم وتشكيل الرأي العام.
دور منصات التواصل الإجتماعي والإعلام الرقمي
لأدوات ومنصات التواصل الاجتماعي المعاصرة والإعلام الرقمي دور فعال في تسهيل التواصل والتنظيم والتعبئة ونشر الوعي بين الجماهير المستاءة لتحشيدها وتوجيهها كحركة جماهيرية، إذ إن هذه الأدوات والمنصات قادرة على أداء دورها دون وسيط، ومن الصعب السيطرة عليها أو منعها من قبل الأجهزة القمعية للسلطة البرجوازية.
ففي هذا السياق، أصبح الشباب يمثلون إحدى أكثر القوى ديناميكية وقدرة على المبادرة، وهو ما انعكس في موجات احتجاجية عالمية متتابعة شكّلت ظاهرة سياسية واجتماعية معاصرة تستدعي الدراسة والتحليل.
الأسباب والأهداف
وعلى الرغم من اختلاف السياقات بين البلدان، فإن المشترك بينها يتمثل في رفض التهميش والحرمان والظلم والفساد وغياب العدالة الاجتماعية، والسعي إلى إعادة بناء نظم سياسية واقتصادية أكثر توازنًا، في مسيرة النضال من أجل بناء مجتمع جديد أكثر عدلاً وإنسانية.
نقطة تحول
تعد الأزمة الاقتصادية العالمية عام (٢٠٠٨) نقطة تحوّل محورية، ولحظة انفجار للتناقضات الداخلية للنظام الرأسمالي بين تراكم رأس المال وتراجع معدل الربح. كشفت الأزمة البنيان الهش لهذا النمط من الإنتاج الاجتماعي الإستغلالي. لم تُحلّ هذه التناقضات بعد الأزمة، بل تعمقت من خلال الدَين والخصخصة، الأمر الذي أدى إلى ركود مزمن وتركيز الثروة في أيدي الأقلية وتهميش الطبقة العاملة.
تفاقمت الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بعد عام(٢٠٠٨) حيث دخلت الرأسمالية مرحلة أزمة تاريخية شاملة وبدورها أدت إلى تدهور ملحوظ في أوضاع الطبقة العاملة، عبر تسريح العمال، وتجميد الأجور، وتفكيك الضمانات الاجتماعية، في الوقت الذي يُعاد فيه إنعاش رأس المال على حسابهم.
الاحتجاجات كرد فعل جماهيري
ردًا على هذا الاستغلال المكشوف، شهد العالم موجات احتجاجية واسعة في مناطق متعددة من العالم، أبرزها حركة “احتلوا وول ستريت” في أمريكا، والربيع العربي، واحتجاجات “السترات الصفراء” في فرنسا. عبّرت هذه الاحتجاجات عن رفض جماعي للنظام الرأسمالي وسلطته السياسية، وأسفرت عن استعادة الوعي الطبقي، وتنوّعت أشكال التنظيم بعد (٢٠٠٨) بين حركات شبابية أفقية، ونقابات، ولجان محلية، وفرق فنية وثقافية داخل ساحات الاحتجاج. وقد عكست هذه الحركات رفضًا جماعيًا لتناقضات النظام الرأسمالي، وأعادت إحياء الوعي الطبقي.
لكن أغلبها افتقر إلى قيادة طبقية واضحة أو برنامج اشتراكي موحّد، مما جعلها تبقى ضمن حدود الاحتجاج العفوي دون التحول إلى قوة سياسية منظمة قادرة على مواجهة رأس المال وسلطته السياسية بفعالية. ومع ذلك، فإن هذه الموجة مثلت شكلًا من أشكال استعادة الوعي الطبقي العالمي وبذورًا أولى لنهضة حركات جماهيرية عمالية جديدة.
استعادة الوعي الطبقي
على الرغم من ذلك، مثلت هذه الحركات بدايةً لبداية الوعي الطبقي على نطاق عالمي، وتشير الى بوادربذور أولى لنهوض حركات عمالية جديدة، تؤكد أن النضال ليس مجرد رد فعل عابر، بل هو تعبير عن وعي طبقي يستهدف الطبقة المالكة والحاكمة في السلطة،ويسعى لبناء نظام عادل يُحقق إرادة الإنسان الكادح.
على سبيل المثال، حركة “212-Z” في المغرب، والحركات الاحتجاجية في النيبال، تُعد من أبرز وأروع الحركات الشبابية في الآونة الأخيرة. فهي تعكس دور الشباب في قيادة التغيير، وإعادة توجيه مسار الحركات الاجتماعية والسياسية.
الحركات الاحتجاجیة في اقلیم كردستان
شهد إقليم كردستان العراق تحولات نوعية في الوعي السياسي والاجتماعي، حيث تجسدت في بروز حركات احتجاجية ضد الفساد وسلطة الأحزاب البرجوازية القومية. وكانت إنتفاضة شباط (٢٠١١) في السليمانية نقطة بداية لهذا المسار، حيث كانت لحظة تمرد شعبي وشبابي ضد واقع سياسي يتسم بالجمود والفساد والمحسوبية، وتفاوت طبقي حاد بين النخبة الحزبية والجماهير.
انطلقت التظاهرات في شباط (٢٠١١) متأثرة بأحداث الربيع العربي، لكنها حملت خصوصية كردستانية واضحة، وكانت دوافعها الأساسية رفض الفساد الإداري والمالي المستشري في المؤسسات، واحتكار السلطة والثروة من قبل الحزبين الرئيسيين (الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني)، وتدهور الخدمات العامة وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، وغياب العدالة الاجتماعية والتفاوت الاقتصادي بين الطبقة الحاكمة وغالبية الجماهير الكادحة.
وقد أدت المواجهات بين المتظاهرين والأجهزة القمعية للحزبين، وإطلاق النار على المتظاهرين، إلى وقوع عشرات الضحايا والجرحى، فضلاً عن الاعتقالات. ورغم توقف الاحتجاجات بعد شهور، إلا أنها تركت أثرًا عميقًا في الوعي الاجتماعي، حيث أصبحت بمثابة مدرسة سياسية جديدة ساهمت في ولادة وعي طبقي لدى الشباب، بعيدًا عن الخطاب القومي التقليدي، الذي كان يحتكر السياسة في الإقليم لعقود.
وفي عام (٢٠١٥)، مع تصاعد الأزمة الاقتصادية والمالية، عاد الغضب الشعبي إلى الشارع من جديد، خاصة بعد تأخر رواتب الموظفين، وانكشاف حجم الفساد، فقادت فئة الشباب من جديد احتجاجات واسعة، مطالبين بالشفافية والعدالة في توزيع الثروة، ومحاسبة الفاسدين.
وقد شكّل الشباب العمود الفقري لهذه التحركات، فكسروا حاجز الخوف من القمع، وأعادوا تعريف مفهوم النضال السياسي بوصفه صراعًا طبقيًا لا مجرد صراع بين الأحزاب، مؤكدين أن التحرر القومي لا معنى له دون تحرر الإنسان من الفقر والفساد والاستغلال.
إنتفاضة تشرين (٢٠١٩)
تمثل هذە الإنتفاضة واحدة من أبرز الحركات الاحتجاجية الشعبية في تاريخ البلاد الحديث، حيث انطلقت في بداية أكتوبر (٢٠١٩) من العاصمة بغداد وامتدت بسرعة إلى محافظات الجنوب مثل البصرة، النجف، كربلاء والناصرية. جاءت هذه الانتفاضة بصورة مباشرة وأساسية كرد فعل على ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، وإنتشار الفقر ونقص الخدمات الأساسية، وتفاقم الفساد السياسي والإداري.
شهد هذا الحراك حضورًا لافتًا للنساء والشباب، وسرعان ما تحول إلى حركة ثورية مطالبة بإسقاط النظام.
واجهت السلطة هذه الحركة بقمع شديد أدى الى سقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى واختفاء العديد من النشطاء، دون تحقيق عدالة حقيقية حتى بعد مرور سنوات على الأحداث.
كما شكّل التنظيم الأفقي وعدم الارتهان لأي حزب أو قيادة واضحة أحد سمات هذه الانتفاضة، وحرص الشباب على تقديم نموذج جديد من الفضاء العام عبر تنظيم ساحات الاحتجاج وتقديم الخدمات التطوعية فيها.
بالرغم من عدم تحقيق مطالب شاملة، مثلّت انتفاضة تشرين خطوة فارقة في رفع الوعي السياسي والاجتماعي في العراق، ومثّلت لحظة تلاحم شعبي عابر للطوائف وللفئات في مواجهة منظومة الحكم، وأثّرت بعمق في المشهد السياسي العراقي.
لم تكن انتفاضة تشرين (٢٠١٩) حدثًا عابرًا، بل تعبيرًا عن نهوض طبقي وشبابي جديد. أعادت هذه الحركة الثقة بقدرة الجماهير على التغيير، وأكدت أن الشباب يشكلون الامتداد الطبيعي للطبقة العاملة في نضالها من أجل مجتمع جديد.
التحديات
رغم كل ما تحقق، فإن هذه الحركات والانتفاضات لم تصل بعد إلى أهدافها النهائية، لأنها واجهت ولا تزال تواجه قوى برجوازية وآلتها القمعية الرهيبة، بالإضافة إلى التدخلات الخارجية، وتدخلات الجيش أو الانقلابات كما حدث في بعض الدول مثل اليمن والسودان.
لكن التحدي الأكثر حسمًا أمام الحراك الجماهيري هو غياب حزب طليعي يزوده بأفق اشتراكي ثوري ويقوده نحو ثورة اجتماعية لإسقاط السلطة البرجوازية وهدم النظام الرأسمالي، وفرض إرادة الطبقة العاملة على المجتمع، والبدء ببناء أسس مجتمع حر خالٍ من الفقر والحرمان والاضطهاد. كماركسيين وشيوعيين ثوريين في عراق اليوم نواجه هذا التحدي الحاسم ونحن لدينا (منظمة البديل الشيوعي)
-*-*-*-
ملاحظة: كتبت هذا المقال على ضوء بحث قدمته في الاجتماع الموسع (بلينوم) الرابع لـ(منظمة البديل الشيوعي في العراق) في أواخرا تشرين الأول/أكتوبر (٢٠٢٥)، حول دور الشباب في الحركات الإحتجاجية.
منظمة البديل الشيوعي في العراق تنظيم شيوعي عمالي منهجه الفكري والسياسي ماركسي مستنبط من “البيان الشيوعي”
