قتل جورج فلويد .. إنتحار بوعزيزي

فلاح علوان

تجتاح العديد من الولايات الامريكية موجة غضب واحتجاجات فجرتها عملية قتل قامت بها الشرطة في شوارع مينسوتا لرجل أمريكي من أصول افريقية.

مقتل جورج فجر الأوضاع في أمريكا، كما فجر إنتحار بوعزيزي قبله سلسلة ثورات إنطلقت من تونس. شرطية تنفذ أوامر سلطة مستبدة وتتقوى بها أهانت كادحاً، فاشعل النار في جسده، وشرطي مع مفرزة من الشرطة الامريكان يستقوون بنظام مستبد عنصري، يشنقون رجلاً حتى الموت على قارعة الطريق.

جورج فلويد عامل أمريكي، ومحمد بوعزيزي كان كادحاً يبيع الخضروات على الارصفة، والقاتل في الحالين هو البوليس. هناك الف سبب وسبب يستدعي تصادم الشرطي حامي القانون الرأسمالي مع العامل، ليس في الاحتجاج والتظاهر والاضراب فقط، منظر العامل وملابسه البسيطة التي تحمل آثار العمل، ووجهه غير المستريح بعد يوم عمل شاق، يجعل نظرة حماة الرأسمالية اليه غير مستريحة. إكتظاظ مدن وأحياء الفقراء، وإحتدام الحياة اليومية ومشاكلها، تجعل البوليس ينظر الى كل سكان الحي كمتهمين، رغم ان الشرطي غالباً ما ينتمي الى هذه الفئات. لهجة العامل والكادح وصوته العالي، وجهره بالسخرية من النظام وممن يمثل النظام، وعدم إمتثاله “للأتكيت” في أحيان كثيرة، تجعل ممثلي النظام يرون فيه تهديداً، وحتى في صمته وتجهمه وعدم إنسياقه وراء المرح الصوري والإنشراح المفتعل، يجعل ممثلي السلطة ينظرون له شزراً كونه “يطرد النعمة”. إن الكادح ورجل النظام أعداء بالغريزة، ورغم أناشيد الوطنية والحماس والأخوة، فان ساعة الحقيقة تكشف كل شيء كما حصل مع جورج فلويد ومع بوعزيزي، ومع شباب الانتفاضة في العراق والذين يقتلون بأيدي اناس يحملون نفس العلم وينشدون لنفس الوطن.

البشاعة التي نفذ بها ضابط الشرطة عملية القتل أو الأحرى الإعدام، بينت للناس إنهم ليسوا امام حادث عرضي، هذه اللحظة التي تكررت أكثر من مرة خلال السنوات الاخيرة، كانت خلاصة نظام من الاستعلاء العنصري عمره قرون. ولا اقول التمييز العنصري، لأن كلمة تمييز تحمل معنى قابلاً للتأويل، إذ يمكن أن يكون ثمة تمييز بين أشياء أو أمور متناظرة أو متساوية، وفضلاً عن ذلك فهي تحمل صبغة الإتجاهات التي تنحت المصطلحات بقصدية وحرفنة،  لتكون ذات قابلية على إستبطان الميول التي عن طريق تصنع الحيادية، تقوم  بتمرير الأفكار والمفاهيم والمشاعر السائدة وإعتبارها طبيعة بشرية وليست نتاج للعلاقات الاستغلالية.

يختنق الانسان ويموت بعد انقطاع الهواء لثلاث دقائق عن رئتيه، وقد أمضى الضابط أكثر من هذا الوقت على عنق الضحية. وهو الضابط المتعلم الذي درس المخاطر والاسعافات والتعامل مع الطوارئ، كان يعلم إن الانسان يموت إذا حبس عنه الهواء، ولكن تربيته الرأسمالية العنصرية كانت تغذي دوافعه العدوانية وإستعلائيته، بحيث لا يعتبر ضحيته انساناً، وهو يرى الانسان في طويته هو القوي ممثل الرأسماليين، شبيه ترامب، أما الاخرون فهم إما خاضعون أو أعداء متمردون أو كلاهما معاَ.

إن ضحايا الإستعلاء العنصري المتحدرين من أفريقيا، لم يروا، بغريزتهم، ركبة الضابط التي خنقت جورج في بضعة دقائق حادثاً، لم يروا انساناً حبس عنه الهواء تماماً 3 دقائق كباقي البشر ومات، لقد رأوا الانسان المستعبد يختنق منذ 3 قرون أو أكثر. يوم جرى إحتلال أفريقيا الوادعة الغنية، وجرى تشغيل الناس المخطوفين من بين ذويهم، مجاناً ولعدة قرون في أمريكا الرأسمالية، ملايين البشر يعملون مجاناً ويقتلون ويذلون لغرض تأمين تراكم رأسمالي ومعدل أرباح عالي.

هتف الشباب في تونس بعد إنتحار بوعزيزي ” الشعب يريد إسقاط النظام”، وقد أنجزوا مهمة إسقاط النظام السابق، وهم يواصلون مسارهم الثوري. أما الشباب في أمريكا فقد عبروا عن الغضب والاحتجاج بمهاجمة بعض المباني وعجلات الشرطة.  الّا أن شعار إسقاط النظام الرأسمالي وإقامة نظام آخر لم يجر التعبير عنه علناَ وبوضوح.

لقد جرى رفع الاعلام الحمر في بعض التظاهرات والتي أثارت هلع ترامب والبيت الأبيض وما يعرف بالادارة الامريكية، التي تحدثت جهاراً عن اليساريين المتطرفين وخوفهم من تطرفهم، ورفعت بعض الاحزاب الثورية في أمريكا شعار الجمهورية الاشتراكية في أمريكا.

فلنتخيل، دولة الترسانة النووية الاكبر في العالم، والتي تهيمن على أجواء العديد من دول العالم، وتسيطر على نظم المعلومات والاقمار الاصطناعية والاولى في أكثر مكتسبات التكنولوجيا والسلاح، تهتز هلعاً من بضعة رايات حمر أرتفعت في تظاهرات سلمية.

لا أحد يستطيع التنبؤ بما ستؤول اليه الأمور في أمريكا وكندا وبريطانيا، ولكن أمراً مؤكداً قد وقع، وهو إن “حضارة” العنصرية والإستعباد تعرضت لهزة وصلت الى إسفل جذورها، وستستهدف كل اسسها وبناها، وليس فقط المطالبة بتشريعات حول العنصرية وحقوق الإنسان، كما جرى في الخمسينات والستينات من القرن العشرين.

ومهما يكن من أمر فان خنق انسان بهذه البشاعة في الشارع جعل البشرية تحبس انفاسها من هول مابلغه الاستعباد الرأسمالي والخداع الديمقراطي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جريدة الغد الاشتراكي العدد 20

اعزاءنا قراء ومتابعي جريدة الغد الاشتراكي اليكم العدد ٢٠ من الجريدة ، والذي يحتوي على ...

بمناسبة الذكرى السنوية الثالثة لتأسيس منظمة البديل الشيوعي في العراق

يُصادف يوم الخامس والعشرين من شهر تموز الحالي الذكرى السنوية الثالثة لتأسيس منظمة البديل الشيوعي ...

الشعب يريد إسقاط النظام… لكن كيف؟

مثلما يحصل دائما مع اي تحشيد جماهيري في بغداد او المحافظات، خصوصا الاحتجاجات ذات المطالب ...

جريدة الغد الاشتراكي العدد 19

اعزاءنا قراء ومتابعي جريدة الغد الاشتراكي اليكم العدد 19 من الجريدة ، والذي يحتوي على ...

نناضل من اجل مجتمع حر خالٍ من كافة اشكال التمييز والاضطهاد

تعاني البشرية كافة على مر العصور من القمع والقتل والانتهاكات بصورة مباشرة وغير مباشرة، من ...

%d مدونون معجبون بهذه: