ماذا لو كان العالم  من دون رجال دين ؟ قراءة لزيارة البابا الى العراق

 

تحت شعار (” انتم جميعاً اخوة ” – نص مستوحى من الانجيل )، قام بابا الفاتيكان فرنسيس الأول  يوم  5-3-2021  بزيارة رسمية الى العراق  استغرقت أربعة أيام، وهذه هي المرة الاولى في التاريخ  يزور فيها بابا الفاتيكان هذا  البلد، واول زيارة له خارج معقله بعد انتشار مرض كورونا.

جاءت هذه الزيارة وسط أوضاع متدهورة يمربها العراق ، سياسية كانت، اقتصادية واجتماعية، ناهيك عن الأوضاع الصحية، وسط هذه الأجواء غير الخالية من المخاطر، جاءت هذه الزيارة، وهوما يُفسر بأن هناك أهدافٌ مهمة مرسومة مسبقاً استوجبت هذه المخاطرة وهذا الحضور لهذه ” الشخصية الدينية ” في العراق، أهداف سياسية و”روحية “.  

 وسائل الإعلام العالمية سبقت الزيارة  بنشر دعاية تصفها بـ”الروحية”  وبعيدة عن السياسة، الا ان الشواهد والمواقف ، ومنذ أن وطأت قدما البابا ارض العراق ، تُفند هذه الرواية حيث بدأ خطابه الأول بالقول : ( لتصمت البنادق ) ، (ليكن الدين من أجل السلام والإخاء) ، (الوقوف بوجه اللامساواة الاقتصادية على صعيد العالم )، (مواجهة الفساد وسوء استخدام السلطة) ، ثم دعوة المجتمع الدولي إلى التكاتف من أجل السلام في العراق والشرق الأوسط. هذه التصريحات مؤشرات واضحة، الى الطابع السياسي لهذه الزيارة، ناهيك عن كون المذكور هو رئيس بلد له تمثيل دبلوماسي في معظم بلدان العالم .

لقد أراد البابا أن يختم العراق وأقليم كوردستان بختم المسيحية، ويُذكّر الجميع بأن الكلدان والاشوريين والسريان هم المكونات الاصلية والاساسية، ليس في هذا البلد فحسب، بل وفي الشرق الأوسط أيضا، لذا فهم ليسوا ضيوفا وانما أصحاب الدار ويجب أن يكون التعامل معهم وفقا لهذا المنطق وبناء على هذه الحقيقة التاريخية. وباختصار، فقد أراد إعادة تأهيل “الكيان المسيحي” بعد أن تعرض هذا الكيان لضربة وحشية موجعة من قبل داعش.

أما زيارته الى المرجع الشيعي على السيستاني في النجف، وفي إحدى جوانبها، كانت رسالة موجهة الى “مرجعية قُم” تقول بأن الكنيسة تتعامل وتعترف بـ “مرجعية معتدلة ” وليس بمرجعية متطرفة تهدف الى زعزعة الاستقرار والامن في المنطقة، وهوما يُفسر كمحاولة لدق اسفين بين ” المرجعيتين ” !.جدير بالذكر ان نفس هذا البابا كان قد زار “المرجعية السنية” في القاهرة، المتمثلة في شيخ الأزهر شباط عام ٢٠١٩ ، حيث وقعا معا “رسالة الأخوة الإنسانية من أجل السلام والتعايش”.   

وأخيرا ، فقد أراد البابا أن يسلط الضوء على أهمية العراق التاريخية ، الحضارية والسياسية وينبه العالم ويذكرهم بذلك، او على الأقل يذكر قرابة مليار من اتباعه، بهذه الأهمية وهو ما يُعتبر دعما سياسيا ومعنويا قويا للسلطتين الحاكمتين في بغداد واربيل، في محاولة لتخفيف الأعباء عنهما اثر الحراك الجماهيري الواسع والمستمر ضد سياساتهما، القمعية والرجعية تجاه هذا الحراك، وهوما دفع بمصطفى الكاظمي رئيس وزراء العراق الى الإسراع في جني الثمار السياسية لهذه الزيارة بدعوته الى “عقد اجتماع موسع للقوى الوطنية من أجل السلام والمصالحة والتعايش” ، دعوة تلقتها حكومة إقليم كوردستان بكل ترحاب وأصدرت، وفور اطلاق الدعوة، نداءً مفاده ” لبيك يا كاظمي “.

أما زيارته لمحافظة ذي قار، فهي تمثل الجانب الآخر للزيارة أي الجانب ” الروحي ” ، كونها جاءت وبالتحديد لموقع أور الأثري،  الذي يعتقد علماء الآثار أن عمره يعود لأكثر من 1900 سنة قبل الميلاد، ويُعدّ موقعاً رمزياً لأتباع “الديانات السماوية التوحيدية ” ( اليهودية ، المسيحية والإسلام )،  هنا يشدّد البابا على وحدانية منشأ هذه الديانات الثلاث ، ثم يُطلق تصريحاته ” الروحانية ” بالقول : ” آتيكم حاجاً تائباً لكي ألتمس من الرب المغفرة والمصالحة بعد سنين الحرب والإرهاب” ، ثم يقول ما معناه :  (( ” أيها الإسلاميون المتطرفون، اتركوا عنفكم المقدس القائل : سأقتلك وأنا متأكد جداً من أنني سأقترب من الله بقتلك، أو حتى بذبحك، وسأذهب إلى السماء”. واستوحوا الدروس من تأريخنا، وبادروا الى إعادة النظر في “النصوص المقدسة” وأنصحكم أخوتي المسلمين بقراءة نصوصكم مرة أخرى في ضوء الحاضر والعلم الحديث وأوصيكم بممارسة منهج النقد التاريخي لهذه النصوص ، كما فعلنا نحن مع نصوصنا وكتبنا المقدسة وإلا فلن نخرج من المأزق أبداً – التأكيد مني – )). ( ٢ )

مراجعة سطحية لتأريخ الكنيسة في القرون الوسطى وحتى عصر النهضة في أوروبا، تُظهر كيف كانت تتعامل مع كل من يخالف معتقداتها، فقتل العلماء ومحاكم التفتيش، كما حدث لغاليلو، وبيع صكوك الغفران والوقوف مع أشد الدكتاتوريات رجعية، وخوض غمار حروب دينية و …. جميعها شواهد على هذا التأريخ الدموي الذي يرثه الآن البابا فرنسيس.

مع نهاية الاقطاعية وظهور الطبقة البرجوازية، والتي كانت آنذاك طبقة ثورية تناضل من أجل تثبيت أركان سلطتها وبناء اقتصادها، كانت الكنيسة عائقا أمام سير هذه العملية التأريخية التي لم يكن باستطاعة الكنيسة وضع العصي في دواليب تقدمها ، لذا، وعلى اثر ذلك قُوّضَت أفكار الملكية وسلطة الكنيسة من قبل الأفكار التنويرية ، ومهدت الطريق أمام الثورات السياسية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأجبرت الكنيسة الى إعادة تعريف نفسها بوصفها “كيان تحمل “رسالة روحية”، وليس رسالة سياسية” وأخرجت من جميع جوانب الحياة العامة والسياسية، وألغيت مشاركتها في الحياة اليومية للناس واضطرت لتغليف هزيمتها بمقولة ” ان المسيحية تصالحت مع نفسها ومع الحداثة”. رغم كون ما حصل ليس بنهاية سطوة الكنيسة ، الا انها وضعت حداً لسلطتها السياسية .

اليوم، وبعد المجازر الدموية التي ارتكبتها النماذج المختلفة للإسلام السياسي وآخرها وحشية وهمجية داعش، نحن أمام نفس السيناريو بالنسبة لرجال الدين المسلمين، ولكن في زمن مختلف، فما حل بالكنيسة ورجالاتها آنذاك، هو نفس المصير الذي ينتظره نظرائهم، وكما جاء في نصيحة البابا والتي سماها المأزق،  ووفقا للصيرورة التاريخية  التي لاحت بوادرها مع بداية القرن العشرين بالثورة البلشفية بقيادة لينين، ونتيجة للصراع الحي والواقعي الدائر حاليا بين القوى البرجوازية المحلية والامبريالية العالمية وسلطتها من جهة، وبين طبقة البروليتاريا والكادحين والمهمشين ومعهم جميع أحرار العالم من جهة أخرى، فلابد للرياح أن تأتي بما لا تشتهيه سفن رجالات الدين .

اليوم، وبعد كل هذه المآسي التي حلت بالبشرية جراء ما قام به هؤلاء من سياسات هدفها الدفاع عن مصالح الطبقات المُستغِلة( بكسر الغين ) ومؤازرتها على حساب مصالح الطبقات المُستَغَلة ( بفتح الغين ) عبر التأريخ من قبل هؤلاء، هناك سؤال يطرح نفسه بإلحاح وهو: هل للبشرية أن تشهد يوما عالما بلا رجال دين !؟  عالما خاليا من البابوات والحاخامات والملالي وأهل العمائم ، أو على أقل تقديرأن لا نراهم سوى في كنائسهم و مساجدهم وحسينياتهم، مُبعَدين عن شؤون المجتمع ومجبرين على ترك الحياة العامة ؟ وهل ستخسر البشرية شيئا في غيابهم ؟ هل ستتوقف مسيرة الحياة من دونهم ؟ وما الذي قدمه هؤلاء لخدمة البشرية ؟ وهل هناك اية ضرورة لتواجدهم؟ وهل وجودهم يُقارن بوجود الكهرباء والانترنيت والطائرة وعلوم الطب والرياضيات والفلك و …… أم ماذا ؟ أم ان في غيابهم  ستنعم البشرية بحياة أخرى، حياة تنطلق فيها خلّاقية الانسان وتُفتح أمامه آفاق أوسع وارحب لبناء عالم واقعي خال من كل أشكال الاستغلال ومنها الاستغلال ” الروحي ” ، حياة لاهَمَ فيه للإنسان سوى توفير كل وسائل السعادة والراحة لجميع بني البشر حيث لا وجود لأية هوية سوى الهوية الإنسانية .

عبدالله صالح

٧ – ٤- ٢٠٢١

—————————————————————————————————————

( 1 ) الفاتيكان هو أصغر دولة في العالم، تقع شمال غرب روما، عاصمة إيطاليا. تبلغ مساحتها  0.44 كيلومتر مربع، ويبلغ  عدد سكانها، وفقا لتعداد عام   2004،  921 شخصا فقط، انفصلت عن إيطاليا عام 1929، وأصبحت كيانا مستقلا، واللغة الرسمية للفاتيكان هي اللاتينية.  المصدر-  موسوعة ويكيبيديا   

 (٢ ) راجع مقالة الكاتب هاشم صالح في موقع – السفينة – عدد  الأربعاء ١٠ – ٣ – ٢٠٢١

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حول تنظيم العمال

مؤيد احمد تنظيم نضال العمال هو تحد كبير وقضية رئيسية وملحةتواجهها هذه الطبقة في العراق ...

الحرية لبشير عباس

طارق فتحي لم يمر العراق بنظام اجرامي كهذا ابدا، فأي مقارنة او مقاربة ولو بسيطة ...

هامش الحرية والجو السياسي المنفتح في العراق

نادر عبدالحميد رافق سقوط نظام البعث عام (٢٠٠٣) شعورا بالفرح، ليس فقط في أوساط الجمهور ...

الإسلام السياسي إرهابي بطبيعته، في ذكرى اغتيال الرفيقين شابورعبد القادر وقابيل عادل

مؤيد احمد يمر اليوم ثلاثة وعشرين عاما على اغتيال الرفيقين شابور عبد القادر وقابيل عادل ...

ندوة نشرة صدى العمال بمناسبة الأول من أيار

اقامت هيئة تحرير نشرة صدى العمال ندوة عمالية بمناسبة الاول من ايار يوم العمال العالمي ...

%d مدونون معجبون بهذه: