لماذا لا تحتج نساء الريف على قانون الأحوال الشخصية؟

شورش عمر

رغم أن قانون الأحوال الشخصية يمس حياة النساء بشكل مباشر، ويؤثر على مصيرهن في الزواج، والطلاق، وحضانة الأطفال، والميراث، إلا أن الاحتجاجات ضده تكاد تقتصر على نخب نسوية حضرية، فيما تغيب أصوات النساء الريفيات بشكل شبه تام. هذا الغياب لا يعني بالضرورة رضا المرأة الريفية عن القانون، بل يكشف عن واقع مركّب من التحديات والقيود الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تمنعها من التعبير عن رفضها أو حتى مناقشة الموضوع.

في البيئات الريفية، تحتل العادات والتقاليد موقعًا أعلى من القانون نفسه. المرأة التي تفكر في الاعتراض، تُقابل بسلسلة من القيود التي تبدأ من داخل الأسرة، ولا تنتهي عند حدود المجتمع أو العشيرة. يُنظر إلى خروج المرأة عن المألوف بوصفه عيبًا كبيرًا يمس “شرف العائلة”، وتُخشى تبعاته على سمعة الأسرة ومكانتها الاجتماعية. لذلك، تفضل الكثير من النساء الصمت، ليس عن قناعة، بل بدافع الخوف من العواقب.

هذا الخوف يتضاعف في ظل غياب الحماية الاجتماعية والقانونية. فنساء الريف غالبًا ما يعتمدن اقتصاديًا على أزواجهن أو أولياء أمورهن، ولا يملكن الاستقلال المالي الذي يسمح لهن باتخاذ مواقف معارضة. كما أن النساء اللاتي يتعرضن للعنف أو الظلم القانوني لا يجدن غالبًا جهة قريبة تقدم لهن المساندة، سواء منظمات مجتمع مدني أو جهات حقوقية.

الأمر لا يقف عند هذا الحد، فالكثير من النساء في المناطق الريفية لا يملكن معرفة حقيقية بحقوقهن أو حتى بتفاصيل قانون الأحوال الشخصية. التعليم المحدود، وانعدام التثقيف القانوني، وندرة الحملات التوعوية، كلها عوامل تسهم في بقاء المرأة في دائرة الجهل القانوني، ما يرسّخ قبولها بالواقع دون مساءلة.

إلى جانب ذلك، يُقدَّم قانون الأحوال الشخصية، في الكثير من الأحيان، باعتباره مستمدًا من الشريعة الإسلامية. وهذا التصور يُخيف العديد من النساء من الاعتراض، خشية أن يُفهم موقفهن على أنه معارضة للدين نفسه، وهو اتهام ثقيل في مجتمعات محافظة مثل المجتمعات الريفية.

لا يمكن أن نتجاهل كذلك طبيعة الحياة اليومية للنساء في الريف. فالانشغال بتأمين أساسيات المعيشة، والعمل في الزراعة، وإدارة شؤون المنزل، يترك للمرأة القليل من الوقت أو الطاقة للتفكير في قضايا أكبر مثل القوانين والتشريعات. في هذا السياق، تبدو الأولويات مختلفة، ويصبح من السهل تأجيل الحديث عن “الحقوق” إلى أجل غير مسمى.

غياب نساء الريف عن ساحات الاعتراض لا يعني غياب المعاناة، بل هو انعكاس لعالم تحكمه قيود صامتة، وأصوات مكمّمة، وواقع لا يتيح للمرأة أن تكون طرفًا فاعلًا في تقرير مصيرها. وإذا أردنا تغييرًا حقيقيًا، فلا بد من النزول إلى القرى، والاستماع إلى النساء، وتقديم الدعم القانوني والاجتماعي لتمكينهن من كسر جدران الصمت، والدفاع عن حقوقهن بوعي وقوة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ثلاثة أشهر مضت على اغتيال ينار محمد والحكومة الجديدة مستمرة في التكتم على نتائج التحقيق! تغيير الكابينة الوزارية لا يبرر غض النظر عن واحدة من أخطر الجرائم في المنطقة!

بعد مرور نحو ثلاثة أشهر على اغتيال القائدة الشيوعية ورمز النضال النسوي التحرري ينار محمد ...

ماذا لو وجدت كوثر من يدافع عنها!

القتل الهمجي للطفلة كوثر ذات 15 سنة مؤخرا على يد ذويها "غسلاً للعار" كان تذكيرا ...

حكومة علي الزيدي ومنهاجه الوزاري ترسيخ مصالح راس المال وإدامة الوضع السياسي القائم

بيان منظمة البديل الشيوعي في العراق بعد مرور أكثر من 6 أشهر على انتهاء مهزلة ...

بمناسبة الأول من أيار، يوم التضامن الأممي للطبقة العاملة

بيان منظمة البديل الشيوعي في العراق هذه ليست المرة الأولى التي يحل فيها الأول من ...

كلمة منظمة البديل الشيوعي في العراق-فرع بريطانيا في الوقفة الاحتجاجية امام السفارة العراقية في لندن يلقيها الرفيق نزار عقراوي

  https://youtu.be/1w5m7MkpSj4?si=23ir0LJvQApPT0Yf مساء الخير، نرحب بكم جميعاً في هذه الوقفة الاحتجاجية الهامة أمام السفارة العراقية ...