مقابلة الغد الاشتراكي مع زهير حداد/مجلة مساواة- حول الاحتجاجات الأخيرة في المغرب:

اعداد شيرين عبدالله:

اجتاحت المغرب في الأسابيع الأخيرة موجة عارمة من المظاهرات والاعتراضات تناقلتها العديد من وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي، ذكر ان الشباب من جيل ال زيد 212 لعبوا الدور الرئيسي فيها على خلفية التدهور المستمر في الأوضاع المعيشية والبطالة والفساد وسوء الخدمات العامة وفي مقدمتها الصحة والتعليم. اشارت بعض المصادر الى ان فتيل شعلة هذه التظاهرات كان الموت غير المتوقع لعدد من النساء في احدى مستشفيات الولادة وذلك بسبب رداءة الخدمات الصحية والإهمال.

من اجل القاء الضوء على تلك الاحداث ومحاولة لاستنباط الدروس النضالية منها اجرت شيرين عبدالله عن الغد الاشتراكي لقاءَ مع الرفيق زهير حداد من مجلة مساواة المغربية:  

  • هل يمكنكم اعطائنا لمحة عن خلفية هذه الاعتراضات الأخيرة ومدى انتشارها في عموم المغرب؟ وكذلك مدى الدعم والتضامن من قبل العمال من مختلف القطاعات ان امكن.

زهير حداد – يشهد المغرب الآن موجة احتجاجات يقودها الشبان والشابات إلى جانب الفئات الكادحة. احتجاجات أعادت قضايا العدالة الاجتماعية إلى زخم النقاش. ولدتها سنوات طويلة من التهميش، والتفقير ، وغياب الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم، وتفشي البطالة والفساد.

لقد عرفت أكادير وهي المدينة المتواجدة جنوب المغرب والمعروفة بطابعها السياحي والمحاطة بأحزمة من العشوائيات، حادث مأساوي، تمثل في وفاة 8 نساء أثناء الولادة بسبب انعدام الرعاية لينضاف رقم تاسع إبان الاحتجاجات نفسها. شرارة تحولت إلى انتفاضة اجتماعية امتدت بسرعة إلى باقي المدن ،التقطها الشباب ليعبر من خلالها على الازمة التي يتخبط فيها البلد، لكن الوضع ينذر بالانفجار قبل هذا بكثير. 

إن الادعاء بنهج سياسات تسعى لتوفير الشروط الملائمة للاستثمار الأجنبي من أجل خلق مناصب شغل جديدة قد فندته التقارير الخاصة بتنامي البطالة وخاصة بطالة الشباب وتعري الاستنزاف الذي يطال الثروات  المحلية من قبل الرأسمال الدولي والمحلي و ما يرافق هذا المسلسل من ترحيل للثروة وقرصنة الدخل الاسري عبر ارتفاع الأسعار والغلاء وسياسات القروض  وانهيار الخدمات العمومية.

بالإضافة إلى كل ما سبق وبالنظر لما تعرفه الخدمات العمومية من تدمير، أمام تقشف الميزانيات المخصصة لهذه القطاعات، تتوجه الاستثمارات العمومية إلى المشاريع المتعلقة بكأس الأمم الأفريقية “2025/2026” وكأس العالم 2030.وهو ما ساهم بدوره في إثارة الاستياء الشعبي. وأدى في جانب منه الى الانفجار الذي نعيشه اليوم .

أما فيما يخص الشق الثاني من السؤال وما مدى  الدعم والتضامن من قبل العمال من مختلف القطاعات، فالحديث عن العمال كيافطة تحدد الموقع الطبقي للمشاركة في الاحتجاج  غير مطروح، قد تكون مشاركة العمال لكن بيافطة المواطنة. هنا يمكن الإشارة إلى وضع منظمات العمال اليوم ودورها داخل الساحة السياسية والدور الذي تقوم به البيروقراطيات في تكبيل النضالات.

إن التدفق الذي تعرفه النضالات اليوم بالمغرب لا يجد الأداة القادرة على غرسها شعبيا ورغم مشروعية المطالب وما تشكل من قاعدة مادية لعلة وجود المنظمات العمالية،  فإن هذا الوجود، شبه منعدم باستثناء بعض البيانات اليتيمة.هذا الوضع  قد يؤدي الى تبديد النضالات وهو ما لا نتمناه.

  • هل يمكننا القول بان معاناة النساء وبالأخص في مجال الصحة العامة كانت محركا لشرارة هذه المظاهرات؟ وكيف تقيمون دور النساء في هذه الاحتجاجات.

زهير حداد- صحيح معاناة نساء الطبقات الكادحة من واقع الصحة في المغرب كان أحد المحفزات الرئيسية لهذه الاحتجاجات، تحديدا توالي وفيات النساء الحوامل داخل مستشفى الحسن الثاني بأكادير، نتيجة رداءة الخدمات الصحية المقدمة به. وتناقل وسائل التواصل الاجتماعي لهذه الوفيات شكل تعبئة غير مباشرة لتشكل غضب شعبي حول واقع الصحة في المغرب. وللإشارة فواقع المستشفيات العمومية ليس وليد اللحظة بل نتيجة لتعاقب سياسات طبقية فككت خدمة الصحة، وقد شكل انسحاب الدولة من دورها في توفير الحق العادل في الحصول على الصحة نقطة تحول فتحت الباب على مصراعيه نحو فسح المجال لتغول مافيات القطاع الخاص بحقل الصحة.

لقد أسهمت الاحتجاجات في تعرية الوجه الخفي ل “مستشفى الموت” كما أطلقت عليه ساكنة أكادير، وهو ما يمكن تعميمه على كل الوحدات الصحية بالمجال الحضري، وتتضاعف المعاناة بالمجال القروي المهمش، حيث تفقد العديد من النساء حياتهن نتيجة مضاعفات الحمل والولادة، نظرا لغياب مستشفيات القرب، وإن توفرت فهي مجرد جدران فاقدة للتجهيزات والأطر. ناهيك عن العزلة نتيجة رداءة البنية التحتية بالمجال القروي، فتُحمل فالنساء على ما يشبه نعش الموت فوق ظهر الدواب في ظروف ماسة بالكرامة ومهددة لسلامة وصحة المرأة الحامل وجنينها، إضافة إلى ما سبق تعاني النساء المصابات بأمراض مزمنة، من الحرمان من الحصول على العلاج او الرعاية الصحية نتيجة هشاشة وضعهن الاجتماعي، فيواجهن ذات مصير النساء اللواتي فقدن حياتهن بمستشفى الموت، وهو ما يفضح الادعاءات القائلة أن واقع المستشفى تغير وعرف اصلاحا.

إن الواقع الذي يعيشه قطاع الصحة، والذي تترجمه وقائع الوفيات المتكررة في صفوف النساء، يبرز بالملموس استرخاص حياة النساء، ومدى تضررهن من واقع خصخصة القطاع. وهو ما يبرر حضور النساء في قلب هذا الغضب والاحتجاجات الواسعة، والتي كانت بدايتها أمام المستشفى المذكور. وعرفت مشاركة واسعة ونوعية للنساء من مختلف الفئات( تلميذات، معطلات، طالبات، عاملات، ربات بيوت، عاملات…الخ).

لقد كان حضورهن لافتا وعبرن عن سخطهن واستنكارهن للاستهتار بحقهن في الرعاية الصحية، والمطالبة بقطاع صحة جيد مجاني وعمومي للجميع، إضافة إلى رفعهن مطلب محاسبة المتورطين في وفاة النساء الحوامل.

من المعلوم أن الواقع الذي تعيشه المستشفيات المغربية العمومية لا يمكن تسطيحه واختزاله في ممرض أو طبيب في أداء مهامه، بل هو عدسة تترجم طبيعة السياسة الطبقية التي تسهر على تنزيلها الوزارة الوصية على قطاع الصحة، والحصيلة تفكيك هذه الخدمة وتفويتها للقطاع الخاص، وهذا في حد ذاته خرق سافر للحق في الصحة واسترخاص لحياة المواطنين. فالغالبية العظمى من الأسر المغربية اليوم تحت وطأة الفقر، وما يعبر عن ذلك أن المواطنين الذين يلجؤون للمستشفيات العمومية ينحدرون من فئات هشة لا تملك ثمن التطبيب في مستشفيات خاصة.

  • تستمر نضالاتكم في مجال التعليم العام ضد الخصخصة وفي سبيل تحسين الأوضاع المعيشية للعاملين في التعليم منذ عدة سنوات، هل يمكن اطلاعنا على الوضع الحالي واية مستجدات؟

زهير حداد- إن الحديث عن نضالنا لأجل عمومية ومجانية التعليم ينطلق من اعتباره خدمة اجتماعية غير قابلة للتسعير، والحقيقة أن المشهد الحالي من زحف على المكتسبات، وفتح الباب نحو هجومات جديدة، ليس وليد اللحظة بل تراكم لتحولات كبرى وعميقة تعكس نهجا نيوليبراليا، يهدف إعادة تشكيل المدرسة العمومية وفق منطق السوق والربح. فتحويل التعليم إلى سلعة يجردها من هويتها كحق يجب ضمان الوصول إليه بغض النظر عن الانتماء الطبقي والمجالي. يتم ذلك عبر تشجيع التعليم الخصوصي على حساب العمومي، مما يكرّس التفاوت الطبقي في فرص التعلم.

إدماج منطق المقاولة في تدبير المؤسسات التعليمية، حيث تقاس الجودة بمؤشرات مالية لا تربوية. وتعاد صياغة المناهج الدراسية لتخدم احتياجات السوق بدلا من بناء الحس النقدي والابداعي.

هذا التحول يُفرغ المدرسة من مضمونها، ويحولها إلى فضاء لإنتاج “رأس مال بشري” قابل للتوظيف، لا أفراد أحرار.

هذا التوجه لا يمس فقط بنيات التدبير، بل يطال جوهر العملية التعليمية، ويعيد تعريف دور المدرِّس/ة، فيصبح وكيلا تجاريا لمنتوج يقدم عن بعد أو عن قرب.

تعيد السياسات الطبقية في التعليم المغربي اليوم، تشكيل صورة المدرّس؛ مجرد منفذ لعقود أهداف ومؤشرات أداء، لا فاعلا تربويا مستقلا. يخضع لتقييمات فردية ومردودية رقمية، تُضعف التضامن المهني وتكرس التنافسية الهشة، وهو ما تم التعبير عنه في تنويع أشكال التوظيف ( التعاقد/ مربيات التعليم الأولي).

إن ارساء معالم مدرسة المقاولة، لا يتم إلا عبر نقل علاقات الشغل القائمة بالقطاع الخاص إلى العام، فتدبر المدرسة المغربية العمومية وفق عقيدة الخصخصة، وقد جسد فرض التعاقد، هذا التحول، حيث تم تفكيك الوظيفة العمومية، وتحويل علاقة الشغل إلى علاقة تعاقدية هشة. فضلا عن تفكيك الحماية الاجتماعية والاستقرار المهني، مما يُضعف قدرة المدرّس على أداء مهامه.

إن تعميم الهشاشة بقطاع التعليم، ترافق مع تأنيثه، وهو ما يبرز السعي نحو جعله ملحقا بالقطاعات الهشة والشاقة، تُدفع لها النساء قسرا كيد عاملة رخيصة، ولعل واقع مربيات التعليم الأولي مثال صارخ في هذا الصدد..هذا النموذج يُكرّس منطق “المرونة” الذي يخدم مصالح السوق، لا مصلحة العاملين أو المتعلمين.

وقد تضمن الميثاق الوطني للتربية والتكوين أولى الاشارات لهذا التفكيك، والذي تم أجرأته فيما بعد على مراحل في تنزيل واضح لمعالم خارطة طريق ترسم معالمها وحدودها المؤسسات المالية العالمية.في هذا الصدد يؤدي المدرس دور خادم لمنطق السوق.

وتجريم الإضراب وتقييد الحراك، يخدم هذه السياسات، حيث ترتفع وثيرة النزعة السلطوية في التعامل مع الاحتجاجات التعليمية، عبر الاقتطاعات والتهديدات.

هذا وقد تمت أجرأة الهجوم على الحق في التنظيم والاضراب عبر تمرير قانون تجريم هذا الأخير، في تقدم سريع لوثيرة الهجوم على الحريات النقابية والسياسية. سعت الدولة من خلالها إلى التضييق على التنسيقيات، ومحاولات احتوائها أو تشتيتها. وقانون الإضراب موجه لها بالدرجة الأولى لأنه يفكك التنظيمات الديموقراطية القاعدية على حساب فتح الباب نحو مزيد من الاحتواء.

إن الحق في الإضراب لا يعني الشغيلة التعليمية فقط، بل يمس الطبقة العاملة بشكل عام. وما قامت به الدولة اليوم هو الاستفادة من حالة الهزيمة والاحباط بعد حصار حراك نساء ورجال التعليم 2023. لتتقدم في تنزيل الهجوم، فأمسى الحق في الاضراب “جريمة إدارية”، تستوجب العقاب والتأديب وفق درجات محددة.

إلى جانب ما سلف نشير إلى تفكيك الحماية الاجتماعية عبر استهداف صندوق التقاعد، ودمج الصناديق ( الضمان الاجتماعي/ كنوبس).كل هذا في ظل تواطؤ بيروقراطي نقابي يكبل الفعل النضالي تحت مسميات خيار الحوار الاجتماعي. على امتداد المعارك التي خاضتها الشغيلة التعليمية لعبت البيروقراطية النقابية دورًا في تسريع تنزيل الهجوم. حيث كان تحركها فقط لضمان مقعد في مسلسل الحوار الاجتماعي، والذي بدوره يُستخدم لتمرير السياسات بدلًا من مواجهتها. إن الطابع الهرمي المتحكَّم في دواليبه يضعف الديمقراطية الداخلية، يزيف ماهية العمل النقابي، ليصبح مجرد تبييض لصفحة البيروقراطية وتبرير عمالتها. وهو ما يُفقد الألوية النقابية المتنوعة اليوم أي شرعية تمثيلية. لأنها تكبح لا تحفز.

هذا التواطؤ حوّل النقابة من أداة نضالية إلى وسيط إداري، أفرغ العمل النقابي من هويته الكفاحية.

في هذا السياق، برزت تجربة التنسيقية الوطنية للأساتذة والأطر المفروض عليهم التعاقد كتجربة نضالية نوعية، واجهت الهجوم على الوظيفة العمومية، وفضحت هشاشة السياسات التعليمية. وجددت روح النضال في المدارس العمومية، عبر بناء الفعل من القاعدة، وهو ما رسخ الوفاء لتعاليم الديمقراطية في اتحاد القرارات وبناء المعارك بعيدا عن التنسيقيات الفوقية.

تأسست التنسيقية بتاريخ 4 مارس 2018، كرد فعل على فرض التعاقد، وشكلت رافعة وعي جماعي ضد الهشاشة. خاضت إضرابات وبرامج نضالية تنوعت بين معارك المؤسسات التعليمية، والنضال المحلي، الجهوي، القطبي، الوطني، وواجهت القمع والاقتطاعات، والاعتقالات والأحكام القضائية، وقدمت شهيد المدرسة العمومية “عبد الله حجيلي”.

أمام هذا النزيف من القمع والحصار صمدت تنسيقية المفروض عليهم التعاقد كجبهة مقاومة، ورفضت تمثيلة القيادات البيروقراطية لها في جلسات الحوار مع وزارة التربية والتعليم.

إن خوض الصراع والاشتباك النضالي للتنسيقية، عرّى تواطؤ القيادات النقابية، التي روجت للأضاليل بترديدها تحقق ما أسمته “الإدماج التشريعي”. ورغم التحديات التنظيمية الحالية وواقع الحصار الذي فرض تراجع التنسيقية عن القيام بدورها في مواجهة الهجمات الحالية، تبقى نموذجا نضاليا فريدًا في ممارسة الديمقراطية، فضلا عن كشفها المارد النضالي الكامن في الجيل الحالي من شغيلة التعليم، وهو ما سيكون له أثر إيجابي في المراكمة لبناء تجارب نضالية ذات بعد كفاحي في المراحل القادمة، خاصة مع تزايد وثيرة الهجوم والتفكيك.

عموما، إن التوجه النيوليبرالي في التعليم المغربي ليس مجرد إصلاح إداري، بل هجوم شامل على المدرسة العمومية، المدرّس، والمتعلم. إنه مشروع لإعادة تشكيل الوعي الجماعي وفق منطق السوق، وتفكيك أدوات المقاومة الاجتماعية. وفي مواجهة هذا الهجوم، تبرز الحاجة إلى بناء أدوات نضال، تعيد الاعتبار للتعليم كحق، وللمدرس كفاعل، وللعمل النقابي كفعل مكافح لا دورية اطفاء. ولعل الدرس الأهم من نضالات شغيلة التعليم بكل الفسيفساء الفئوية التي تنضوي تحت لوائها، هو تجاوز القطاعية والانفتاح على بناء معارك ذات هوية جماعية، إضافة إلى فتح نقاشات موسعة حول سبل الارتباط بالحاضنة الشعبية فكرا وممارسة لأن العدو الطبقي يقود هجوما منظما يروم التفكيك لكافة القطاعات الحيوية، والتبشير بمزيد من الهشاشة كخيار نيوليبرالي يدوس رقاب القاعدة لتحقق مضاعفة رأس الهرم لأرباحه.

  • سرعان ما انتشرت انباء الاحتجاجات، انتشرت معها انباء عن القمع والاعتقالات والقتل من قبل السلطات الحاكمة في المغرب. هل يمكن إعطاء صورة عن مدى القمع وما هي أسباب اشتداد العنف ضد المعترضين الان في رايك؟

زهير حداد- ما يمكن ملاحظته بوضوح هو أن القمع في المغرب لم يعد مجرد أداة استثنائية لضبط الاحتجاجات، بل أصبح وظيفة بنيوية للدولة في طورها النيوليبرالي المتأخر. فحين تفقد الدولة قدرتها على إنتاج التوافق الاجتماعي عبر الوعود التنموية أو سياسات الدعم، لا يبقى أمامها سوى اللجوء إلى الإكراه بوصفه الوسيلة الوحيدة لإعادة إنتاج الهيمنة. إن اشتداد العنف اليوم هو نتيجة مباشرة لهذا التحول: من دولة الوعد إلى دولة الردع، من دولة “الرهان على النمو” إلى دولة “إدارة الأزمة”.

لقد كشفت الموجة الأخيرة من الاحتجاجات عن تآكل الشرعية الاجتماعية للنظام القائم. فالدولة التي بنت جزءا من مشروعيتها على وعود التنمية والاستقرار والوساطة، تجد نفسها اليوم أمام جيلٍ لا يعترف بلغة الإصلاح ولا يهاب السرديات القديمة حول “الاستثناء المغربي”. “جيل زد” تحرك خارج القنوات التقليدية للسيطرة السياسية والإعلامية، ما جعل السلطة في مواجهة خصم غير مرئي: لا قيادة يمكن احتواؤها، ولا تنظيم يمكن تفكيكه.

في مواجهة هذا النمط من الحراك الأفقي، تلجأ الأجهزة إلى القوة العارية، إلى الاعتقال والتهديد والرقابة الرقمية و المحاكمات الصورية والأحكام الجاهزة التي يصدرها قضاء التعليمات، والتي وصلت 20 سنة سجنا نافذا في محاكمات مدينة سلا قرب العاصمة الرباط، بل وإلى التصفية الجسدية، وقد ارتقى فعلا ثلاث شهداء شباب في ربيع العمر، برصاص الدرك الملكي بمدينة القليعة جنوب المغرب. لأن اجهزة الدولة ببساطة تفتقر إلى أدوات سياسية واجتماعية بديلة.

لكن القمع في جوهره ليس فقط رد فعل على الشارع، بل هو أيضا آلية لإعادة إنتاج الخوف داخل المجتمع ككل. فالقصد منه ليس فقط معاقبة المشاركين، بل توجيه رسالة ردعية إلى كل من يفكر في تجاوز “الحدود المرسومة”. بهذا المعنى، يصبح القمع جزءا من الاقتصاد السياسي للهيمنة: يستثمر في ضبط التوازنات الاجتماعية حين تعجز الآليات الاقتصادية عن ذلك. ومع ذلك، فإن هذا المسار يحمل في طياته تناقضه الخاص؛ إذ إن الإفراط في العنف يعمق فقدان الشرعية، ويكشف عجز النظام عن تقديم بدائل، مما يفتح الباب أمام وعي سياسي جديد يدرك أن الأزمة ليست في “تجاوز الخطوط الحمراء”، بل في وجود خطوط حمراء أصلا تمنع الشعب من تقرير مصيره.

يمكن القول إن الدولة في لحظات كهذه تتوقف عن التمظهر كوسيط بين الطبقات وتخرج بوجه مكشوف كأداة مباشرة في خدمة الأوليغارشية الحاكمة، فتتجرد من أقنعتها الاجتماعية لتظهر بوصفها سلطة بوليسية خالصة. إلا أن هذا التحول لا يبقيها في مأمن من التناقضات، لأن توسع القمع لا يوقف الصراع الطبقي، بل يعيد صياغته بأشكال جديدة، أكثر تجذرا وتنظيما. فالعنف المادي للدولة يولد وعيا جديدا بضرورة بناء قوة مضادة منظمة، قادرة على تحويل الغضب الاجتماعي إلى مشروع تحرري واع، وهذا هو التحدي المركزي الذي تطرحه المرحلة الراهنة.

  • تجارب الانتفاضات في العراق والعديد من البلدان الأخرى اثبتت مرارا انه من الأخطاء الكبيرة التي تقع فيها الشبيبة المعترضة هو ابتعادهم عن التحزب وتنظيم صفوفهم وذلك لأسباب مختلفة ابرزها استيائهم من كافة الأحزاب بضمنها الأحزاب الشيوعية واليسارية، وكذلك بتحريك مباشر من قوى وأحزاب السلطة واعوانها التي تعلق الآمال على تشتت صفوف العمال وعدم تنظيمها. كيف ترون هذه التجربة مقارنة بالأحداث الأخيرة في المغرب وما هي افاق هذه الحركة الحالية في نظركم؟

زهير حداد- هذا سؤال جوهري. فعلا، أحد دروس العقد الأخير في المنطقة هو أن الطاقة الثورية للشباب إذا لم تجد أدواتها التنظيمية، تذوب في الهواء. لكن علينا أن نكون منصفين: ابتعاد الشباب عن الأحزاب لم يكن اختيارا عبثيا، بل نتيجة لتكلس الأشكال الحزبية نفسها، بما فيها اليسارية، التي لم تعد تعبّر عن نبض المجتمع ولا عن إيقاع الزمن الرقمي الجديد.

إن ما يعيشه المغرب اليوم، شأنه شأن كثير من بلدان الجنوب، لا يمكن فهمه إلا في ضوء التحول التاريخي الذي أصاب كل البنى الوسيطة للحركة العمالية واليسار منذ انتصار النيوليبرالية. فالمسألة لا تتعلق بمجرد “نفور شبابي” من التنظيم، بل بأزمة أعمق هي أزمة الوساطة ذاتها، أي انهيار الأشكال التي كانت تصل بين النضال اليومي والبناء التاريخي، بين الغضب الاجتماعي والمشروع السياسي. هذه الأزمة لم تصب الأحزاب التقليدية وحدها، بل أصابت مفهوم السياسة نفسه كما عرفته الحركة العمالية في القرن العشرين.

لقد خرج جيل جديد من رحم هذا الانهيار، جيل لم يترب في أحزاب أو نقابات، بل في فضاء رقمي مفتوح، حيث تختلط المعلومة بالاحتجاج، والفعل السياسي بالممارسة الثقافية. هذا الجيل يرفض التراتبية والوصاية، لا لأنه معادٍ للتنظيم في حد ذاته، بل لأنه يشك في صدقية كل أشكال السلطة التي تتحدث باسمه. لكن المفارقة أن هذا الرفض، وإن كان تعبيرا عن وعي نقدي مشروع، يتحول في كثير من الأحيان إلى فخ ذاتي: فحين تتفتت البنى الوسيطة، يصبح النظام وحده هو المنظم الوحيد للمجتمع، وتتحول الأفقية من أداة للتحرر إلى شرط لإعادة إنتاج السيطرة.

من هنا تبرز الحاجة إلى ما نسميه العبور التنظيمي: أي الانتقال من لحظة النفي إلى لحظة التركيب، من رفض القديم إلى ابتكار الجديد. ليست المسألة في استعادة الحزب بمعناه الكلاسيكي، بل في إعادة اختراع أدوات الفعل الجماعي بما يتناسب مع طبيعة الصراعات المعاصرة. إن التنظيم المطلوب اليوم ليس مؤسسة مغلقة، بل شبكة من الجسور بين مواقع النضال المتفرقة: بين نضالات العمال في القطاعات المخوصصة، واحتجاجات الشباب ضد البطالة، وحركات النساء دفاعا عن الحق في الحياة، ومعارك التعليم والصحة.

هذه الجسور ليست تقنية بل سياسية، لأنها تعيد وصل ما قطعته النيوليبرالية: تفكك الطبقة، وتذرر الوعي، وانعزال النضالات. إن بناءها يعني تأسيس أفق اشتراكي جديد يستوعب دروس القرن الماضي دون أن يتقيد بها، أفق يقوم على الديمقراطية القاعدية والمشاركة المباشرة، لكنه في الآن ذاته يعي ضرورة التنسيق والتراكم والتنظيم. بهذا المعنى، فإن اليسار الذي ندعو إليه ليس حزبا جديدا يضاف إلى لائحة الأحزاب، بل عملية تاريخية لإعادة بناء الفعل السياسي ذاته، على قاعدة أن التحرر الاجتماعي لا يمكن أن يفوض، وأن الثورة ليست حدثا ينتظر، بل مسار يبنى عبر الجسور اليومية بين النضالات.

إن ما نحتاجه اليوم ليس شعار “عودة اليسار”، بل فعل إعادة تركيبه من جديد في تربة متغيرة. ذلك أن الجيل الجديد، مهما بدا عفويا أو متحررا من المرجعيات القديمة، يحمل في ذاته الإمكان الثوري : إمكانية أن تتجاوز الثورة حدودها القطاعية والزمنية، وأن تتحول من انفجارٍ اجتماعي إلى سيرورة دائمة، تربط بين ما هو اقتصادي وما هو سياسي، بين ما هو محلي وما هو كوني.

وبقدر ما ننجح في بناء الجسور بين هذه المستويات، بقدر ما نكون قد خطونا الخطوة الأولى نحو عبور اشتراكي جديد يفتح أفق التحرر الإنساني في زمن الانغلاق العام.

شيرين عبدالله- شكرا جزيلا لتخصيص الوقت والقاء الضوء على هذه الاحداث المهمة وكل التضامن مع نضالاتكم..

**

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

Report on the Protest in front of the Iraqi Embassy in London on 24.4.2026

Demanding the Immediate Release of the Results of the Investigation into the Assassination of Women’s ...

تقرير عن الوقفة الاحتجاجية امام السفارة العراقية في لندن٢٤.٤.٢٠٢٦

للمطالبة بالإعلان الفوري عن نتائج التحقيق في أغتيال القيادية النسوية والشيوعية (ينار محمد) تحت شعار ...

رحيل الرفيق العزيز كاظم جواد كاظم

ببالغ الحزن والأسى نعلن عن رحيل الرفيق العزيز كاظم جواد كاظم عضو لجنة الديوانية لمنظمة ...

بمناسبة رحيل الرفيق العزيز شاكر الناصري

ببالغ الحزن والأسى تلقينا نبأ رحيل الرفيق العزيز شاكر الناصري، الذي توفى يوم الأربعاء (٢٢-٤-٢٠٢٦) ...

انضموا إلى وقفتنا الاحتجاجية الجمعة ٢٤.٤.٢٠٢٦

مرت أكثر من ستة أسابيع، ولا يزال قتلة ينار محمد مجهولين طلقاء! اغتيلت الناشطة النسوية ...