منذ اكثر من قرن تم اختيار الأول من آيار ليصبح ذكرى للاحتفال بالإنجازات الاجتماعية والاقتصادية للحركة العمالية, وفي كثير من الأحيان تتخذ الجماهير في مختلف البلدان هذا اليوم كيوم للاحتجاج العمالي، وعلى مر سنوات عديدة كان الاحتفال في العراق احتفالاً تقليدياً تقوده بعض قوى اليسار، يبدأ التجمع أمام المسرح الوطني لعدد من العمال لا يتجاوز المئة او مئتي شخص، وتتخلل الوقفة رفع شعارات وأعلام ومطالب ومن ثم تبدأ المسيرة مشياً على الأقدام لساحة الفردوس لتتفرق الجماهير ويمر هذا اليوم المهم كأي يوم عادي.
لكن هذا العام كان الوضع مختلفاً جداً، بسبب الاوضاع السياسية والاقتصادية التي يمر بها العراق، من سرقات للأموال العامة وخصخصة للشركات وإغلاق للمصانع ، وارتفاع في سعر العملات الأجنبية، الذي أثر تأثيراً كبيراً على الاسواق بشكل عام مما تسبب برفع اسعار السلع الغذائية والمنتجات الأخرى، كون أغلب هذه المواد يتم استيرادها بالعملة الصعبة، مما جعل الكثير من العمال والموظفين اصحاب الدخل المحدود يطالبون بتعديل سلم الرواتب الذي يشهد فروقات كبيرة بين رواتب الموظفين والمسؤولين أما العمال والشغيلة في الاماكن الاهلية والقطاع الخاص من طبقة البروليتاريا يعيشون في فقر مدقع، ساعات عمل طويلة وأجور قليلة وهذا ما أثار الجماهير ودعاها للنزول والمشاركة الفاعلة في مناسبة الأول من ايار.
مسيرة العمال هذه السنة لم تكن تقليدية ابداً، فتنسيق واهتمام بعض القوى اليسارية والاتحادات العمالية والنقابات في هذا العام لهذه التظاهرة كان مختلفاً، فقد تم التنسيق مع العمال والمحتجين على أن تكون الوقفة في ساحة الفردوس، وكان الحضور لعدد كبير من العمال والشغيلة والأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني ثم انطلقت المسيرة لساحة التحرير، كانت قد تجمعت اعداد كبيرة من المطالبين بتعديل سلم الرواتب، وقد استمرت المسيرة لساعات الظهيرة، رفع فيها المحتجون راياتهم ولافتاتهم، وهتفوا بمطالبهم وشعاراتهم ومن هذه الشعارات:
الغبن وعدم المساواة في المخصصات والمستحقات ونواقص سلم الرواتب هي نتائج للسياسة الاقتصادية للحكومة.
عدم تأمين رواتب تغطي متطلبات المعيشة اللائقة والفوارق الفاحشة بين رواتب الموظفين والمسؤولين الحكوميين هي نتائج لسياسة اقتصادية مخططة.
النضال من أجل الارتقاء بمستوى الرواتب والنضال ضد السياسة الاقتصادية الحالية يجب أن يتحدا في نضال مشترك واسع.
هيكلة الشركات وتصفية الصناعات مخطط يهدف الى الاستيلاء على الثروات العامة باسم الإصلاح الاقتصادي.
التعطيل المتعمد للمشاريع والصناعات، سياسة مخططة وتطبيق اتفاقيات صندوق النقد والبنك الدولي.
خصخصة الشركات والممتلكات العامة والقطاع العام يقود الى فقدان فرص العمل وتهديد مستقبل الباحثين عن التوظيف.
نهب الثروات العامة بإسم الاستثمار لا يهدد فئة او شركة بعينها، انه نهب للثروة العامة وافقار للملايين وزيادة تكاليف المعيشة.
صرف ضمان البطالة لكل معطلة ومعطل عن العمل.
إلغاء سياسات الخصخصة وهيكلة شركات قطاع الصناعة وتسريح العمال.
حرية العمل النقابي في جميع مؤسسات الدولة الصناعية والخدمية والإدارية.
تعديل قانون سلم الرواتب لصالح العمال والموظفين.
حماية المرأة العاملة قانونيا في مواقع العمل من التحرش والعنف والتمييز.
منع التمييز ضد العمال على أساس الجنس والقومية واللون والجنسية والطائفة والعقيدة.
منع عمل الأطفال وتوفير الضمان الاجتماعي لهم ولعوائلهم.
دفع رواتب العمال والموظفين والمتقاعدين بالكامل وبدون تأخير ورفعها في جميع القطاعات تزامنا مع نسبة التضخم.
حرية التنظيم النقابي والإضراب والتظاهر.
تثبيت بقية العمال والموظفين العاملين بالعقود والمحاضرين العاملين بالمجان.
مع كل هذا الاهتمام بهذه المناسبة في هذا العام، لكن لم يكن هنالك حضور كبير للمرأة العاملة، أعداد قليلة جدا من النساء كانت متواجدا في التظاهرة تقدر بحوالي ٥٠ امرأة تقريباً، من اصل مئات العمال المتواجدين في ساحات التظاهر، هذا الضعف في الحضور الذي يعكس أوضاع النساء وهن يواجهن مجموعة من القضايا، وهي الاستقلال المادي للمرأة وأهميته من جميع النواحي، حيث أن قضية تحرر المرأة ومساواتها جزء لا يتجزأ من القضية العمالية كما يقول كارل ماركس، وهذا ما يزيد الحمل والثقل على كاهل الناشطات والناشطين والمنظمات المعنية بنشر الوعي والتعريف بهذه المناسبة بشكل صحيح لضمان عدم تكرار هذا الغياب في السنوات القادمة.
لا نغفل حقيقة ان العراق مجتمع عشائري ذكوري منغلق، والكثير من النساء حتى ولو اردن الخروج لا يمكنهن بسبب هيمنة ذكور العائلة عليهن، رغم ان الكثير من النساء يتعرضن للتحرش والتمييز وعدم المساواة في الأجور بينهم وبين الذكور، ونسبة النساء العاملات بحسب احصائيات تقول من بين ١٠٠ عامل هناك ١٤ امرأة عاملة فقط، هذا الفرق الكبير يشير ويؤكد عدم المساواة، ناهيكم عن العمل المنزلي غير المأجور، وعدم توفير ضمان اجتماعي يحمي المرأة ربة المنزل كون السلطات لا تعترف بالمرأة ربة المنزل على أنها عاملة ولا تقدر هذا العمل المهم في تنشئة وتربية الأجيال.
ومن جانب آخر كان واضحاً للجميع غياب العمال والشغيلة وموظفي القطاع الخاص من خلال المسيرة والوقفة، لاحظ الجميع على جنبات الطريق والأرصفة المطاعم والافران والماركات وعمال البناء جميعهم يعملون في يومهم، وهذا ان دل على شيء فأنه يدل على أن السلطات لم تتخذ إجراءات صارمة تمنع عمل العمال في يوم مهم كهذا، اليوم حيث انتشرت على مواقع السوشيال ميديا عبارة “العمال يعملون في عيدهم والمسؤولين يحتفلون”، ومن هنا يجب ان يكون العمال يداً واحدة لتحقيق مطالبهم بالضد من سياسات الدولة الاقتصادية، وبعيداً عن التفرقة الطبقية، وأن تكون صفوفهم أكثر تنظيماً، ليتمكنوا من انتزاع حقوقهم المسلوبة، فالفقر لا يصنع ثورة وإنما وعي الإنسان الفقير هو الذي يصنع الثورة، والعمال ليس لديهم ما يخسروه سوى أغلالهم، لكن إذا انتفضوا سيكسبون العالم بأسره.
عاش الاول من آيار يوم التلاحم الأممي للطبقة العاملةآ
منظمة البديل الشيوعي في العراق تنظيم شيوعي عمالي منهجه الفكري والسياسي ماركسي مستنبط من “البيان الشيوعي”
