مغزى التدخلات السياسية والعسكرية لدولة تركيا

نادر عبدالحميد

التدخلات، لا بل المغامرات العسكرية في منطقة الشرق الاوسط وشمال أفريقيا تشکل ركنا اساسيا من سیاسات الدولة في تركيا عهد اردوغان. نری هذە السياسة ليس فقط في احتلال أجزاء من شمال وغرب سوريا، بل نراها أيضا في الحماية العسكرية لدولة القطر في نزاعها مع السعودية وإنشاء قاعدة عسكرية في الصومال والتدخل العسكري المباشر في ليبيا، وكذلك نراها في تحديها دول حوض البحر المتوسط لترسيم الحدود المائية فيما بينها حول تقاسم المخزون الموجود من الغاز الطبيعي تحت قاع البحر.

صحيح إن الصراعات الحادة بين القوی الامبريالية العظمى في هذه المنطقة حول تحديد المسارات السياسية والعسكرية، ساهمت في خلق فجوات وفراغات سياسية وعسكرية في المنطقة، مما زاد من رغبة دولة تركيا في التدخل وسهل الامر لها، إلا إن الضرورة التي دفعت وتدفع هذە الدولة ورئيس جمهوريتها وتمكنهما القيام بهذه المغامرات، هي ابعد من وجود فجوات وفراغات سياسية وعسكرية في المنطقة وإملائها.

وصل تطور الرأسمالية في تركيا في عقد السبعينات من القرن العشرين مرحلة من النمو استوجب إيجاد تغيرات هيكلية في بنيتها وذلك بإنتهاج سياسة إقتصادية جديدة منذ (١٩٨٠)، مبنية علی ثلاثة أرکان وهي (الانفتاح – الإصلاح – التحديث).

الانفتاح كان مصطلحا شائعا في السبعينات والثمانيات من القرن الماضي ويعني التوجه نحو الكتلة الإمبريالية الغربية والتطبيع مع سياسات الإمبريالية الأمريكية والابتعاد عن الكتلة الشرقية (السوفيتية) والتخلي عن رأسمالية الدولة (مصر أنور السادات خير مثال علی ذلك). اما الانفتاح بالنسبة لتركيا کان يعني انتهاج إستراتيجية الخصخصة وإصلاح القوانين وتخفيف الضوابط الإدارية لتسهيل تطبيقها وتشجيع المنافسة لجذب رؤوس الأموال الخارجية والتكنولوجيا الحديثة المترافقة معها، وبالتالي تحديث وتكييف الإقتصاد الوطني مع حاجات الرأسمال العالمي، مما استوجب بدوره التقارب مع الاتحاد الأوروبي وسوقه المشتركة والسعي للحصول على العضوية فيه.

حصل تطور هائل وشامل في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي في القطاع الصناعي والإنتاج السلعي التركي، مما ادی الی فائض في الإنتاج يزيدعن الحاجات الداخلية، ومن هنا جاءت ضرورة البحث عن الأسواق لتصدير البضائع وتأمين مصادر الخامات لتجهيز الصناعات التركية بالمواد الخام، وذلك تزامنا مع تحولات عالمية، وفتح أسواق دول حديثة التكوين في جنوب روسیا إثر انهيار الكتلة السوفيتية، كذلك سوق إقليم کوردستان العراق منذ بداية التسعينات إثر التغيرات السياسية الحاصلة بعد حرب الخليج الأولی (١٩٩٠). رافق ذلك تصدير الرأسمال والاستثمار في البنية التحية لتلك الدول والأقاليم خصوصا في قطاع العقارات والطرق والجسور والسدود.

هكذا برزت تركيا في آواخر قرن العشرين واوائل الالفية الجديدة كدولة لها نفوذها الاقتصادي ومصالحها الإستراتيجية في المنطقة، والتي إستوجبت تدخلاتها السياسية والعسكرية ليس فقط لضمان تلك المصالح والحفاظ عليها، بل لتوسعة نطاقها. فالرأسمالية هنا وصلت الی مرحلة من البلوغ بدت الحدود الوطنية والقومية لدولة تركيا الحديثة ضيقة عليها. الاقتصاد التركي أصبح واحدا من أقوى 20 اقتصادا في العالم، حيث يحتل المرتبة السادسة عشر أو السابعة عشر على مستوى العالم. ومن بين دول الشرق الأوسط هي الدولة المصدرة الأكبر للسلع الصناعية والزراعية إلی دول الاتحاد الأوربي والشرق الأوسط وشمال افريقيا.

إن هذه التحولات الاقتصادية أحدثت تغيرات إجتماعية في البنية الطبقية للبرجوازية التركية في العقود الاخيرة للقرن العشرين، حيث تغيرت العلاقة بين الشرائح المختلفة لصالح الفئة البرجوازية التي اخذت موقع الصدارة والقيادة لتوجيه تطور الراسمالية وضمان تراكمها وتوسعها. كل هذە التحولات الاقتصادية والتغيرات الإجتماعية رافقتها تحولات فكرية وثقافية أيضا.

كانت الأفكار القومية العلمانية الاتاتوركية المهيمنة منذ بداية القرن الماضي والتي جاءت كإستجابة لتكوين دولة بورجوازية قومية حديثة وإلحاقها بالدول المتقدمة إنتهى عهدها بإنجاز المهمة قبل نهاية القرن، ولم تكن بوسعها ان تعبر وتقود هذا المسار الجديد من التطور والتحول الاقتصادي في تركيا. لذا كان من الضروري ان يعبر هذا المسار عن نفسه بمنظومة أفكار جديدة تتخطی حدود الأفكار القومية المنغلقة علی ذاتها. كانت الحرکة القومية والأفكار القومية العلمانية الاتاتوركية، إنعكاسا لحركة الرأسمال في تركيا في عهد تأريخي معين، والآن حركة الرأسمال في نفس البلد في طور آخر يتطلب صياغة الحركة القومية التركية وافكارها ومُثُلِها  بشكل آخر وطرحها في قوالب جديدة. إن حزب اردوغان (العدالة والتنمية) وتيار الإسلام السياسي، رغم تلاوينه المختلفة، هو حركة قومية في الجوهر وتمثل مصالح الرأسمال الإمبريالي لدولة تركيا.

إن حلم احياء الإمبراطورية العثمانية للتحكم والسيطرة علی منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، ومعها تطور وانتشار أفكار الإسلام السياسي، جميعها ملحقات ايديولوجية تكميلية لهذا التحول المادي والتاريخي الجديد، حيث تقوم هذە الأدوات الأيديولوجية بتبريره وتمريره  وتوجيهه وفرضه علی الشعب الكادح علی شكل اهداف قومية ودينية مقدسة. خلال كلمته في الاجتماع الموسع العام للحزب، في أواخر كانون الأول/ديسمبر ٢٠١٩، قال أردوغان: (تركيا لها محيط حضاري وتاريخي عظيم. وهذا المحيط كبير جدًّا، ويُعد البحر المتوسط وشمال أفريقيا من أهم الأجزاء في هذا المحيط). كما انتقد أردوغان المعارضة التركية، وقال: (ليبيا بالنسبة لنا إرث عثماني وإرث الغازي مصطفى كمال الذي أدى خدمات جليلة بصفته ضابطًا عثمانيًّا).

فالتدخل السياسي والعنجهية العسكرتارية التركية ليست نابعة من شخص أردوغان واحلامه کي يكون سلطانا للشرق الأوسط، بل نابعة من صيرورة مادية، فحواها رأسمالية امبريالية، تخلق شخصية قيادية كي تقودها وتدفعها إلی الأمام وتحققها وتُظهرهاعلی شكل طموحات شخصية.

إذا قارننا تيار الإسلام السياسي في البلدين تركيا وإيران، نری بأن الإسلام السياسي في إيران تطور كحركة إجتماعية استولت على السلطة بالإرتباط مع الثورة الإيرانية. إن هذا التيار كان أمام مسؤولية سياسية مباشرة وهي التخلص من ثورة العمال والكادحين التي اندلعت عام ١٩٧٩ ضد حكم الشاه، ولَعِبِ دور قوة الثورة المضادة لدحرتلك الثورة. اما تيار الإسلام السياسي في تركيا رغم احتوائه علی هذه النواة، كان تاريخيا امام مهمة اخری تهدف لإنجازها، وهي ان تأخذ دفة قيادة تحولات تأريخية تنقل الرأسمالية إلی مرحلتها الامبريالية وتضمن مكانة لتركيا كقوة عظمى .

إن فرض التراجع علی الحرکة العمالية وكسر مقاومة العمال المتمثلة في الإعتصامات والإضرابات، وکذلك قمع اليسار وتشديد الظلم القومي علی الأكراد في تركيا، کان ولا يزال جزءً مكملا لهذا المسار ولإنجاز هذه المهمة من قبل تيار الإسلام السياسي وحزب أردوغان، إذ بدون هذا القمع الداخلي من الصعب القيام بهذه المغامرات ولعبِ الدور كقائدٍ لحرکة الرأسمال القومي في تركيا.

إن وقف التدخلات السياسية والعسكرية لدولة تركيا في المنطقة، ووضع حد لتطاولها علی حياة الكادحين وبطشها للحركة العمالية واليسارية والشيوعية في تركيا، وفرض التراجع عليها فيما يتعلق بممارستها للسياسات الشوفينية القومية، يتطلب بلورة حركة ثورية أممية ذات افق إشتراکي من خلال النضالات العمالية ونضال كادحي المنطقة.

أواسط حزيران 2020

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نناضل من اجل مجتمع حر خالٍ من كافة اشكال التمييز والاضطهاد

تعاني البشرية كافة على مر العصور من القمع والقتل والانتهاكات بصورة مباشرة وغير مباشرة، من ...

احتجاجات وإضرابات عمال العقود  

شهدت محافظة الديوانية بالتزامن مع مجموعة من المحافظات مثل بابل والناصرية والنجف حركة احتجاجية عمالية ...

حضيضٌ لا قاع له !

عبدالله صالح تتناول، هذه الأيام، وسائل الاعلام العراقية، الاقليمية والدولية، بالإضافة الى شبكات التواصل الاجتماعي، ...

حول تنظيم العمال

مؤيد احمد تنظيم نضال العمال هو تحد كبير وقضية رئيسية وملحةتواجهها هذه الطبقة في العراق ...

الحرية لبشير عباس

طارق فتحي لم يمر العراق بنظام اجرامي كهذا ابدا، فأي مقارنة او مقاربة ولو بسيطة ...

%d مدونون معجبون بهذه: