عبدالله صالح
الأحداث الأخيرة في كوردستان سوريا وما تعرضت له الجماهير هناك من قتل وتشريد وتنكيل وابادة على يد ميليشيات ( أبو محمد الجولاني – أحمد الشرع ) الداعشية تحت غطاء “قوات الحكومة السورية” وبدعم كامل من الميليشيا الموالية للحكومة الفاشية في تركيا وبضوء أخضر من أمريكا والمساندة الكاملة من الحكومات الرجعية في المنطقة وفي مقدمتها قطر والسعودية، انعكست في جميع وسائل الاعلام المرئية والمسموعة وعلى صفحات منصات التواصل الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط عموما وإقليم كوردستان العراق بوجه خاص.
لا يخفى على أحد كيف وصل (أحمد الشرع) إلى السلطة بتنسيق تركي إقليمي، مما يجعل قراراته مرهونة بموافقة هذه الأطراف ومنها اللجوء الى القوة لإخراج قوات سوريا الدمقراطية من غرب الفرات تماشياً مع الرغبة التركية التي ترى مدينة حلب منطقة نفوذ لها ووجود ( قسد ) تهديد لـ” أمنها القومي”. هذه السلطة، ومهما وصفت نفسها، فهي في التحليل الأخير سلطة ديكتاتورية بلباس ديني/قومي.
هذه الأحداث رافقتها موجة عارمة من المد والهيجان “القومي الكوردي” شملت مجمل مدن وقصبان إقليم كوردستان العراق و بعض مدن كوردستان توركيا و كوردستان ايران بالإضافة الى خروج تظاهرات عارمة في معظم المدن الأوربية الكبرى، رُفعت خلالها شعارات التنديد بما جرى وأخرى تُدعوا الى “التراص القومي ضد الأعداء”. رافق ذلك الهيجان تنظيم حملات واسعة لجمع التبرعات النقدية والتموينية على حد سواء لمساعدة المنكوبين في تلك المناطق.
ان الاضطهاد القومي الذي تعرضت له الجماهير في كوردستان سوريا له أرضية تأريخية، فقد عانت وعلى مر عقود من الزمن وتحت سلطة حزب البعث الفاشي، من تمييز قانوني وقمع الثقافة واللغة الكوردية والإقصاء الاقتصادي والتهميش وانكار الحق في تقرير المصير.. هذا الظلم تحول الى قهر تأريخي فهم، وحسب توصيف السلطات لهم ” أجانب أو مهاجرون” يفتقرون الى أية هوية ” قومية كانت أو وطنية ” وهم مجردون من التجنس بالإضافة الى التغيير الديموغرافي والاقصاء السياسي الكامل . امتدت بعض هذه السياسات حتى بعد أحداث عام ٢٠١١ وعلى يد المعارضة السورية ، فكان شعار ( الشعب السوري واحد) واختزال سوريا في هوية قومية واحدة والذي يتجلى في تسمية البلد بـ” الجمهورية العربية السورية “تلك التسمية التي مازالت تطلق رسميا على سوريا. أما الحكومة الداعشية الحالية فهي تحاول الاستمرار على نفس النهج، بالأخص بعد تأمينها لتأييد القوى الامبريالية وعلى رأسها أمريكا وكذلك الدول الرجعية في المنطقة.
هنا لابد من الإشارة الى تجربة سلطة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا لحوالي خمسة عشر عاما والتي تميزت بسن قوانين تنص على فصل الدين عن الدولة والمساواة بين المرأة والرجل ومشاركتها في الإدارة وحمل السلاح والتآلف والتساوي في الحقوق والواجبات بين جميع المكونات في تلك المنطقة، رغم وجود اختلالات وتجاوزات في التطبيق لسنا هنا بصددها، تجربةً لا تقارن بما هو موجود في كوردستان العراق مما دفع بالتيارات اليسارية القومية الى السعي لتبني تلك التجربة واعتبارها نموذجا يحتذى به . كل تلك العوامل ساهمت في اندلاع هذه الموجة.
لاشك بان الظلم القومي ليس مجرد شعور وانما علاقة قوة غير متكافئة بين قومية مهيمنة وأخرى مضطَهَدة تتجلى ممارساتها في تمجيد الأمة والقومية المتفوقة وتحويل الهوية القومية الى أداة تعبئة عدوانية ضد القوميات المضطَهَدة وتبرير هذا الاضطهاد باسم ” الدفاع عن وحدة البلاد ومنع الانفصال” و ” تهديد الأمن القومي” و” القمع الداخلي بحجة الخطر الخارجي” أي باختصار شديد اضطهاد ممنهج!
ان سرد هذه النبذة التاريخية ليس بهدف تبرير ردة الفعل التي رافقت تلك الموجة الأخيرة والتي سنأتي الى ذكرها، بقدر ما هو توضيح للحقائق التاريخية التي تروى فصولا من القمع والاضطهاد القومي الممنهج والذي بدوره يفرض على الشيوعيين والتحررين مهمة تبني هذه القضية والنضال من أجل حلها ورفع هذا الظلم وذلك من منطلق إزالة تلك الحواجز أمام نضال البروليتاريا الطبقي سيراً نحو الاشتراكية .
لاشك بأن هذا الهيجان القومي كان له تداعيات عديدة ومختلفة ،فعلى صعيد إقليم كوردستان العراق كانت هذه الموجة وهذا الغليان القومي بمثابة طوق نجاة مؤقت لحكومة الإقليم، فخلال هذا المد الجماهيري جرى الترويج الممنهج من قبل هذه السلطة عبر وسائلها الإعلامية للأحاسيس القومية الذي طغى على بعض منها طابع ” الشوفينية القومية” وذلك بهدف الهاء الجماهير والدفع بها نحو نسيان مآسيها وآلامها التي تتعرض له باستمرار جراء سلطة هذه الأحزاب البرجوازية القومية الحاكمة بحجة تعرض ” المصالح القومية الكبرى ” للخطر ،وقد كان للفضائيات التابعة لتلك الأحزاب الدور المؤثر في تأجيج تلك المشاعر، لذا يمكن القول بانها ساهمت ولو لفترة في نسيان الجماهير لسياسات هذه السلطة القمعية وسط حالة من “النشوة القومية العارمة”.
هذا الهيجان، وفي الوقت الذي ساهم، ولو بشكل من الاشكال، في دعم واسناد الجماهير في كوردستان سوريا، ساهم في الوقت نفسه، في إعادة تثبيت الركائز القومية لسلطة الأحزاب الحاكمة في الإقليم. ولكن، وما أن خفَّ هذا الهيجان حتى عاودت الجماهير في الإقليم اعتراضاتها ضد سياسات وممارسات هذه السلطة حيث أعلن المعلمون الاضراب واغلاق أبواب المدارس مطالبين برواتبهم غير المدفوعة لعدة أشهر.
الظاهرة الأخرى التي رافقت هذه الموجة العارمة هي موقف اليسار القومي من دعاة الماركسية ، ان صح التعبير، حيث ما أن عُزفت “المعزوفة القومية” وجرى رفع شعاراتها حتى أيقظت لديهم الأحاسيس القومية وانجرفوا مع هذا التيار، وفي مسار هذا التوجه حاولوا إيجاد بعض التبريرات النظرية التي تساند موقفهم آنف الذكر.
ان مطلب الشعب الكوردي في سوريا بحق تقرير المصير حق لا غبار عليه مما يستوجب على الشيوعيين دعمه واسناده ولكن من خندق غير خندق القوميين. أما شكل وطبيعة الدولة القادمة فيبقى رهن الإرادة الحرة للجماهير في سوريا وليس تحت ضغط القوى الدولية كما هو الحال الآن.
منظمة البديل الشيوعي في العراق تنظيم شيوعي عمالي منهجه الفكري والسياسي ماركسي مستنبط من “البيان الشيوعي”
