في خطوة تمثل انتهاكًا خطيرًا لحقوق الإنسان وتراجعًا عن مكتسبات تاريخية ،أقر البرلمان العراقي ثلاثة قوانين جدلية بضربة واحدة، متجاوزًا القواعد الدستورية والأصول البرلمانية التي يُفترض أن تحمي إرادة الشعب.
هذه القوانين – وهي تعديل قانون الأحوال الشخصية، وقانون العفو العام، وقانون العقارات – لم تُمثل إلا صفقات سياسية أبرمت بين الكتل المتنفذة في البرلمان على حساب حقوق ،النساء والأطفال.
التعديل: انتهاك لحقوق للنساء واغتصاب للطفولة
إن السماح بتزويج الطفلات في سن التاسعة او حتى اصغر، كما ينص هذا التعديل، ليس إلا شرعنة لاغتصاب الطفولة تحت مسمى “الزواج”. كيف يمكن لدولة أن تدّعي حماية مواطنيها بينما تسلب الأطفال طفولتهم وتجعلهم عرضة للاستغلال الجسدي والنفسي؟
لا يتوقف هذا التعديل عند تزويج الطفلات، بل يمتد ليضع النساء في موقفٍ أشد ضعفًا، من خلال حرمانهن من حقوق أساسية مثل حضانة الأطفال والنفقة والميراث. إنه اعتداء مباشر على كرامة النساء واستقلاليتهن، وإجبار لهن على البقاء تحت سيطرة نظامٍ أبوي يتجاهل احتياجاتهن الإنسانية والاجتماعية.
من أكثر جوانب التعديل خطورة، السماح بإبرام عقود الزواج خارج المحاكم الرسمية. هذا الإجراء يُمكّن رجال الدين من التدخل المباشر في تنظيم العلاقات الاجتماعية وفقًا لأهوائهم ومعاييرهم الخاصة، بعيدًا عن أي رقابة قانونية.
التعديل يتعارض مع المعاهدات الدولية
إن إقرار هذا القانون لا ينتهك فقط حقوق النساء والأطفال في العراق، بل يتعارض أيضًا مع التزامات العراق الدولية. العراق طرفٌ في العديد من الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) واتفاقية حقوق الطفل. هذه المعاهدات تفرض على العراق الالتزام بحماية حقوق النساء والأطفال، وضمان عدم تعرضهم لأي شكل من أشكال العنف أو التمييز. إقرار مثل هذا التعديل قد يؤدي إلى فرض عقوبات دولية على العراق.
سلطة تتلاعب بمصير النساء والمجتمع
يعكس هذا التعديل كيفية استغلال السلطة للدين والتقاليد كأدوات للسيطرة على المجتمع. منذ عام 2003، عملت القوى السياسية على تعزيز هيمنتها من خلال تقديم قوانين تخدم مصالحها، دون اعتبار لاحتياجات الشعب أو حقوقه الأساسية. لقد حاولت السلطة تمرير قوانين مشابهة في السابق، لكنها واجهت مقاومة شرسة من النساء والمنظمات الحقوقية. واليوم، تسعى السلطة لاستغلال موقعها لتمرير هذا القانون باستخدام كل أدواتها، من وسائل إعلام إلى ميليشيات وجيوش إلكترونية، وحتى نقابات كانت تُعتبر سابقًا حصنًا للدفاع عن الحقوق، لكنها أصبحت اليوم أداةً لخدمة المصالح السياسية.
أثر التعديل على النساء والأطفال
سيساهم اقرار هذا القانون بتحويل الطفولة إلى عبودية مقننة، ودفع الفتيات القاصرات إلى حياة مليئة بالعنف والاستغلال الجسدي والنفسي، بالإضافة الى تفكيك النظام القانوني حيث سيسمح بإبرام عقود الزواج خارج المحاكم، ويخلق نظامًا موازيًا تتحكم فيه المؤسسات الدينية بشكل مباشر.
ضرورة فصل الدين عن الدولة
من المهم أن ندرك أن إدارة شؤون المجتمع، وخاصة ما يتعلق بحقوق النساء والأطفال، لا يمكن أن تُترك لرجال الدين وأهوائهم.
ورجال الدين يجب أن يقتصر عملهم داخل مؤسساتهم الدينية، دون التدخل في شؤون الدولة أو فرض رؤيتهم على القوانين التي تمس حياة المواطنين.
القوانين التي تنظم الأسرة والمجتمع يجب أن تُبنى على دراسات ميدانية وأبحاث اجتماعية تُعدها منظمات حقوق الإنسان والناشطات النسويات والخبراء في قضايا المرأة والطفل، وليس على أهواء سياسية ودينية تهدف إلى تعزيز هيمنة السلطة على حساب الفئات الأكثر ضعفًا.
دعوة للمقاومة والتضامن
إن تمرير هذا القانون يجب أن يكون ناقوس خطر يدفع الجميع إلى التحرك. فهذا ليس مجرد اعتداء على حقوق النساء، بل هو تهديد مباشر للحياة الاجتماعية بشكل عام. لذلك على جميع القوى النسوية والمنظمات الحقوقية والنشطاء وكل التحرريين الوقوف صفًا واحدًا في وجه هذا التعديل.
يجب أن نرفع أصواتنا عالية لرفض هذا القانون وإلغائه، والعمل على ضمان حقوق النساء والأطفال بما يتماشى مع القوانين الدولية والتزامات العراق. ان هذه المعركة ليست معركة النساء فقط، بل هي معركة كل من يؤمن بالحرية والمساواة. يجب أن يكون هناك ضغط شعبي واسع النطاق لإلغاء هذا القانون، ولإرسال رسالة واضحة إلى السلطة بأن حقوق النساء والاطفال ليست محل مساومة أو صفقات سياسية.
لن نقبل بالعودة إلى عصور الظلام.
سنواصل النضال من أجل حقوقنا وحقوق أطفالنا، ومن أجل بناء مجتمع يحترم الجميع بغض النظر عن جنسهم أو أي تصنيف اخر. حقوق النساء ليست قابلة للتفاوض، وسنظل ندافع عنها مهما كلفنا ذلك.
ميار عامر
منظمة البديل الشيوعي في العراق تنظيم شيوعي عمالي منهجه الفكري والسياسي ماركسي مستنبط من “البيان الشيوعي”
