ميار عامر
في العراق، لا تزال الحصانة السياسية تُستخدم كدرع للذكور المتنفذين، يتيح لهم الإساءة للنساء علنًا دون خوف من المساءلة. وعلى الضفة الأخرى، يُلاحَق كل صوت معارض – وبشكل خاص الأصوات النسوية – تحت ذرائع قانونية فضفاضة تُشرعن القمع باسم الأخلاق والنظام العام.
هذا التناقض لا يمثّل خللًا عشوائيًا، بل يعكس سياسة ممنهجة تحمي الخطاب السلطوي وتستهدف أي خروج عنه. إذ تتمتع بعض الشخصيات السياسية بحق الطعن العلني في كرامة النساء، ونشر الإساءات اللفظية والتمييزية في الفضاء العام، دون أن تُواجَه بأي إجراء رادع. في المقابل، تُفتح الملفات ضد الناشطات والصحفيات والناقدين والناقدات، ويُتهمون بإنتاج “محتوى هابط”، أو بالإساءة للقيم المجتمعية، لمجرد التعبير عن آراء نقدية أو نشر مضامين تُخالف الخط الرسمي.
ورغم أن هذا القمع لا يستثني الرجال المعارضين أو الصحفيين المستقلين، إلا أن النساء يتعرضن لقمع مزدوج، بحكم موقعهن داخل مجتمع أبوي، تُستخدم فيه السلطة القانونية والإعلامية والدينية لإسكاتهن وتأديبهن. فالناشطة لا تُهاجَم فقط لأنها معارضة، بل لأنها امرأة تجرأت على الخروج عن الأدوار التقليدية. ولذا، فإن حجم العنف الرمزي والمادي الذي تواجهه أكبر بكثير، ويأخذ أشكالًا متعددة: من التشهير، إلى التحريض، إلى التهديد، إلى سحب الشرعية من حضورها العام.
هذا كله يجري في وقت تستمر فيه السلطة بتشريع قوانين تقمع النساء بشكل مباشر، مثل محاولات تعديل قانون الأحوال الشخصية، الذي يسعى إلى سحب ما تبقى من مكتسبات قانونية لهن في الحضانة، والزواج، والميراث، وغيرها. وهو ما يُشير إلى أن الدولة لا تكتفي بمحاصرة حرية التعبير، بل تسعى كذلك لإحكام السيطرة على حياة النساء الخاصة والعامة، عبر منظومة تشريعية تُعيد إنتاج التمييز الذكوري.
القانون في صورته الحالية لا يعمل كأداة عدالة، بل كأداة ضبط اجتماعي لصالح البنية الذكورية.
فالسكوت عن عنف السياسيين الذكور، والملاحقة القضائية للناشطات، ليست سوى وجهين لسلطة واحدة، سلطة لا تتحمل أن تتكلم النساء، ولا أن يُعارضها أحد.
وفي ظل هذا الواقع، تصبح المطالبة بالحريات الفردية، والعدالة الجندرية، وحرية التعبير، ضرورة لا تخص النساء فقط، بل كل من يرفض الخضوع لهذا النظام القائم على الامتياز الذكوري والصوت الواحد.
منظمة البديل الشيوعي في العراق تنظيم شيوعي عمالي منهجه الفكري والسياسي ماركسي مستنبط من “البيان الشيوعي”
