قراءة لرسالة (عبدالله اوجلان ) الأخيرة

عبدالله صالح

يوم الخميس المصادف( ٢٧/٢/٢٠٢٥ ) و في مؤتمر صحفي، عقده الوفد الذي كان قد زار( عبدالله أوجلان) زعيم حزب العمال الكوردستاني الـ ( PKK) في زنزانته الانفرادية في (جزيرة امرالي ) حيث يقضي الأخير عقوبة بالسجن المؤبد منذ أن تم اختطافه عام( ١٩٩٩ ) في كينيا من قبل المخابرات التركية وبالتنسيق والتعاون مع الموساد الإسرائيلي والمخابرات الامريكية. تم قراءة رسالة (أوجلان) في المؤتمر المذكور من قبل أحد أعضاء الوفد، ومضمون الرسالة هي دعوة أنصاره في حزب العمال الكوردستاني الـ( PKK) الى حل الحزب والقاء السلاح ويضيف في نفس الرسالة : (بأنه يتحمل المسؤولية التاريخية لهذه الدعوة) .

هذه الرسالة جاءت بعد أن دعى ( دولت باخچلي ) زعيم حزب الحركة القومية،  في أكتوبر عام( ٢٠٢٤) (عبدالله اوجلان) الى القاء كلمة في البرلمان التركي يدعوا فيها حزبه الى القاء السلاح وحل نفسه .

هذه ليست المرة الأولى، بل هي المحاولة السادسة التي يلجأ فيها الطرفان الى حل النزاع بينهما بالطرق السلمية بعيدا عن السلاح والعنف، ذلك النزاع الذي بدأ أوائل حقبة الثمانينات من القرن الماضي، جميع المحاولات الخمس السابقة آلت الى الفشل وتم معاودة استخدام العنف مرة أخرى .أما بالنسبة لدعوة أوجلان الأخيرة فهي الثالثة من نوعها التي يوجهها الى أنصاره لايقاف العمليات العسكرية ضد تركيا حيث سبق وأن وجه أنصاره في ( آذار – مارس ٢٠١٣ ثم في الشهر نفسه عام ٢٠١٥) الى وقف العمليات العسكرية والبدء بالمسار التفاوضي مع الحكومة في تركيا.

الجديد هذه المرة، هو أن تأتي المبادرة والدعوة من قبل تركيا نفسها، وبالذات من زعيم حزب الحركة القومية ذو النزعة الفاشية المشارك في السلطة مع اردوغان، هذا الحزب الذي كان يعارض سابقا، وبإصرار، أية عملية تفاوضية مع الـ ( PKK) ويقف ضدها.

قراءة أولية لزمن اعلان هذه الرسالة، تشير الى التطورات والتغيرات الحاصلة على صعيد العالم حيث صعود الفاشية، تلك الفاشية التي لا تتعارض مع السلطة الاستبدادية لـ (رجب طيب أردوغان) في الداخل بل وتتماشى معها، ثم ضرورة تأمين المصالح الرأسمالية للطبقة البرجوازية في تركيا وارتباط ذلك بمصالح الرأسمال العالمي وسط هذه التغييرات والتحولات الجارية في المنطقة، تلك هي جزء من ضرورات الاقدام على هذه العملية التفاوضية من قبل تركيا، وفي هذا الظرف الذي تمر فيه المنطقة، حيث تتلاشى قوى” الهلال الشيعي” المؤيدة لإيران واحدة تلو الأخرى، بدأ من انهيار المنظومة العسكرية لحزب الله في لبنان ثم التغييرات التي حصلت أثر الهجوم الوحشي للحكومة الفاشية في إسرائيل على قطاع غزة والفلسطينيين عموما، وانهيار سلطة حماس شبه الكامل وأخيرا سقوط نظام الأسد في سوريا على يد الإسلاميين الموالين لتركيا مما ترك فراغا في المنطقة تسعى تركيا بكل قوة الى ملئه ولعب الدور الرئيسي فيه، ورغم ان تلك السياسة لتركيا تتعارض مع سياسات أمريكا وإسرائيل في المنطقة، الا ان الدول الثلاث تتشارك في سياساتها الاستراتيجية بعيدة المدى كونها تنتمي الى نفس القطب الرأسمالي العالمي.

بالعودة الى رسالة ( أوجلان) التي تحمل في طياتها، باعتقادي، عناصر الفشل أكثر من عناصر النجاح، فـ ( عبدالله أوجلان) يعيش منذ أكثر من (٢٥) عامًا،  في عزلة شبه تامة، بعيدًا عن مجريات الأحداث الإقليمية والعالمية، هذا الانقطاع يجعل أي قرار يتخذه محل شك، لأنه قد لا يكون مبنيًا على إدراك حقيقي للأوضاع الراهنة، أو تعبيرًا عن رؤية استراتيجية لحل النزاع.  فعملية نزع سلاح الحزب وبالتالي حله، ليس بالأمر البسيط والسهل، حتى ولو سارت الرياح كما تشتهيه سفن ( أردوغان )، فهي تحتاج الى زمن طويل نسبيا، ونظرا للتجاذبات السياسية التي ستترافق مع هذه العملية، فان أبوابا أخرى أكثر تعقيدا ستُفتح أثناءها، عكس ما يتصوره البعض، وان تعليق الآمال لإنجاح هذه العملية على نفوذ( أوجلان) داخل الحركة البرجوازية القومية الكوردية فقط !هو عنصر غير كافٍ، رغم وجود حقيقة لا يمكن نكرانها وهي النفوذ الواسع والقوي لـ ( PKK) داخل الجناح ” اليساري” للحركة القومية الكوردية بالأخص في كوردستان تركيا وكوردستان سوريا، علاوة على امتلاك هذا الحزب لقاعدة اقتصادية قوية وقاعدة اجتماعية كذلك مما يمكنه، بشكل من الاشكال، من الاستمرار في ميدان السياسة حتى وان تم نزع سلاحه.

كان لهذه الرسالة وقع وتأثير مختلف على أجنحة الحركة البرجوازية القومية الكوردية، فهناك من أصيب بالصدمة واعتبرها استسلاما غير مشروط  واستشهد بالمثل القائل 🙁 كيف يمكنك التفاوض مع التمساح ورأسك داخل فمه ؟) وهناك من حاول البحث عن المبررات لها، الا أن معسكر المصدومين كان هو الأوسع. 

اذا كان (عبدالله أوجلان) وحزبه قد عَمِلا وسَعيا من أجل تأمين الحقوق القومية للأكراد في تركيا عبر حل المسألة القومية، الا ان الحل الذي يبحثون عنه لا يتجاوز الأطر البرجوازية، كما هو الحال الآن في إقليم كوردستان العراق، فالحركات القومية الكوردية وعبر التاريخ الحديث لم يكن سلاحها ضد السلطات المستبدة بقدر ما كان سلاحها من أجل السيطرة على المجتمع والدفع به صوب الاتجاه الذي يرسمونه هم والذي لا يتعارض، في محصلته النهائية، مع مصالح النظام الرأسمالي السائد، لذا فأن خلاص المجتمع من هذه الحركات المسلحة للأحزاب القومية  يفتح آفاقا أوسع لتنامي وتقدم الوعي الاشتراكي ، ومن هنا يمكن اعتبار نجاح هذه الدعوة وتلك العملية السلمية  نقطة إيجابية في مسار الحرب الطبقية، حيث سيساهم في رفع تركة ثقيلة من الأوهام القومية عن كاهل الطبقة العاملة والكادحة ويوفر بيئة أكثر ملائمة لتقدم النضال الطبقي ووحدة المصير لدى هذه الطبقة بعيدا عن الانتماءات القومية والعرقية.

١٠ / ٣ / ٢٠٢٥

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جريدة الغد الاشتراكي العدد 53

جريدة الغد الاشتراكي العدد 53 لقراءة العدد يرجى النقر على الرابط التالي: أعزاءنا قراء ومتابعو ...

كلمة مؤيد احمد، نيابة عن منظمة البديل الشيوعي في العراق، في مراسم الاحتفاء بنضال وحياة الرفيقة ينار محمد في السليمانية

طاب مساءكم أعزائي الحضور   نيابة عن اللجنة المركزية وجميع أعضاء منظمة البديل الشيوعي في ...

بيان منظمة البديل الشيوعي في العراق بمناسبة الذكرى السنوية الثامنة لتأسيسها

نحيي الذكرى السنوية الثامنة لتأسيس منظمة البديل الشيوعي في العراق ونحن نتلمس كل لحظة وقع ...

كلمة مؤيد احمد، نيابة عن منظمة البديل الشيوعي في العراق، في مراسم الاحتفاء بنضال وحياة الرفيقة ينار محمد في السليمانية

طاب مساءكم أعزائي الحضور   نيابة عن اللجنة المركزية وجميع أعضاء منظمة البديل الشيوعي في ...

تقرير عن مراسم إحياء ذكرى الرفيقة العزيزة ينار محمد في السليمانية!

تحت شعار (ثورة ينار مستمرة!) شهدت مدينة السليمانية مساء 21 حزيران 2026، مراسم مهيبة اجلالا ...